مقامات فاس(4)|”المقامة الكغاطية”: عرشُ الخشبةِ وفتنةُ المرتجلة، سيرةُ محمد الكغاط بين التنظير والإبداع

إلى الفنانِ المسرحيِّ والسينمائيِّ الكبيرِ عزِّ العربِ الكغاط، سيّدِ الخشبةِ إذا تجلّت، والصورةِ إذا تكلّمت، إذا حضرَ استقامتِ الأدوار، وإذا أبدعَ أذعنَ لهُ الإبهار؛ وإلى الباحثِ الأجدرِ فهدِ الكغاط، سليلِ النظرِ الثاقب، ووارثِ الفكرِ الراجح، الذي يغوصُ في المعاني كما يغوصُ الغوّاصُ في البحار؛ مدبّرِ مسرحِ الكوانتي، أهدي هذه “المقامة الكغاطية”، رجاءَ قبول، وتحيةَ وصول، عرفانًا بفضلٍ موصول، ومسعىً مأمول.

يا صاحِ، حدّثني الرواةُ، بما تناقلتْهُ الألسنُ كما تتناقلُ الريحُ عبيرَ الزهر، أنّ رجلًا نحت اسمَه من كاغد، لا من حجرٍ صلد، ولا من نحاسٍ يصدأ، فكان نقشُه في الصحائف أبقى من النقش في الجلامد، وأرسخَ من الأثر في الأبد؛ إذ جعل من الورق مِعولًا، ومن الحبر سيفًا، ومن الحرف سفينةً تشقُّ بحار المعنى، حتى إذا أبحر، لم يرجع إلا بكنزٍ من الدلالات، ولا عاد إلا وقد حمل بين يديه زبدةَ الإشارات، تربّع على عرش الكلمات، كما يتربّع العارفُ على سرير الحكمة، يُقلّب المعاني كما يُقلّب الصائغ الذهب، ويزن العبارات كما يزن التاجر الجواهر، فإن وجد خللًا أصلح، وإن رأى نقصًا أكمل، حتى صارت كلماته دررًا منظومة، وجواهر مرصوفة، لا ترى فيها كسرًا ولا تسمع فيها نشازًا، كأنّها خرجت من محراب البيان لا من أفواه الأعيان. وكان-أدام الله ذكره- متفننًا في الإبداع، لا يقنعُ من الفن بظاهره، ولا يرضى من القول بقشره، يغوصُ في أعماقه كما يغوص الغواص في اللجج، يبحث عن الدرّ المخبوء، ويستخرج اللؤلؤ المكنون، فإذا عاد، عاد بما يُدهش الأبصار، ويُحيّر الأفكار، ويُوقظ في النفس ما كان نائمًا من أسرار. وبين ثنايا التجريب والارتجال، كان يمشي مشيَ من يعرف الطريق وإن بدا التيه، ويهتدي إلى المعنى وإن كثرت المسالك، لا يخشى من اقتحام الجديد، ولا يرتعد من هدم القديم، كأنّهُ فارسٌ في ميدان الفن، إن هجم لا يُرد، وإن صال لا يُصد، يُجرب فيصيب، ويرتجل فلا يخيب، ويغامر فيربح، فلا يكتفي بما صدح، ولا يركن إلى ما استقر، بل يثور على السائد كما تثور الريح على السكون.

