مقامات فاس (5): مقامة “باب بوجلود” في كشف اللثام عن سرّ الاسم وأسرار التحوّل من القصبة إلى بهجة الساحة


يا صاحِ، أحدّثتك حديثَ من عاين، وأقصص عليك قصصَ من باين، من سكن فاس وسكنته، دارُ العلم والأنفاس، ومهوى الأفئدة وموطن الإيناس، فيها العجب العجاب، وفيها من الأسرار ما يفتح كل باب، ولقد وقفتُ يومًا بساحةٍ فسيحة، ذات منظرٍ بهيٍّ ونفحةٍ مليحة، تُدعى عند الناس “باب بوجلود”، وهي تسميةٌ في ظاهرها شائعة، وفي باطنها مُدّعاةٌ مُخترَعة، إذ لم تجرِ بها أقلامُ الأقدمين، ولا وردت في دفاتر المؤرخين، حتى بزغ عهدٌ علويٌّ جديد، في أيام مولانا المولى إسماعيل المجيد، فذكرت في حوالةٍ وقفية، كأنها نبضةٌ في ورقةٍ خفية.فقلتُ في نفسي: سبحان من يُبدّل الأسماء كما يُبدّل الأزمان، ويُحدِث في الألقاب ما لم يخطر ببال إنسان! ثم سألتُ عن سرّ هذا اللقب الغريب، والاسم العجيب، فقيل لي: قد اختلف فيه الناس، وتباينت فيه الأنفاس، ووردت فيه أقوالٌ ثلاث، لكلٍّ منها وجهٌ وإن لم يستوِ بها القياس.

فأما القول الأول، فهو أن التسمية تعود إلى مدبغة جلود، كانت قائمةً على ضفة وادٍ ممدود، من فروع وادي فاس، حيث كانت الجلود تُنقع وتُدبغ، وتُهيأ وتُصبغ، فتفوح منها روائحُ العمل، وتنبعث منها شواهدُ الحِرَف والأمل. وأما القول الثاني، فهو ألطفُ ذكرًا، وأقربُ إلى الطرب فكرًا، إذ يربط الاسم بحفلاتٍ تنكرية، تُقام بعد شعائرٍ أضحوية، حيث يلبس الناس جلود الأضاحي، من غنمٍ وبقرٍ وماعزٍ، ويجوبون الأزقة والطرقات، يُحيون الليالي ويُبهجون الساحات، وكانت تلك الساحة من أوسع الميادين، وأرحب المواطن للفرجة والتزيين.

وأما القول الثالث، فهو عند المحققين أرجح، ولدى المدققين أوضح، إذ يُرجع التسمية إلى أصلٍ عسكري، ودورٍ دفاعيٍّ قديمٍ أثري، حين كانت الساحة قصبةً حصينة، وأبراجًا منيعة، وأسوارًا رصينة، تُعرف باسم “أبي الجنود” لا “بوجلود”، إلى عهدٍ قريبٍ غير بعيد، كانت بمحاذاة السور المقابل لباب ثانوية مولاي إدريس منازلُ للجنود في صفوفٍ كالعقود، تشهد بها صورٌ ثابتة، كأنها صفحاتٌ ناطقةٌ بما كان وما يعود. فلما انقضى عهدُ العسكر، وخلا المكان من صهيلهم والعَسْكَر، آوت إليها طوائفُ من الناس حينًا من الدهر، فسكنوها على قِلّةٍ وضيقٍ وصبر. ثم دارت رحى الزمان، وقضت يدُ التبديل والإبان، فأُزيلت تلك الدور إزالةً باتّة، كأن لم تكن بالأمس قائمةً ولا ذات حكايةٍ ماثلة. وكانت الساحة موضع حشدٍ ومرصدَ وفود. وبها كانت الجيوش تُجمع، والرايات تُرفع، والعساكر تُدفع، لتصدّ الأخطار إذا أقبلت، وتردّ الأعادي إذا أظلمت، من شرقٍ كان ينبض بالتهديد، ومن شمالٍ يرسل الريح والوعيد، منذ عهد الدولة الإدريسية، وما تلاها من عصورٍ عباسية وأغلالبية، ثم الفاطميون بما حملوا من دعوى، وبما بسطوا من سلطانٍ في الأرض والهوى، حتى بلغوا مصر واتخذوها دارًا، وكادوا للمغرب مرارًا وتكرارًا. ولا ننسى أطماع العثمانيين، إذ زحفوا من الشرق بجيشٍ متين، وكانت فاس آنذاك باب البلاد، ومفتاح الدخول والمراد، كما كانت الأخطار تأتي من الأندلس، زمن الأمويين ومن تلاهم من النكس، حين راموا بسط النفوذ والسيطرة، وامتدوا في الأرض طلبًا للسطوة والمقدرة، ثم جاءت اعتداءات النصارى بعد الطرد والنفي، فاشتد البلاء وتكاثف الخطب الخفي. وكانت الساحة أيضًا موضع تدبير، ومسرحًا لكل أمرٍ خطير، تُجمع فيها الجيوش لإخماد الفتن، وقمع العصيان وردّ المحن، فيما سُمّي بالحركات، أيام الاضطراب والالتباسات، حيث يغيب الاستقرار، ويعلو صوت السيف والنار.

