آسا الزاك تحتفي بالسينما العالمية: مهرجان الصحراء في أفق ترسيخ الحكم الذاتي الثقافي والتنمية المجالية

يواصل المهرجان الدولي للسينما والصحراء بآسا الزاك بالمغرب ترسيخ مكانته كموعد ثقافي وسينمائي متميز، يجمع بين رهانات الفن وأسئلة الفكر، ويسهم في إبراز المؤهلات الطبيعية والثقافية للصحراء المغربية كوجهة سينمائية واعدة على الصعيد العالمي، حيث تتقاطع الصورة مع الذاكرة، ويتحول المكان إلى نص بصري مفتوح على إمكانات التأويل والإبداع. ومن أجله تتهيأ مدينة آسا (جنوب المغرب) لاحتضان فعاليات الدورة الرابعة عشرة من المهرجان الدولي للسينما والصحراء، خلال الفترة الممتدة من 29 أبريل/نيسان الجاري إلى 2 مايو/أيار الوشيك، ويُنظَّم هذا الحدث بمبادرة من جمعية آسا للسينما والمسرح، وبدعم من شركاء مؤسساتيين وفاعلين في الحقلين الثقافي والسينمائي، بما يعكس تضافر الجهود لترسيخ فعل ثقافي متجدد في قلب المجال الصحراوي، وتندرج هذه الدورة ضمن حركية ثقافية متنامية، تسعى إلى تعزيز موقع السينما كأداة للتنمية المجالية، ووسيلة فعّالة للتفاعل الحضاري بين الشعوب. كما تولي اهتمامًا خاصًا للفضاءات الصحراوية، باعتبارها خزّانًا غنيًا بالدلالات التاريخية والإنسانية والجمالية، ومجالًا خصبًا لإنتاج صور سينمائية ذات بعد رمزي وكوني. ومن هذا المنظور، يغدو المهرجان منصة لإعادة اكتشاف الصحراء ليس فقط كفضاء جغرافي، بل كحقل دلالي يختزن حكايات الإنسان وذاكرته الجمعية.
وتتميّز هذه النسخة بتكريم أحد أبرز أعمدة السينما المغربية، المخرج داوود أولاد السيد، تقديرًا لمسيرته الإبداعية التي أغنت المشهد السينمائي الوطني، واحتفاءً بأعماله التي نجحت في صياغة رؤية بصرية متفردة للصحراء المغربية. ويُعد فيلمه “البحيرة الزرقاء” نموذجًا دالًا على هذا التوجه، حيث استثمر جماليات إقليم آسا الزاك ليقدّم سردًا بصريًا يستلهم المكان ويعيد تشكيله فنيًا. ويزخر برنامج هذه الدورة بعرض اثنين وعشرين فيلمًا مغربيًا ودوليًا، تتوزع بين أربعة أفلام روائية طويلة، وثمانية أفلام قصيرة، وعشرة أفلام وثائقية. وتلامس هذه الأعمال، في جانب معتبر منها، قضايا الذاكرة والهوية والفضاء الصحراوي الحساني، في تنوع فني يعكس تعددية الرؤى والتجارب السينمائية، ويؤكد انفتاح المهرجان على مختلف الحساسيات الجمالية والموضوعاتية.

وتتنافس هذه الأفلام ضمن المسابقة الدولية ومسابقة الأفلام الوثائقية، إلى جانب فقرة مخصصة للمواهب الشابة، تفتح آفاق التعبير أمام طاقات الأندية السينمائية بالمؤسسات التعليمية والمعاهد بجهة كلميم واد نون. وتندرج هذه المبادرة في سياق دعم الجيل الجديد من المبدعين، وتحفيزهم على خوض غمار التجربة السينمائية، بما يسهم في تجديد دماء الحقل الفني وتعزيز استدامته. ويرأس لجنة تحكيم المسابقة الدولية المفكر والباحث المغربي محمد نور الدين أفاية، إلى جانب نخبة من الأسماء السينمائية البارزة من داخل المغرب وخارجه، وهو ما يضفي على هذه الدورة بعدًا فكريًا ونقديًا عميقًا، ويضمن مقاربة تقييمية تستحضر مختلف الأبعاد الجمالية والفكرية للأعمال المشاركة.
ولا تمتد فعاليات المهرجان لتشمل تنظيم ندوة فكرية تتمحور حول دور التصوير السينمائي في تحقيق التنمية المحلية، إضافة إلى ورشات تكوينية (ماستر كلاس) لفائدة المهنيين والهواة على حد سواء. وتتيح هذه الأنشطة فضاءً لتبادل الخبرات وتلاقح التجارب، بما يعزز ثقافة الصورة ويرسخ الوعي بأهميتها كوسيط تعبيري ومعرفي داخل المنطقة.