يا صاح، أحدثك اليوم عن فتىً من فِتيانِ فاس، وريحانةٍ من رياحينِها، نبتَ في تُربتها كما ينبتُ الوردُ في جنباتِ الروض، واستوى عودهُ في ظلالِها كما يستوي الغصنُ في حضنِ النسيم؛ ذاك هو محمدُ الكغاط، الذي وُلِدَ سنةَ اثنتين وأربعين وتسعمائةٍ وألف، فكان مولدهُ بشارةَ معنى، ومبدأَ مسيرةٍ تشهدُ لها المنابرُ كما تشهدُ لها الدفاتر، نشأ الصبيُّ بين جدرانِ العلم، وارتشف من حياضِ اللسانِ العربي حتى ارتوى وتعلم، فكان كأنّهُ نُحتَ من بيانِها، وصيغَ من فصاحتِه، حتى نالَ دبلومه عام خمسٍ وستين وتسعمائة وألف، وما اكتفى بما نال، ولا رضي بما حاز، بل شمّر عن ساعدِ الجد، وسار في دروبِ الكدّ، يلتمسُ المعالي ولا يلتفتُ إلى السُّفول، حتى قصد كليةَ الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، فحلّ بها كما يحلّ الضيفُ الكريم، غير أنّه ما لبث أن صارَ من أهلِها، ومن خاصّةِ رجالِها، فحصل على الإجازة في الأدب العربي عام ثمانٍ وستين وتسعمائة وألف، ثم تابع المسير، وكأنّ العلمَ نهرٌ لا قرار له، فغاصَ في أعماقه حتى نال دبلوم الدراسات العليا عام أربعٍ وثمانين وتسعمائة وألف، ثم توّجَ ذلك بدكتوراه الدولة عامَ ثلاثٍ وتسعين وتسعمائة وألف، فكأنّهُ أتمّ العقدَ، وأغلقَ الدائرةَ، وبلغَ الغايةَ في تحصيلِ الرواية والدراية، غير أنه لم يهدأ له بال، واستمر في النبش والأفعال، قراءة وتأويلا، إذ لم يكن من أولئك الذين يجمعون الشهادات كما تُجمعُ الدراهم، كان ممن يحيون بها العقول، ويُوقدون بها الشموع في ليلِ الجهالات، فاشتغل أستاذًا جامعيا بنفس الكلية، يُدرّسُ ويُدرَّس، ويُفيدُ ويستفيد، حتى صار من أعلامها، ومناراتها، إلى أن وافاه الأجل، وهو في محرابِ التعليم، كأنّهُ ناسكٌ في معبدِ المعرفة، لا يفارقهُ إلا إلى دارِ الخلود.

وبين ثنايا التجريب والارتجال، كان هدفه تطوير الخشبة، تلك التي طالما حُبست في قوالب ضيقة، وأُسرت في أشكال جامدة، فجاء ليحررها من قيودها، ويفكّ عنها أغلالها، ويُعيد إليها روحها، حتى صارت عنده كائنًا حيًا، يتنفس بالحركة، وينطق بالصمت، ويُفصح بالإشارة كما يُفصح بالكلمة، فكأنّهُ يُحيي كائنًا، ويبعث فيه الحياة.وكان الخروج عن النص عنده ليس خروجَ العاجز عن الضبط، ولا انفلاتَ الجاهل عن القصد، كان خروجَ العارف الذي أدرك حدود النص، ثم تجاوزها إلى آفاقٍ أرحب، ومساحاتٍ أوسع، حيث تتلاقى الحرية مع النظام، ويجتمع الانفلات مع الانضباط والتمام، فيصير الارتجال نظامًا، ويغدو التجريب قانونًا، لا يُفهم إلا لمن خبر، ولا يُدرك إلا لمن صبر.أما المألوف، فكان عنده عتبةً لا مقامًا، وممرًا لا مستقرًا، يعبره ولا يقف عنده، ويتجاوزه ولا يلتفت إليه، لأنّهُ كان يرى أن الفن إن استقرّ مات، وإن جمد فسد، وإن رضي بما هو كائن، عجز عن أن يكون ما ينبغي أن يكون، فكان دائم الثورة، دائم القلق، دائم السؤال، لا يهدأ له بال، ولا يستكين له حال.وانتهج لنفسه مسارًا من الكاغد، لا من الصخر، لأنّ الصخر يُثقل، والكاغد يُحلق، فكان يكتب ليُحرر، ويخطّ ليُفكّر، ويبدع ليُغيّر، فجعل من الورق طريقًا، ومن الحرف رفيقًا، ومن المعنى غاية، يسير إليها وإن طال السفر في النهاية، ويطلبها وإن عزّ الظفر، حتى إذا بلغ، لم يقل بلغت، وخاطب الطريق أين السمت؟.