ثم التفتُّ إلى الأبواب، فإذا هي ثلاثةٌ كأنها كواكبٌ في المحراب، لكل بابٍ حكاية، ولكل بناءٍ رواية، فأما الباب الأول، فهو الملاصق للباب الحديث(الباب الشهير عن السكان والناس)، ذو الزليج البهيّ والوشي الأنيق، يقع على يسار الداخل إلى المدينة، كأنما يدعوك إلى حكايةٍ دفينة، ذاك بابٌ قديم، يعود إلى عهدٍ كريم، إلى دولة الموحدين، في القرن الثالث عشر من السنين، وكان يُعرف قديمًا بباب بوجلود، قبل أن يظهر هذا البناء المشهود، غير أن اسمه الأصيل، في دفاتر التأصيل، هو “باب المطمر”، كما نقله كل مؤرخٍ معتبر، وسُمّي كذلك نسبةً إلى مطامر الحبوب، التي كانت تُخزّن فيها الأقوات والغلوب، منذ عهد المرابطين، ثم توارثها الناس في الأزمنة والسنين، وقد شُيّدت عليها لاحقًا قصبة النوار، فبقي الاسم شاهدًا على الأسرار. وهذا الباب ذو انعطافةٍ إلى اليمين، يفضي إلى زنقة السلالين، وهو اليوم مغلقٌ في وجه الزمان، ينتظر الإصلاح بعد طول حرمان.

وأما الباب الثاني، فهو المقابل للباب الحديث العالي، قريبٌ من باب الشمس، وعلى امتداد شارعٍ كان يُعرف بالحسن الأول بالأمس، تحفّ به جنان السبيل عن يساره، وضريح سيدي مجبر ومدرسة باب الدكاكن عن يمينه في مساره. وقد أصابه تغييرٌ في أواخر القرن التاسع عشر، حين هُدم عن آخره بلا تريثٍ أو نظر، وأُعيد بناؤه بطرازٍ إيطالي، على يد بعثةٍ عسكريةٍ في حالٍ انتقاليةٍ وحالٍ جدالي، جاءت مع مهندسين وخبراء، إثر اتفاقٍ بين السلطان (الحسن الأول) والدولة الإيطالية بلا مراء.وكانت تلك البعثة قد أشرفت أيضًا على بناء معمل السلاح، المعروف بـ “المكينة” في اصطلاح الفلاح، وبنوا كذلك عمارةً في حي الملاح، عُرفت بـ “باطا” في ذلك الصباح.لكن هذا الباب لم يدم طويلاً، إذ عاد إليه التغيير سبيلاً، حين تولى المقيم العام الفرنسي ليوطي زمام الأمر، فرأى في الطراز الغربي نشازًا وسط السور الأثر، فهدمه وأعاد بناءه على الطراز المغربي الأصيل، عام ست عشرة وتسعمائة وألف من بعد التأصيل.وكان ليوطي حريصًا على صون التراث، وعلى حماية الجمال من الاندثار والعبث، فأنشأ إدارةً للفنون الجميلة، تحفظ المعالم وتُحيي الأصالة الجليلة.ومن طرائف ما وقع في ذلك الزمان، أن الناس قاطعوا المرور من ذلك المكان، حين كان الباب على النمط الأوروبي، إذ رأوا فيه أثرًا للهيمنة والتغريب الأجنبي، حتى أفتى بعض الفقهاء بتحريم العبور، كأن الباب صار رمزًا للشرور.

وأما الباب الثالث، فهو أحدثها عهدًا، وأشهرها ذكرًا، وأعظمها قصدًا، هو باب أبي الجنود الذي يتوسط السور، كالتاج في جبين الدهور، منه يدخل الزائر إلى المدينة العتيقة، وإن كان حديثًا في البنية والطريقة، شُرع في بنائه عام ثلاث عشرة وتسعمائة وألف، وانتهى في عام خمس عشرة بلا خلف، بإشراف المجلس البلدي الأول، بعد شراء الأرض من مولاي الطاهر العلوي بلا تأوّل، ثم أضيفت إليها محلاتٌ حبوسية، لتوسيع الساحة وإتمام الرؤية العمرانية الهندسية. وسُمّي في أول أمره “الباب الجديد”، أو “باب المجلس” في التداول المفيد، ثم أطلق عليه الفرنسيون “باب الأمة”، حتى استقر به المقام على اسمه الحالي بلا زحمة(بوجلود).

وهو في هيئته ثلاثيّ الأبواب، بابٌ كبيرٌ في الوسط، وعن جانبيه بابان كالأصحاب، زُيِّن أعلاه بزليجٍ أزرق، يطل على الساحة في مشهدٍ أشرق، بينما الواجهة الخلفية خضراء، كأنها روضةٌ في السماء. وأبوابه الخشبية من أرزٍ متين، منقوشٍ بيد صناعٍ ماهرين، على طرازٍ أندلسيٍّ بديع، فيه الفسيفساء والنقش الرفيع، تعلوه قرميدٌ وسورٌ مسنن، كأنه تاجٌ على رأسٍ متمكن. ولقد كان من غرائب ما وقع بفاس في سالف الأعوام، حين بسطت الحماية الفرنسية ظلَّها على البلاد والأحكام، أن نهض مجلسٌ بلديٌّ ملفق ناشئ، كالغصن الطريّ في البستان الوادع، فعقد أولى جلساته في شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام اثني عشر وتسعمائة وألف، فكان ذلك الحدثُ فتحًا في باب التدبير، وبدايةً لعهدٍ من التنظيم والتسيير.اجتمع القومُ في مجلسٍ مهيب، حضره خليفة السلطان في جلالٍ ونصيب، ومعه الجنرال غورو في زيّه الرهيب، فاستُهلّ المجلس بخطابٍ بليغ، تلاه الباشا بصوتٍ رصينٍ سديد، دعا فيه إلى رفع كتابي ولاءٍ واحترام، إلى السلطان والمقيم العام في انتظام، ثم تعاقبت الخطب وتوالت الكلمات، كأنها عقدٌ من البيان تُنظمه العبارات، حتى رُفعت الجلسة على وعدٍ بلقاءٍ جديد، فيه من الرأي مزيد ومن التدبير مزيد.ثم توالت جلساتُهم في شهر ديسمبر/كانون الأول، فبانت فيها همومُ العصر وتجلّى ما استتر، فمنها ما تعلق بأمر الصحافة والإعلام، إذ أُشير إلى إنشاء صحيفةٍ تُنير الأفهام، اقترح لها ليوطي اسمًا بعد اسم، حتى استقر الرأي على “فاس” بلا رسم، تُطبع بالعربية في مطبعة “المكينة”، وتكون لسان المدينة في السرّ والعلانية.ومن عجيب ما دوّنوا، أن خزائنهم قد فاضت بما كسبوا، فسجّلوا فائضًا ماليًا عجيبًا، يندر في الأمس واليوم أن يكون قريبًا، كأن الرزق قد سال عليهم سيلًا، أو أن التدبير كان رشيدًا أصيلًا.ولم يخلُ مجلسهم من جدالٍ ونقاش، حول التعليم وما فيه من معاش، فدعا بعضهم إلى إصلاحٍ يُقوّم السبيل، ويوجّه العلم نحو العمل الجليل، لا إلى الحفظ العقيم، ولا إلى القول السقيم، بل إلى صنعةٍ تُغني، وحرفةٍ تُجدي.ومن طرائف ما اقترحوا، وما أقرّوا أو ما لمحوا، أن يُمنع السحر والشعوذة، لما فيهما من تضليلٍ وخبثٍ ومفسدة، وأن يُضرب على أيدي أهلهما بالعقاب، حتى لا يفسدوا في الناس ولا يفتحوا بابًا للارتياب، بل ذهب بعضهم إلى منع الجلوس عند مداخل الدروب، لما فيه من تضييقٍ وكدرٍ وشعورٍ بالكروب.

ودعا آخرون إلى اتخاذ شعارٍ للمدينة، يكون لها رمزًا بين المدائن والمدينة، كما طلب القبطان ميليي آلاتٍ كاتبة، وأدواتٍ إداريةً لازمةً وصائبة، ورأى فريقٌ تقليص عدد العدول، لما شاع بينهم من تجاوزٍ وقيلٍ وقول.وفي خضمّ هذه الأشغال، ووسط هذا الجدال، برز مشروعٌ عجيب، ومقصدٌ غريب، هو فتح بابٍ في سور المدينة، يكون لها وجهًا جديدًا وهيئةً أمينة، فكان ذلك باب “بوجلود” الذي هو أبي الجنود، الذي صار في الناس مشهورًا ومقصود.وقد تولّى أمره القبطان ميليي، فقال قولًا فيه اعتدادٌ وعلوٌّ وبهاء: “ينبغي أن يكون هذا الباب على قدر فاسٍ ومجلسها البلديّ”، فكأنما أراد أن يجعل منه شاهدًا على العصر، ودليلًا على ما استُحدث من أمرٍ في الحضر.ولم يكن ذلك يسيرًا بلا كلفة، ولا ممكنًا بلا عُسرةٍ ومشقة، إذ اقتضى شراء زريبةٍ من الشريف مولاي الطاهر العلوي، بثمنٍ بلغ ألفًا وثمانمائة دورو في حسابٍ جليّ، كما استوجب هدم دكاكين ثلاثة من أملاك الأحباس، ثم إعادة بنائها في موضعٍ آخر بلا التباس.ثم ضُرب أول معولٍ في اليوم السابع من فبراير، من عام ثلاث عشرة وتسعمائة وألف في الدفاتر، واستمر العمل دؤوبًا قرابة عامين، حتى تمّ البناء في عام خمس عشرة بيقين.وكان الناس في تسميته مختلفين، فدُعي أولًا “باب المجلس” على ألسنة العارفين، لأنه من صنع المجلس البلديّ الوليد، ثم غلب عليه اسم “باب بوجلود” في التداول المفيد، حتى صار علمًا عليه، ودليلًا دالًا إليه.وإذا وقفت أمام باب أبي الجنود من جهة الساحة، رأيت من خلاله صومعتي مسجدين في فصاحة، مسجد سيدي اللزاز والبوعنانية، كأنهما شاهدان على الروح الفاسية الزاهية.وإذا مالت الشمس بأشعتها، وانسابت على زليجه بألوانها، تغيّر لونه بتغيّر الزوايا، وتبدّل بتبدّل الأوقات والرؤى، فيمنح النفس بهجةً، والروح فرجةً، كأنك أمام لوحةٍ تتجدد في كل حين، وتُخبرك أن الجمال لا يعرف السكون ولا يستكين.