وكان الكاغد عنده عالمًا قائمًا، فيه يولد النص، وفيه ينمو، وفيه يتشكل، ثم يخرج إلى الخشبة كما يخرج الوليد إلى الحياة، يحمل ملامح أبيه، ويختلف عنه في آن، فكان النص عنده بداية، وليس غاية، وسيلة لا يحيد عنها قيد أنملة، وهكذا ظلّ، ما عاش، بين الكاغد والخشبة، بين الحرف والحركة، بين الفكرة والتجسيد، يجمع ولا يفرق، ويؤلف ولا يشتت، حتى صار مدرسةً في ذاته، وتجربةً قائمةً بذاتها، يُشار إليها بالبنان، ويُحتذى بها في الزمان. فيا من تسأل عن سرّه، وتطلبُ أثره، اعلم أنّ الرجل لم يكن مجرد كاتبٍ يخطّ، ولا مخرجٍ يُنظّم، ولا فنانٍ يُمثّل، وإنما كان حالةً من حالات الفن، ورحالة لا يعرف غير العبور والتنقيب عن البون، وظاهرةً من ظواهر الإبداع، لا تُقاس بما قبلها ولا تذاع، ولا تُحدّ بما بعدها، لأنّها خرجت من الكاغد، وعادت إليه، وبينهما صنعت مجدًا لا يزول، وأثرًا لا يندثر. فسبحان من وهبه تلك الموهبة، وألهمه ذلك السبيل، حتى صار اسمه منقوشًا في ذاكرة المسرح، كما تُنقش المعاني في القلوب، وكما يكتب الخلود في سجلّ الزمن، فلا تمحوها الأيام، ولا تُبددها الأعوام والسنون.

وأما المسرح- والمسرحُ دنيا العجائب، ومجلى المواهب- فقد كان للكغاط فيه شأنٌ لا يُجارى، ومكانةٌ لا تُبارى؛ إذ عُدّ من روادِ الحركةِ المسرحية التجريبية بالمغرب، ومن منظّريها الذين لا يُشقّ لهم غبار، فقد كتبَ فأبدع، ونظّرَ فأقنع، وأخرجَ فأمتع، وأدارَ الممثلَ فوق الخشبةِ كما يُديرُ الربّانُ السفينةَ في لجّةِ البحر، فلا تضطربُ ولا تنكسر.واظبَ الرجلُ منذ عام ثمانٍ وخمسين وتسعمائة وألف على الإسهامِ في الحركةِ المسرحية المغربية، فلم يكن عابرَ سبيلٍ في ساحتها، ولا طارئًا على مجالها، وإنما كان من صنّاعها، ومن حرّاثي أرضها، يغرسُ فيها البذور، ويرعاها حتى تؤتي أكلها وتدور، وقد شارك منذ عامِ ستين وتسعمائة وألف في الإشراف على التدريبات التي كانت تُجرى في المعمورة، حيث تُصاغُ الأجيال، وتُربّى المواهب، وتُشحذُ الأدوات، فكأنّهُ كان صائغًا للنجوم، ومهندسًا للأحلام.ثم لم يكتفِ بما كان من تعليمٍ وتكوين، وباشر في نقل المسرح المغربي من حالٍ إلى حال، ومن طورٍ إلى طور؛ إذ كان المسرحُ يومئذٍ أسيرَ الاقتباس، رهينَ النقل، فجاء محمد الكغاطُ وأضرابهُ، ففكّوا القيد، وفتحوا الباب على مصراعيه، ودعوا إلى إنتاجٍ محليٍّ يستقي من المأثور، ويغترف من معين الحكمة الشعبية، ويستحضرُ روحَ الناس، ونبضَ الشارع، فظهرت أعمالٌ مسرحية تُشهدُ له بذلك، منها “بغال الطاحونة” التي حملت همّ البسطاء، و”بشار الخير” التي بشّرت بمعنى، و”ميت العصر” التي قرعت جرسَ الانتباه، و”فولان وفرتلان” التي لامست العبث، و”ذكريات من المستقبل” التي مزجت الزمنين، وجمعت بين الأمسِ والغد في آن.وقد نُشر كثيرٌ من هذه الأعمال في السبعينات ضمن مجلاتٍ عربيةٍ متخصصة، أو في مؤلفاتٍ جامعية، فانتشر صيتها، وذاع ذكرها، وحصدت من الجوائز ما يليقُ بقدرها، فكأنّها دررٌ أُخرجت من بحرٍ زاخر، أو لآلئُ نُظمت في سلكٍ فاخر.