يا صاحِ، اعلم- حفظك الله- أن أول قصبةٍ شُيّدت بساحة ابي الجنود كانت قصبة المرابطين، في عهدٍ اشتدّ فيه ساعدُهم وتمكّن سلطانُهم في الأرض واليقين، فأقاموها على حافة هضبةٍ شامخة، كأنها تاجٌ على رأس الطبيعة الرامخة، تشرف على المدينة الإدريسية في سافل المنحدر، وتطلّ عليها كالحارس الساهر لا ينام ولا يعتذر.وكانت المدينة يومئذٍ صغيرةَ القدر، محدودةَ الأثر، لا تتجاوز حدودها ما بين جامع القرويين إلى باب عجيسة (الكيسة) في عدوة القرويين، وبين باب الجديد وباب الحديد في عدوة الأندلس في تبيين، وكانت مبانيها قليلةً معدودة، وأحياؤها متفرقةً محدودة، لا تضمّ إلا مساكن للتجارة والسكنى، ودورًا للحِرف والعبادة والبِنى، فلما ارتفعت القصبة المرابطية على الهضبة في إباء، كان يفصلها عن المدينة فضاءٌ أخضر كالبساط، ممتدٌّ لا تحدّه الأحياء ولا الطرقات، ولم تكن يومئذٍ تلك الشوارع التي عُرفت لاحقًا بالطالعة الكبرى والطالعة الصغرى، كانت الأرض بكرًا، والفضاء حرًّا، والعمارة لم تكتمل بعدُ صورةً ولا ذكرى.وأما بناؤها فكان على غير ما ترى اليوم من ترتيبٍ وأنساق، إذ اتخذت طرازًا عجيبًا في الأعناق، قيل إنه يشبه العمارة القوطية أو الفيودالية، أو ما ورثه الشرق من القلاع الرومانية والطرز العتيقة الخيالية، بأسوارٍ غليظةٍ كأنها الجبال، مبنيةٍ من حجارةٍ متفاوتة الأشكال، وأبراجٍ مستديرةٍ تترصد الآفاق، وأبوابٍ محصّنةٍ تُغلق دونها الطرقات والمناطق والأنفاق.ومن أراد أن يتصوّر تلك القلعة وقد اندثرت، وتلك الصورة وقد انطمست، فليقصدقلعة أمركو (المطلة اليوم على سد الوحدة، والقريبة من قرية مولاي بوشتى الخمار)، في نواحي تاونات، إذ تشبهها في الهيئة وإن صغرت عنها في المقامات، فهناك يُدرك الناظر بعض ملامحها، ويستشفّ من بقايا الحجارة أسرارها وأشباحها.

غير أن تلك القصبة على ما كان لها من عظمةٍ وامتناع لم تسلم من غوائل الزمان، إذ جاءها الحصار من كل مكان، حين قصدها عبد المؤمن الموحدي بجيشه الجرّار، فضرب عليها حصارًا دام ثمانية أشهرٍ أو يزيد في الإصرار، فتحصّن بها بقايا المرابطين ومن والاهم من السكان، وأغلقوا الأبواب وشدّدوا الحصون وصبروا على الامتحان.وكان في المدينة من الأقوات ما يكفي، ومن المياه ما يروي ويشفي، إذ كانت البساتين والمطاحن والمعاصر، قائمةً تُمدّهم بما يدفع الأخطار والمخاطر، فعسر على الغازي اقتحامها، واستعصى عليه فتح أبوابها.لكن عبد المؤمن لم يكن ممّن يُغلب بالرأي، ولا يُقهر بالحيلة والدهاء، فعمد إلى وادي فاس، فقطع مجراه وبنى فيه سدًّا من الحجارة والخشب والأغراس، حتى تجمّعت المياه واشتدّ اندفاعها، كأنها جيشٌ آخر يُناصره في مسعاه.ثم أطلقها دفعةً واحدة، فاندفعت كالسيل الهادر بلا هوادة، فهدمت القصبة أول ما هدمت، ودمّرت الدور والبيوت حتى سُوّيت، وقيل إن أكثر من ألفي دارٍ انهارت، وتداعَت المباني وتكسّرت وانكسرت، وعمّ الخراب في الحِرف والدور، واشتدّ البلاء وعلا الزور، ثم أمر بهدم أجزاءٍ من الأسوار والأعلام، خشية أن يُعاد عليه ما جرى ليوسف بن تاشفين من قبل، حين أُغلقت الأبواب دونه وعاد القوم إلى العصيان والجدل.

فلما استتبّ الأمر للموحدين، وامتد سلطانهم شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا في التمكين، نهض السلطان المنصور- حفيد عبد المؤمن- لإعادة البناء، فشيّد الأسوار والأبراج بعد الفناء، وأكمل ابنه الناصر ما بدأ، حتى عادت المدينة إلى بعض ما كانت عليه أو أشدّ وأقوى.وفي تلك الساحة وما جاورها، قامت مبانٍ بقيت آثارها إلى اليوم، وإن غاب بعضها في طيّ العدم أو في بطون الغيوم، منها قصبة النوار، وباب المحروق الذي كان يُدعى باب الشريعة في الأخبار، ومسجد بوجلود بصومعته المرينية التي بُنيت بعد الانهيار.ثم قامت قصبة أخرى في الجهة الشرقية، خلف المسجد والثانوية الإدريسية (ثانوية مولاس إدريس)، عُرفت في أول أمرها باسم “تاكاكارات”، ثم شاع ذكرها في الكتب باسم “قصبة الوادي” دون إنكار، لأنها قامت على ضفة واد الفجالين، أحد فروع وادي فاس في التبيين.وكان للماء فيها مجرىً لا يزال أثره باقيًا، يمرّ بين الأبنية كأنما يحكي ماضيًا سحيقًا وباقيًا، وكانت لها بابٌ يُسمّى “باب الوادي”، نسبةً إلى الماء الجاري في الأزمان والبوادي، كما كانت هناك بابٌ أخرى عند القنطرة، اندثرت مع الدهر ولم يبقَ منها إلا الذكرى.وضمّت القصبة الموحدية قصورًا ودورًا للإدارة والقيادة، اتخذها الموحدون مقرًا للحكم والسيادة، وسكنها المرينيون من بعدهم، قبل أن يُنشئوا فاس الجديد في مجدهم.

ثم دارت الأيام، وتقلبت الأحوال، فلم يبقَ من تلك المعالم إلا بعض الأسوار، وبقايا برجٍ أو قنطرةٍ تشهد على الأعصار، وساحةٌ استُعملت في زمنٍ قريب، سوقًا للدراجات كل أحدٍ بلا نقيب، ثم تحولت إلى سوق لبيع الملابس المستعملة، إلى أن أتيت عليها النيران المفتعلة، حتى أُغلقت في الأعوام الأخيرة بسورين، فحُجبت عن الأنظار بعد أن كانت مقصدًا للمارّين.وتحوّلت الساحة عبر العصور، فازدادت أبراجًا وأبوابًا، وتبدّلت وظائفها بين الحرب والتجارة والأنوار، حتى صارت في صورتها الراهنة كما تراها اليوم من الانبهار.

وقد أضاف المرينيون إليها بناءً مستطيلاً حصينًا، كان يُستعمل مربضًا للخيول ومخزنًا أمينًا، ثم صار مستودعًا للبضائع، حتى انهار سقفه في مطالع الألفية، فتحوّل إلى سوقٍ للملابس المستعملة فيما يُعرف بالجوطية، ثم أُزيل ليُبنى مكانه فضاءٌ جديدٌ متعدد الطوابق والبنايات العصرية.وكانت على أطرافها غرفٌ لسكن القادة، تنتشر بمحاذاة السور كأنها جنودٌ في استعدادٍ وإفادة، ثم هُدمت في زمنٍ لاحق، حين تغيّرت الوظائف وتبدّلت الطرائق.وأضيفت إليها مبانٍ قبل الحماية وبعدها، منها مخازن للمواد، وحمامٌ تركي يُدعى “شبكوني” في مداها، وسوقٌ للفحم، ومجزرةٌ تستقبل الأنعام، لتزوّد المدينة باللحم والطعام، كما استُعملت جهتها الغربية مأوى للفقراء، في خيامٍ وأكواخٍ من القصب والتراب والهواء.

ثم جاء عهد الستينات وما بعده، فبُسِطت أرضها بالحجر بعد أن كانت ترابًا في مداه، وأُصلحت أسوارها، وهُدمت غرفها القديمة، وأُعطيت وظيفةً جديدة، إذ صارت مسرحًا للفرجات الشعبية، تُقام فيها الحلقات وتُروى الحكايات الشفوية، ويجتمع فيها الحكواتي والمغني، ويعرض فيها الفن الشعبي في كل مغنى، وشهدت في أواخر الستينات وبداية السبعينات، عروض السيرك بما فيها من عجائب ومشاهدات، كانت تُقام فيها مرةً كل عام، فتملأ الساحة بالفرح والأنغام، ساحةٍ عُرفت قديماً باسمأبي الجنود، ثم سُمّيت في دفاتر الإدارةساحة البغدادي، فجمعت بين اسمٍ يُذكّر بالهيبة والجنود، وآخر يُشير إلى نظامٍ محدودٍ بحدود.وهذه الساحة- ياصاح- لم تكن على حالٍ واحدة، ولا استقرّت على صورةٍ ثابتة، فقد لبست من الأزمان أثواباً، وبدّلت من الأحوال أسباباً، فكان بها مستوصفا للعلاج، وأخرى محطةً للركوب والسراج، وثالثةً سوقاً يعجّ بالناس، ورابعةً فضاءً تتلاقى فيه الأنفاس.ففي جانبٍ منها، قريبٍ من باب المحروق، قام مستوصفٌ يقصده المريض والمشوق، يلتمس فيه الدواء، ويستدفع به البلاء، وكأن الساحة كانت تواسي من ألم، وتحتضن من سقم. وعلى طرفٍ آخر، انتصبت محطةُ الحافلات، تُقلّ الركاب بين المدن والجهات، منفاسإلى سائر البلاد، في ذهابٍ وإيابٍ لا ينفكّ ولا يُعاد.وكانت المقاهي تنتشر كأنها مجالس أدبٍ وأنس، يجتمع فيها القاصي والداني من الناس، ومعها صيدليةٌ تُمدّ الدواء، ومحلاتٌ تبيع الغذاء والدقيق بلا عناء، ومخازن تحفظ الأقوات، ومحطتا وقودٍ ترفدان المركبات في الطرقات.ولم تخلُ الساحة من سوقٍ عجيب، يجمع الغريب إلى الغريب، يُباع فيه المستعمل من كل صنفٍ ولون، من خبزٍ يابسٍ إلى مساميرٍ وملاعق وفنون، حتى قطع غيار السيارات، تجدها بين الأيدي والهمسات، كأن السوق مرآةٌ لاقتصاد الحاجة، ولسان حال البساطة والسذاجة. وكان للسوق بابان، بينهما سقايةٌ جارية، لا تنقطع ولا تواري، يشرب منها المارّون، ويغترف منها الخارجون من وراء الأسوار والمقيمون، فكأنها قلبٌ نابضٌ بالماء، أو يدٌ سخيةٌ بالعطاء.

ثم شهدت الساحة موقفاً ومكتباً للحافلات الحضرية، تنظّم السير وتضبط الحركة اليومية، حتى إذا تبدّلت الأحوال، أعيد ترتيبها في انتظامٍ وانتقال، فقُسّمت المحطات بحسب الاتجاهات، ونُظّمت خطوط السير في مختلف الجهات. ثم جاء طورٌ آخر من التغيير، فيه تضييقٌ وتدبير، فمُنع دخول الحافلات والسيارات إلا من جهةٍ واحدة، فخفّ الزحام في ناحيةٍ، واشتدّ في أخرى معاندة، ثم ما لبثت أن صارت موقفاً للسيارات، بلا رقيبٍ يردع ولا حسيبٍ يحاسب في الأوقات.حتى إذا أفاقت الهمم، يا صاحِ، كما أُقيم تحت ثرى الساحة مكان جوطية كانت تحمل”جوطية بوجلود” سوقٌ مُستترٌ عن الأبصار، من ثلاث طباقٍ كأنها درجٌ إلى الأعماق، شُيّد على أنقاض الجوطية العتيقة، وسُمّي بجوطية بوشعيب الدكالي، فغدا مقصدَ التاجر والمحتالِ والموّال. وله ثلاثة أبوابٍ تُفضي إلى السالكين، بابٌ رئيسٌ يقابل ثانوية مولاي إدريس، وثانٍ ينفتح على زنقة السلالين، وثالثٌ يلوذ بباب قصبة النوار. ثم أُنشئ سوقٌ للخضر إيواءً للبائعين، فانتظم أمرهم بعد فوضى، واستقامت تجارتهم بعد عناء. ثم لم يكتفِ القوم بذلك، بل أحدثوا سوقًا للخضر، إيواءً للبائعين، وصونًا لأرزاقهم من الضياع، فانتظم شأنهم بعد اضطراب، واستقام معاشهم بعد انقلاب، وغدت الحركة فيه أنشط، والتجارة أربح، والنظام أظهر لمن اعتبر واعتدّ بالحِكَم والآثار.

ونهضت الإرادات من العدم، أُعيد ترصيف الساحة بالحجر، وغُرست الأشجار بمحاذاة الجدار، قرب ثانوية مولاي إدريس في استبشار، وأقيمت قببٌ من قرميدٍ أخضر، وخشبٍ منقوشٍ كأنّه درٌّ منثورٌ في المنظر.ثم كان عامُ أربعةٍ وعشرين وألفين، عامًا فاصلاً بين عهدين، إذ هُدمت المقاهي والفندق الوطني والصيدلية، لتُوسَّع الساحة في رؤيةٍ عمرانيةٍ جليّة، وأُنشئ موقفٌ للسيارات تحت الأرض، كأنه بطنٌ يخفي في جوفه العرض، وأقيمت فوقه حديقةٌ للنظر، فيها نوافيرُ ترقص بالماء في انحدارٍ وانفجار.ثم أقبل عامُ ستةٍ وعشرين وألفين، فعادت الساحة إلى وجهها المبين، فُتحت للفرجة بعد طول انحباس، وجُلب إليها الحكواتيون وأرباب الإحساس، فعادت الحلقات تدور، والأصوات تعلو بالحكي والحضور، وكأن الزمن قد استدار، فعاد إلى ما كان عليه في سالف الأعصار.فشهدت الساحة إحياءً لذاكرةٍ شعبية، واستحضارًا لأسماءٍ كانت في الوجدان حيّة، كلحسن مؤنس المعروف بحربا في روايته وبيانه، وعيشة بيطيط في ظرفها وشجانه، وإدريس اليتيم(القرع البوكسور) المعروف بجرأته ولكمته، وصاحبه بوجمعة في حكاياته التي لا تستقيم إلا بالنديم، وغيرهم من أهل الحلقة والفن، ممن أحيوا الساحة بعد طول وهن.

يا صاحِ، سوف أحدثك عن قصبةَ فيلالة – وتُدعى قصبة النَّوّار – كانت في سالف الدهور رباطًا مأهولًا بالأخيار، ومأرزًا للزهاد والأبرار؛ يأوون إليه إذا ادلهمّت الخطوب، ويعتصمون به إذا اضطربت القلوب. هنالك عاهدوا السلاطين على الطاعة والولاء، وأقسموا أيمانًا لا تُنقض ولا تُنسى على مرّ السنين والأنواء. وكان قيام ذلك الرباط سابقًا لعامٍ من الألف ومائة وثلاثة، قبل أن تتبدّل الأحوال وتختلف الأهواء. وقد كتب حسن الوزان في كتابه “وصف أفريقيا” أن “الرباط أُغلق بعد حين، فصار مقرًّا لولاة فاس ومحلّ استقرارهم”، إلى أن دار الزمان دورته وبلغ القرن الخامس عشر من أعوامهم. وفي تلك الأثناء، ما بين عام خمسين ومائتين وألف، وخمس وسبعين ومائتين وألف، اتخذ الحكام القصبة مقامًا، فعمّروها بالبساتين الغنّاء، وأنشؤوا فيها الأحواض والمجالس والظلال، وبنوا مسجدًا منيفًا بأمر المهدي الناصر، لا تزال مئذنته قائمة، كأنها شاهدُ حقٍّ على ما تقادم من عصورٍ وأزمان. ثم دارت الدول، وتعاقبت الملوك، فاتخذها سلاطين الدولة السعدية دار إقامة عند حلولهم بفاس، حتى إذا بزغ نجم الدولة العلوية في منتصف القرن السابع عشر، وجاء رؤساء قبائلها، وجدوا القصبة خلاءً موحشًا، لا يُرى فيها إلا بقايا جدرانٍ صامتة، ومسجدٌ قائمٌ مع ما تبقّى من أركانه وتوابعه.

فلما ولي الأمر مولاي رشيد عام سبعٍ وستين وستمائة وألف، نزل بها وأقام، واتخذها مقامًا مع حرسه وخاصته، فأعاد إليها بعض الحياة بعد خمول. ثم جاء عهد مولاي يزيد، فاستوقفته الأحواض العظام التي كانت تُسقى بماء وادي فاس عبر قناةٍ جارية، فخطر بباله أن يحوّل القصبة إلى جنةٍ للناظرين، فغرس الأشجار، ونثر الأزهار، حتى غلب عليها الحسن، وسُمّيت يومئذٍ “قصبة النوار” لما فاح فيها من عطرٍ وانتشار. وجعل تلك الجنان مأوىً لرجال الشرطة وأهل الحراسة، في حين خُصّت حدائق بوجلود، التي أُنشئت آنذاك، بنساء السلطان وحرمه، فكان لكلّ مقامٍ مقال، ولكلّ فئةٍ مجال. ثم في زمن مولاي عبد الرحمن، ما بين اثنتين وعشرين وثمانمائة وألف، وتسعٍ وخمسين وثمانمائة وألف، وُهبت القصبة لـ”فيلالة” بوثيقةٍ ثابتةٍ لا تزال قائمة، فقسّموها بالقرعة إلى تسع جهاتٍ كبار، عن اليسار: دار الشوافع، ودار زيزي، ودار الغرفة، وزاوية القاضي، ووادي ويلان؛ وعن اليمين: أولاد بن إبراهيم، وتازغزوت، والعرصة، وسيدي جريدي. وكانت القصبة آنذاك حاضرةً عامرة، فيها مسجدٌ ومدرستان للقرآن، وفرنٌ يُخبز فيه القوت، وأربعة حوانيت تقوم بأمر المعاش. وهي اليوم تضمّ ثلاثمائة وستة منازل، ويقارب سكانها ثلاثة آلاف نفس، يسوسهم مجلسٌ يُسمّى “الجمعية”، قوامه أربعة وعشرون عضوًا، نصفهم من الأشراف ونصفهم من الفيلالّة، بعد أن كان الاختيار قديمًا لا يكون إلا لأهل الصدق والتقوى والسيرة الحسنة. وفيها صندوقٌ للإحسان، يُعان به الفقير، ويُكفَّل به الدفين، وتُسقى منه السبل، ويرث ما خلّفه من لا وارث له من أهل القصبة، فكأنّه بيتُ مالٍ صغير، يُدار بالحكمة والاعتبار. وللقصبة بابٌ عظيم تحفّ به أبراجٌ مثمّنة، كان الأيمن منها زاويةً للرماة، تُحفظ فيها الأسلحة وتُخزن الذخائر، ويتدرّب فيها فرسان السلطان ورماة جيشه، المنتسبون إلى سيدي علي بن نصور، وتحت لواء مولاي إدريس الأول.

أما البرج الأيسر، فكان مستقرًّا للدواب في أسفله، ومجلسًا للضيوف في أعلاه، تسكنه الأشراف، وبجوار المسجد دارٌ بديعة تُعرف بـ”الشوافات”، شُيّدت على سنن الشريعة وأمر السلطان. وتروي الأخبار أن أميرًا أساء إلى امرأة، فأمر السلطان بسجنه، وقال: “إنما أُتي هذا من جهلٍ بالدين والأخلاق، ولأجل ذلك سأُنشئ مدرسةً تُعلَّم فيها الأمراء وأبناء الأعيان، حتى يستقيم الخُلق، ويقوم العدل، ويزول الجهل، ويُصان العرض والإنسان”. قصبةٌ تقلبت بها الأيام، من رباطٍ للعباد، إلى دارٍ للملوك، إلى حديقة غناء، إلى حيٍّ نابضٍ بالحياة، تشهد على عظمة التاريخ، وتروي للسامعين حكايةَ المكان والإنسان، في سجعٍ يطرب له البيان، ويُحيي في النفس ما اندرس من الذكرى والوجدان، وفي عامِ إحدى وثمانينَ وتسعمائةٍ وألفٍ من الميلاد، حُفَّت قصبةُ النَّوّار وبابُ الشرفاء بعنايةِ العالم، إذ أُدرجا ضمن تراثِ الإنسانيّة الخالد، في سجلِّ اليونسكو، كجزءٍ لا يتجزّأ من مدينةِ فاس العريقة. فغدت القصبةُ بما تحمل من عبقِ التاريخ، وبابُها بما يشي من هيبةِ المعمار، شاهدينِ على حضارةٍ ضاربةٍ في القدم، تتوارثها الأجيال، وتصونها الذاكرةُ من الاندثار، وتُعلي من شأنها عيونُ الرعايةِ الدولية، إذ أضحت من ذخائرِ التراث الإنساني المشترك.

فهكذا- يا صاح- تقلّبت ساحة أبي الجنود بين المرافق والأسواق، وبين الإهمال والإشراق، حتى صارت مرآةً لمدينةٍ تتغيّر، وصورةً لمجتمعٍ يتطوّر ويتدبّر، فإن نظرتَ إليها بعين البصيرة، رأيتَ فيها تاريخًا يسير، وحياةً لا تستقرّ على حالٍ ولا تستدير.فهذه يا صاحِ مقامةُ باب بوجلود، جمعتُ لك فيها القول المشهود، وسردتُ لك فيها التاريخ والعِبَر، في أسلوبٍ مسجوعٍ كدررٍ تنتثر، بين تقليدٍ راسخٍ وتحديثٍ وافد، وبين ماضٍ عريقٍ وحاضرٍ واعد، فكان الباب رمزًا لتلك المرحلة، وصورةً لتلك النقلة، التي عرفت فيها فاسُ تحوّلًا عميقًا، وانتقالًا من حالٍ إلى حالٍ في طريقٍ دقيق، فإن شئتَ اعتبرتَ، وإن شئتَ تدبّرتَ، علمتَ أن المدن كالأحياء، تمرض وتصحّ، وتفنى وتُبعث من الأشلاء، وأن التاريخ لا يسير على وتيرةٍ واحدة، ديدنه أن يتلوّن كما تتلوّن السماء في كل ساعة، فإن أصبتُ فذاك من فضل البيان، وإن أخطأتُ فحسبك أني اجتهدتُ في الإحسان.

يا صاحِ، إنّ للفضل أهلاً، وإنّ للمعروف رجالاً، ومن جحد الجميل فقد ضلّ سواء السبيل ومالا، وقد رأيتُ أن أُقرَّ بالحق اعترافاً، وأُسجّل الشكر إنصافاً، لصديقٍ استهوته تواريخ فاس فهام بها، وغاص في أسرارها فما رام عنها انتقالاً ولا ذهاباً. ذلك هو الأستاذ والفنان الناقد حميد تشيش، بحّاثةٌ أصيل، ومنقّبٌ نبيل، لا يطرق بابَ مسألةٍ إلا فتحه، ولا يُسأل عن خبرٍ إلا أوضحه وشرحَه، كأنّ بينه وبين التاريخ نسباً موصولاً، أو عهداً غير مفصول، يردّ الشوارد إلى مواردها، ويجمع المتفرّق من شواهدها. وكم قصدتُه بسؤالٍ مُشكل، أو خبرٍ مُعضل، فإذا هو يُفيض بياناً، ويُهدي إليّ من اليقين عنواناً، لا يضنّ بعلمٍ، ولا يبخل بفهم، يبذل من وقته ولبّه، ما يرفع الجهل ويُزيل الرهبة. فله مني شكرٌ يليق بمقامه، وثناءٌ يُجاري إكرامه، ودعاءٌ بأن يديم الله عليه فضله، ويجعل ما يقدّمه في ميزان علمه وعمله.
سعيد العفاسي: صحافي، ناقد فني