ثم جاءت ثلاثيته الأخيرة، المعنونة بـ “المرتجلة”، فكانت تاجًا على رأسِ تجربته، وذروةً في عطائه؛ ففي “مرتجلة فاس” عاد إلى المدينة التي ولدته وسكنته، فأعاد خلقها على الخشبة، وفي “المرتجلة الجديدة” جدّد في الشكل والمضمون، وفي “مرتجلة شميسة للا” استحضرُ الأنثى والرمز، فنسج من ذلك كله نسيجًا بديعًا، يُظهر شغفهُ بتأصيل المسرح المغربي، وفق رؤيةٍ فنيةٍ ناضجة، لا تكتفي بالمحاكاة، ولا ترضى بالتقليد، ولا باجترار التليد، تسعى إلى خلقِ هويةٍ مسرحيةٍ لها ملامحها، ولها صوتها، ولها حضورها.وكان محمد الكغاط، من موقعه أستاذًا جامعيًا متخصصًا في الدراسات المسرحية، يجمع بين النظرية والتطبيق، بين الفكر والممارسة والتعليق، فلا هو غارقٌ في التنظير حتى ينسى الخشبة، ولا هو أسيرُ الخشبة حتى يهجر التنظير، بكان يمشي بينهما مشيَ العارف، ويجمع بينهما جمعَ الحاذق.وقد انضم إلى اتحاد كتاب المغرب عام ستٍّ وسبعين وتسعمائة وألف، فصار من أهله، ومن شهوده، يتقاسم معهم همّ الكلمة، ومسؤولية المعنى، وكان إنتاجه يتوزع بين الكتابة المسرحية، والإخراج، والترجمة، والدراسة الأدبية، فكأنّهُ نهرٌ تتفرع منه الجداول، أو شجرةٌ تتشعب منها الأغصان.نشر كتاباته في صحفٍ ومجلاتٍ متعددة، منها “العلم” و”الاتحاد الاشتراكي” و”الفنون” و”خطوة” و”آفاق” و”الفصول الأربعة” وغيرها الكثير، من انتاج إبداعه الغزير، فكان حضورهُ ممتدًا في الفضاء العربي، وصوتهُ مسموعًا في أكثر من منبر، وكأنّ الحرفَ إذا خرجَ من عنده، لبسَ حلةً من البيان، واستقامَ على سوقه كأنّهُ بُنيان.

ومن آثاره المنشورة “بنية التأليف المسرحي بالمغرب من البداية إلى الثمانينات”، الذي صدر بالدار البيضاء عام ستٍّ وثمانين وتسعمائة وألف، فكشف فيه عن خبايا النص، وبيّن مسارات التأليف، وأضاء دروب الباحثين، ثم “المرتجلة الجديدة ومرتجلة فاس” كمشروعين لعرضين مسرحيين، صدر عامَ إحدى وتسعين وتسعمائة وألف، فجمع فيه بين النصّ والتجسيد، وبين الفكرة والتنفيذ، ثم “أساطير معاصرة وبشار الخير” عامَ ثلاثٍ وتسعين وتسعمائة وألف، فزاوج بين التراث والراهن، وجعل من الأسطورة مرآةً للحاضر.ولم يقف عند التأليف، مدّ جسورًا إلى الترجمة، فترجم مؤلفًا لعبد الكبير الخطيبي، هو “النبي المقنع”، فكان في ترجمته أمينًا على المعنى، حريصًا على الروح، وكأنّهُ ينقلُ الماء من إناءٍ إلى إناء، لا يريقُ منه قطرة، ولا يبدّلُ طعمه.وله كذلك أعمالٌ أخرى، منها “مدينة بلا مسرح”، و”مرتجلة فاس”، و”أبو الهول الجديد”، وكلّها تدلّ على عقلٍ يقظ، وخيالٍ خصب، ورؤيةٍ نافذة.ثم إنّه لم يكتفِ بالكتابة والإخراج، جرّب التمثيل، فكان له حضورٌ في أعمالٍ سينمائية وتلفزية، منها فيلم “وشمة”، وفيلم “الواد”، ومسلسل “السراب”، ومسلسل “ادواير الزمان”، وفيلم “ياقوت” الذي كان آخر عهده بالشاشة، فكأنّهُ أراد أن يختبر كلّ وجوه الفن إلى التابوت، وأن يلمس كلّ أطرافه، فلا يتركُ منها جانبًا إلا وخبره.

غير أنّ الدهر- وما أدراك ما الدهر- لا يصفو لأحد، ولا يُبقي على ودٍّ لأحد، فقد ألمّت به علة، وأثقلتهُ وطأةُ المرض، فشد الرحال إلى باريس يلتمسُ الشفاء، ودخل أحد مستشفياتها، ومكث قرابة شهرين بين رجاءٍ وخوف، وأملٍ وخشية، حتى جاءه اليقين، يوم الأربعاء السابع والعشرين من يونيو/حزيران من عام ألفين وواحد، عن عمرٍ ناهز تسعًا وخمسين عاما، فأسلم الروح، وكأنّهُ أطفأ سراجًا كان يُنير الدروب. ثم حُمل جثمانه إلى فاس، المدينة التي أحبّها وأحبّته، ودُفن يوم الجمعة التاسع والعشرين من يونيو/حزيران، فعاد إلى ترابها كما يعودُ الغصن إلى أصلِه، واستقرّ في ثراها كما يستقرّ العطرُ في الورد. وهكذا طُويت صفحةٌ من صفحات الفن المغربي، وانطفأت شمعةٌ من شموع المسرح، غير أنّ الأثر باقٍ، والذكر خالد، فما كتبَهُ لا يُمحى، وما أنجزهُ لا يُنسى، كأنّ الرجلَ وإن غابَ بجسده، فقد بقي بروحه، يسكن الخشبات، ويهمسُ في الكواليس، ويطلُّ من بين السطور، يُذكّرُ كلّ قادمٍ أنّ الفنّ رسالة، وأنّ المسرحَ حياة، وأنّ من عاشَ للمعنى، لا يموت.

وهكذا، يا صاحِ، أُسدِلُ السِّتارَ على مقامتي، عن محمد الكغاط، ذاك الذي شقّ في ليل المسرح فجرًا، وأوقد في صمت الخشبة نجمًا، وأطوي من الحديث ما كان منشورًا، بعد أن جُلتُ في سيرةِ رجلٍ نحتَ مجدَه من كاغد، وبنى صرحَه من حرفٍ وسرد، فإن أحسنتُ السَّردَ فذلك من فيضِ توفيقٍ يُؤتيه الله من يشاء، وإن زلَّ القلمُ أو تعثّر البيان، فذاك من عَجْزي وقِصَري عن بلوغِ كُنْهِ الإنسان، قد رُمتُ- والرَّوْمُ مُنيةُ الطامحين-أن أستقصي الأثرَ وأستجلي الخبر، وأن أغوصَ في بحرِ الرجلِ فلا أعودَ إلا بدرٍّ يُغني، أو لؤلؤةٍ تُجدي، غير أنّ البحارَ عميقة، والأغوارَ سحيقة، ومن رامَ الإحاطةَ بكلّ شأنٍ، ضلَّ عن بعضِ الشأن، فكم في الرجل من خفايا لم تُكشف، وكم في سيرته من زوايا لم تُوصف، وكم في تجربته من أسرارٍ لو نُثرت، لأدهشت السامعين، ولو بُسطت، لأعيت الباحثين، غير أني وقفتُ حيث وقف بي الجهد، وانتهيتُ حيث انتهى بي العهد، وما كلّ ما يُعلم يُقال، ولا كلّ ما يُقال يُنال. فحسبي أنّي حاولتُ، وبذلتُ، واجتهدتُ، وما قصدي إلا أن أُؤدي ما استطعتُ من حقِّ هذا الرجل الذي جاوزَ الحدّ، وارتقى المجد، وترك في الخشبةِ أثرًا لا يُمحى، وفي الكاغدِ ذكرًا لا يُفنى.

 وفي ختامُ “المقامة الكغاطية”، أقول، إنّ الكلمةَ أمانة، والسردَ ديانة، ومن خانَ الأمانةَ خانَ المعنى، ومن أضاعَ الديانةَ أضاعَ المبنى، وما أنا إلا راويةٌ يروي، وساعٍ لما يَحكي ويُجلي، وقد عشت بعض تجاربه، وشاهدت نتفا من مسرحيات÷ واستفدت من محاضراته ودرره في التكوين، فالحمدُ لله على ما كان، والشكرُ له على ما أعان، والعذرُ منكم إن قَصُر البيان، أو ضاقَ اللسان، فلكلّ مقامٍ مقال، ولكلّ حديثٍ مجال، وقد بلغَ القصدُ منتهاه، وانتهى القولُ إلى منتهاه. وسلامٌ على من قرأ فأنصف، وتدبّر فعرَف، وسامح إن زلّ الحرف، أو مالَ الطرف، فالكمالُ لله وحده، وما سواهُ ساعٍ في طلبه، والحمدُ لله الذي علّم بالقلم، وفتح للبيان أبواب الحكم، والصلاةُ على من أوتي جوامع الكلم، والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل، والسلام.

سعيد العفاسي: صحافي، ناقد فني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى