قراءة في مسيرة الأستاذ والفنان محمد ابن المليح: بين العمل التربوي والانشغال الثقافي والفني، رحلة بحث عن المعنى وتثبيت الذات

وُلد محمد ابن المليح يوم 23 شعبان 1378هـ، الموافق لـ 4 مارس 1959م، بدرب ابن تابث (درب الطويل) بحي البليدة في المدينة العتيقة بفاس، في أسرة متجذّرة في قيم الكدّ والالتزام، فوالده، المهدي بن التهامي بن عبد الواحد ابن المليح، كان صانع أحذية تقليديًا عرف بنضاله في ميدان مهنته وإخلاصه لعمله، فيما كانت والدته، السعدية بنت محمد الأزرق، ربة بيت ومربية فاضلة، اتسمت بالصبر والاحتساب، وأسهمت في تنشئة أبنائها على مكارم الأخلاق، بعد ولادته بأعوام قليلة، انتقلت الأسرة إلى حي بورجوع، حيث بدأت ملامح طفولته الأولى تتشكل في بيئة شعبية أصيلة، التحق بالكتاب (المسيد) في سن مبكرة، لم تتجاوز الثالثة من عمره، في حي لّلاهوارة بفاس، قبل أن يواصل تعلمه بمسجد القلقليين، حيث حفظ ما تيسر من القرآن الكريم على يد الفقيه أحمد النجاري رحمه الله. وقد شكّلت هذه المرحلة أساسًا متينًا لتكوينه الروحي واللغوي، ورسّخت في نفسه حب العلم والانضباط.ومع تدرّجه في أعوام الطفولة، عاش مثل أقرانه من أبناء جيله أجواء اللعب والشغب البريء، في توازن بين متطلبات التعلم ونزوع الطفولة إلى الاكتشاف والمرح، كما التحق مستمعًا بمدرسة النهضة، حيث تلقى المبادئ الأولى للتعليم، مما مهّد لاندماجه في التعليم النظامي.وفي الموسم الدراسي 1965–1966، التحق بمدرسة عرصة الشريفات، المعروفة حاليًا باسم مدرسة موسى بن نصير الكائنة بدرب شق بدنجالة، حيث قضى أعواما دراسية متميزة، برز خلالها بجدّيته وتفوقه. وقد تتلمذ على أيدي نخبة من المعلمين الذين تركوا أثرًا بالغًا في مسيرته التعليمية والتربوية، من بينهم الأساتذة: العلوي، والتدلاوي، والشومي، والدباغ، وعمور، وغيرهم من رجالات التعليم الذين أسهموا في صقل شخصيته وبناء معارفه.وهكذا، تدرّج محمد ابن المليح في مساره الأول بين فضاء الأسرة التقليدية، وروح الحي الشعبي، ومؤسسات التعليم العتيق والحديث، في تجربة تكوينية متكاملة، مهدت لبروز ملامح شخصيته العلمية والإنسانية في مراحل لاحقة من حياته، ارتبطت طفولته بحضور أنشطة وطنية احتفالية، خاصة بمناسبة عيد العرش، وما يواكبها من عروض وحفلات كانت تغرس في نفسه حس الانتماء وروح الجماعة. وفي الموسم الدراسي 1970/1971، نال الشهادة الابتدائية، فكانت لحظة فارقة غمرته بفرح عارم، وشاركه فيها أفراد أسرته وأصدقاؤه، لِما كانت تحمله تلك الشهادة آنذاك من قيمة معنوية ومكانة اجتماعية. وقد اجتازها بثانوية مولاي إدريس، المعروفة بصرامتها وحزمها، الأمر الذي زاد من وقع هذا الإنجاز وأهميته.كما يستحضر من تلك المرحلة مشاركته، وهو في سن مبكرة، في مخيم بعين الشقف لمدة خمسة عشر يومًا، مقابل مبلغ رمزي لم يتجاوز ثلاثة دراهم، في إطار أنشطة الشبيبة والرياضة. وكان يقيم حينها بحومة عرصة المدلسي، حيث كان يقضي أوقاته في لعب كرة القدم ضمن فرق الأحياء، في أجواء يغلب عليها التنافس الودي وروح الجماعة.

بعد حصوله على الشهادة الابتدائية، انتقل لمتابعة دراسته بإعدادية باب الريافة، المعروفة حاليًا بالثانوية الإعدادية عزيز أمين، حيث امتدت مرحلته الإعدادية من عام 1971 إلى 1976، تُوِّجت بنيله الشهادة الإعدادية (البروفي). وقد كانت تلك السنوات حاسمة في توجيه مساره الدراسي وتشكيل وعيه المعرفي، خاصة تحت إشراف أساتذة تركوا أثرًا بارزًا في ذاكرته، من بينهم الفرنسيان روجي ومدام روجي في مادتي الرياضيات والعلوم.في عام 1972 شارك محمد ابن المليح في مخيم بالسعيدية مع جمعية التربية والتخييم، حيث انخرط في أنشطة رياضية وفنية أسهمت في تنمية شخصيته وصقل مواهبه. كما تعمّق ارتباطه بعالم السمعي البصري، من خلال تتبع المسلسلات الإذاعية والأفلام التلفزية، وشغفه بمشاهدة الأفلام داخل القاعات السينمائية، وهو ما غذّى خياله الفني. ولم تخلُ تلك المرحلة من محاولات أولى في الأداء الغنائي الجماعي داخل البيت ومع الأصدقاء، متأثرًا بمجموعات فنية مغربية بارزة مثل ناس الغيوان، وجيل جيلالة، والمشاهب، وسهام.وفي سياق تنمية ميوله الفنية والاجتماعية، انخرط في العمل الكشفي خلال عامي 1973/1974، حيث كان يحضر أنشطة فنية بمقر واد الصوافين بفاس، ما أتاح له فرصة التمرّس على العمل الجماعي والانضباط. كما التحق بالمركز الثقافي الفرنسي بدرب الصلاج بحي البطحاء، حيث دأب على مطالعة الكتب وحضور العروض السينمائية، والمشاركة في مناقشة الأفلام، إلى جانب ارتياده مكتبة البطحاء قبالة دار أحمد مكوار التي وقعت فيها وثيقة المطالبة بالاستقلال، حيث وفّرت له فضاءً خصبًا للقراءة والاستزادة المعرفية، وفي عام 1975 شهد حدث انطلاق المسيرة الخضراء، الذي تفاعل معه رفقة زملائه التلاميذ بحماس وطني واضح، في أجواء مشبعة بروح الانتماء، كما انفتح على عالم السينما من خلال ذهابه رفقة والده رحمه الله وأخته الصغيرة، لمشاهدة الأفلام بسينما بوجلود(مسرح وسينما أبي الجنود) وهي لحظات رسّخت لديه علاقة وجدانية بالفن السابع. وإلى جانب كل ذلك، واصل نشاطه الرياضي داخل الإعدادية، حيث مارس كرة القدم وكرة اليد والكرة الطائرة، ضمن بيئة مدرسية مشجعة على التوازن بين التحصيل الدراسي والنشاط البدني.

التحق محمد بثانوية مولاي إدريس عام 1976، حيث امتدت تجربته بها إلى غاية حصوله على شهادة البكالوريا شعبة الآداب العصرية عام 1979. وقد شكّلت هذه المرحلة منعطفًا حاسمًا في مساره، إذ تطلّبت منه قدرًا كبيرًا من الصبر والمثابرة، والانخراط الجاد في التحصيل العلمي، إلى جانب تتبّع الأنشطة الرياضية والثقافية والفنية. فقد كانت الثانوية فضاءً جديدًا عليه من حيث اتساعه وتنوّع مواده وتعدّد أساتذته، مما أتاح له فرصًا أوسع للتكوين والنضج.تتلمذ خلال هذه الفترة على أيدي أساتذة تركوا أثرًا عميقًا في مسيرته، ففي مادة اللغة العربية درس عند الأساتذة لحلو، ومجبر، والوالي، بينما تلقّى دروس الفلسفة والفكر الإسلامي على يد الأستاذ النية. وكان يحرص على حضور دروس أستاذ متميّز في الفلسفة، هو الأستاذ برادة، حتى وإن اضطر إلى متابعته من خارج القسم، لما عُرف به من عمق في الطرح وتميّز في التحليل. كما درس التاريخ والجغرافيا مع الأستاذة معطي الله، والرياضيات مع الأستاذ الحاج محمد دوفال، إلى جانب أساتذة آخرين أسهموا في صقل معارفه.وعلى المستوى الرياضي، مثّل الثانوية ضمن فريق كرة الطائرة خلال موسم 1978، في تجربة عززت لديه روح الفريق والانضباط. كما واظب على حضور ندوات وأنشطة ثقافية متميزة كانت تُنظم بقاعة كبرى داخل المؤسسة، مما أغنى رصيده الفكري ووسّع آفاقه.وبموازاة ذلك، استمر انخراطه في المركز الثقافي الفرنسي، حيث تابع أنشطة ثقافية وسينمائية، وداوم على المطالعة. كما ازداد اهتمامه بمتابعة البرامج الإذاعية الوطنية والدولية، وراسل إذاعة “بي بي سي” بلندن ليتوصل ببرامجها، فكان من المتابعين لبرامج مثل “السياسة بين السائل والمجيب” و”لكل سؤال جواب” مع حسن الكرمي رحمه الله. ولم ينقطع كذلك عن متابعة المسلسلات الإذاعية وأعمال فنية لعدد من الأسماء البارزة.وفي المجال المسرحي، تابع أعمالًا لرواد المسرح المغربي والعربي، كما واصل شغفه بالقراءة، فاطّلع على مؤلفات لكتاب مغاربة وعرب وأجانب، من بينهم الطيب صالح، وحنا الفاخوري، ونجيب الكيلاني، ونجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، إلى جانب قراءاته في الشعر العربي الكلاسيكي والحديث. أما في المجال السينمائي، فقد كان خلال سبعينيات القرن الماضي من روّاد القاعات السينمائية بفاس، الريكس، بوجلود، الأندلس، بيجو، أسطور، واركونسييل، حيث تابع عددًا كبيرًا من الأفلام، مما أسهم في تشكيل ذائقته الفنية وتوسيع مداركه الجمالية.

بعد حصول محمد ابن المليح على شهادة البكالوريا، التحق بجامعة محمد بن عبد الله، شعبة التاريخ والجغرافيا، حيث بدأ مساره الجامعي بطموح علمي واضح. غير أنه لم يُكمل سنته الأولى، بفعل ظروف ذاتية واجتماعية معقّدة، تزامنت مع سياق وطني ودولي حساس، فضلًا عن تأثيرات شخصية عميقة، في مقدمتها وفاة والدته رحمها الله، وهو الحدث الذي ترك أثرًا بالغًا في مسار حياته وقراراته.أمام هذه التحولات، اختار التوجّه نحو مسار مهني عملي، فالتحق عام 1981 بمركز تكوين المعلمين ابن الخطيب بفاس، بعد اجتيازه بنجاح الاختبارين الكتابي والشفوي. وقد قضى بالمركز سنة تكوينية كاملة، كان خلالها داخليًا، رغم إقامة أسرته بمدينة فاس، مما أتاح له تجربة جماعية ثرية، تقاسم فيها الحياة اليومية مع زملائه، في ظروفها المختلفة وأنشطتها المتنوعة.وفي إطار هذه الحياة المشتركة، شارك في محطة احتجاجية تمثلت في إضراب عن الطعام، بسبب ظروف التغذية في بعض الوجبات، وهو ما أسفر لاحقًا عن تحسين جودة الخدمات المقدمة. أما على المستوى الدراسي، فقد تلقى تكوينًا متكاملًا شمل مواد اللغة العربية والفرنسية، والعلوم، والرياضيات، والتشريع المدرسي، إلى جانب التربية وعلم النفس، والتربية البدنية.وقد تميزت مادة التربية وعلم النفس بحضور قوي، خاصة مع الأستاذ محمد بيدادة، الذي عُرف بكفاءته وتمكنه، وكان له أثر واضح في ترسيخ المفاهيم التربوية لدى الطلبة. كما تعرّف خلال هذه المرحلة على أسس البيداغوجيا وطرائق التدريس، واكتسب أدوات عملية ونظرية أسهمت في تأهيله لمهنة التعليم،وشهدت سنة التكوين أيضًا تنظيم أنشطة ثقافية ورياضية ومسابقات متنوعة، إضافة إلى حصص للمناقشة كان يشرف عليها أستاذ متخصص، يوجّه الطلبة إلى مطالعة كتب ومجلات، مما عزز لديهم روح البحث والانفتاح. وهكذا، شكّلت هذه المرحلة تجربة غنية ومتكاملة، جمعت بين التكوين النظري والتطبيق العملي.

بعد تخرّجه، عُيّن محمد ابن المليح بإقليم بولمان، ضمن مجموعة آيت عثمان وبعدد من فرعياتها، حيث امتدت تجربته المهنية من عام 1982 إلى 1986. وقد واجه هناك ظروفًا قاسية، سواء من حيث المناخ أو طبيعة المنطقة الوعرة، فضلًا عن ضعف البنية التحتية، إذ كانت الفرعيات تفتقر إلى الكهرباء وتعاني من هشاشة في البناء، إلى جانب إكراهات السكن واختلاف اللهجة، وما يستتبعه ذلك من تحديات في التواصل وظروف العمل اليومية.وخلال هذه المرحلة، تزوّج عام 1985، فقضت زوجته معه عامًا في تلك البيئة الصعبة، حيث واجها معًا تحديات معيشية وصحية معقدة، زادت من صعوبة التجربة، لكنها في الوقت نفسه عمّقت لديه الإحساس بالمسؤولية والصبر.كما تعرّض في بداياته المهنية لتعسّف من طرف مدير المؤسسة آنذاك، نتيجة رفضه الانخراط في بيع تذاكر اليانصيب الوطني للتلاميذ، وهو ما ترتب عنه توتر ومشكلات داخلية. غير أنه واجه تلك الظروف بإرادة قوية وثبات، مستندًا إلى قناعاته المهنية والأخلاقية. ولم تلبث الأوضاع أن تحسّنت مع قدوم مدير جديد، تميّز بحسن الخلق والتعامل، فكان حضوره تعويضًا معنويًا عمّا لقيه سابقًا، وأسهم في إعادة التوازن إلى بيئة العمل.وفي عام 1986انتقل إلى إقليم تاونات، جهة تيسة، للتدريس في مجموعة مدارس الكعدة، وأقام بأحد الدواوير، قبل أن ينتقل للسكن بمدينة تيسة، حيث تحمّل مشقة التنقل اليومي وما يرافقه من إكراهات، خاصة بعد أن رُزق بأول أبنائه عام 1987. وقد امتدت تجربته المهنية والاجتماعية بهذه المنطقة زهاء ثماني سنوات، إلى غاية عام 1994، عاش خلالها أوضاعًا متقلبة على المستويات المادية والمعنوية والاجتماعية، غير أنها أسهمت في صقل شخصيته وتعميق وعيه بقضايا المجتمع المحلي.وفي خضم هذه المرحلة، انخرط في العمل الثقافي والجمعوي، فأسّس رفقة ثلة من أصدقائه عام 1993 أول نادٍ سينمائي بالمدينة، تحت اسم “جمعية نادي السينما والثقافة”. ومن بين الأسماء التي شاركته هذا التأسيس الأستاذ نصوح، والفاعل الجمعوي والمصور الصحفي سعيد بقلول، إلى جانب مهتمين آخرين، وقد حظي هذا الحدث بتغطية إعلامية، حيث نُشر خبر التأسيس في جريدتي “العلم” و”أنوال”، كما ساهم بكتابات ومراسلات في جريدة “صدى تاونات” للصحفي إدريس الوالي.وعلى صعيد الكتابة والنشر، كان حضوره لافتًا منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، إذ نشر في عدد من المنابر الصحفية والثقافية، من بينها”مجلة التربية والتعليم”، و”الأسبوع الصحفي”، و”النور”، و”المجلس”، و”المرصد”، و”منار الشمال”، و”الوطن”، و”الاتجاه والاتجاه المعاكس”، و”المستقلة”، و”العالم”، و”آيت يوسي”، و”الأمانة السياسية”، و”الصحراء المغربية”، و”البينة”، و”الوجهة”، وغيرها، ما يعكس انشغاله الدائم بقضايا الفكر والثقافة والتربية.كما مثّل، رفقة أعضاء النادي، مدينة تيسة في المهرجان السادس للسينما الإفريقية عام 1994، في تجربة ثقافية متميزة. وعلى المستوى المحلي، نشّط النادي سلسلة من العروض السينمائية بدار الشباب، حيث جرى عرض أفلام عربية وأجنبية، من بينها أعمال إيطالية وسوفياتية وفرنسية، كانت تُواكبها مناقشات معمّقة تتناول الجوانب الفنية والتقنية والدلالية. وهكذا، أسهمت هذه التجربة في إرساء دينامية ثقافية داخل المدينة، وفتحت آفاقًا جديدة أمام الشباب للتفاعل مع الفن السابع بوعي نقدي وجمالي.

انتقل الأستاذ محمد ابن المليح إلى مدينة فاس عام 1994، حيث عُيّن مدرسًا بمدرسة ابن غازي بباب الحمراء، وظل بها إلى غاية إحالته على التقاعد عام 2021. وقد امتدت هذه المرحلة على مدى ما يقارب سبعةً وعشرين عامًا، شكّلت فترة غنية بالأحداث والتجارب، اتسمت بكثافة العطاء وتنوّع الاهتمامات، بين العمل التربوي والانخراط الثقافي والفني. فإلى جانب مهامه التعليمية، واصل الكتابة في عدد من الصحف والمنابر، وحرص على حضور مئات الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية، مما أسهم في توسيع أفقه وتعميق تجربته.داخل المؤسسة، انخرط في تنشيط الحياة المدرسية، خاصة في المجال المسرحي، حيث شارك في إعداد وتقديم أعمال مسرحية مع تلاميذه، من بينها مسرحية “محاكمة”، إلى جانب مشاهد مسرحية ذات طابع بيئي، كتبها وأخرجها، موجهًا التلاميذ نحو التعبير الفني الهادف. كما أشرف، بتنسيق مع مدير المؤسسة السيد محمد أفكار، وهو كاتب مسرحي، على تقديم أعمال أخرى مثل “الصرار والنملة” و”الاستثناء من التلاميذ”، التي أدّاها تلاميذ المؤسسة، في تجربة تربوية جمعت بين الفن والتعليم.وخارج فضاء المدرسة، واصل تطوير مهاراته عبر المشاركة في ورشات وتكوينات متعددة، حصل خلالها على شواهد في مجالات متنوعة، من بينها البرمجة اللغوية العصبية، والذكاء العاطفي، وكوتش لايف، والمربي المبدع، إلى جانب تكوينات في تدريب الكركوزة، وورشات في التكوين المسرحي عام 2008. كما نال دبلوم الصحفي المتميز المحترف عام 2017، وشهادة في تقنيات الكتابة في الصحافة الورقية والإلكترونية عام 2018، وهو ما عزز حضوره في مجال الإعلام والكتابة.وفي المجال الأدبي، شارك في عدد من الإصدارات الجماعية داخل المغرب وخارجه، من أبرزها: “من كنوز القصة الومضة” (جزآن، مصر 2015 و2016)، و”روائع القصص” (مصر 2017)، وكتاب “فلسطين في قلب ستين قاصًا عربيًا” (2015). كما أصدر مؤلفه الخاص “من مسرح الحياة ومضات قصصية” أواخر عام 2021، الذي يجسد تجربته في كتابة القصة القصيرة جدًا.أما في المجال الفني، فقد خاض تجارب متعددة في السينما والتلفزيون، سواء كممثل أو كاتب سيناريو. فقد شارك في الفيلم الطويل “جلال الدين” للمخرج حسن بنجلون، وفي سلسلة “عين كبريت” للمخرج محمد عهد بنسودة وسيناريو منصف القادري، حيث أدى دور “الرايس أزنات”. كما كتب سيناريو وحوار عدد من الأفلام القصيرة، منها “ليلى” للمخرج كريم عصارة، و”إلهام” للمخرج أمين المريني، وفيلم متوسط بعنوان “عصام النجاح” للمخرج عمر سميري. وشارك أيضًا في المسلسل العربي “الوعد” (إنتاج إماراتي وإخراج تونسي) في دور طبيب، إلى جانب مشاركاته في أفلام قصيرة أخرى مثل “الواجب”، و”بورصة” للمخرج بلال نعمان، و”أمل على خط التماس”، إضافة إلى مشاركته في الفيلم الطويل “الشاف العربي” للمخرج نور الدين فرينع.وإلى جانب هذه الأعمال، كتب مقالات متعددة حول السينما نُشرت في منابر مختلفة، مما يعكس حضوره المتواصل في الحقل الثقافي والفني، وإسهامه في إغناء النقاش حول الفن السابع. وبذلك، تميزت هذه المرحلة من حياته بكونها خلاصة لمسار حافل، جمع بين التربية والإبداع، وبين الممارسة والتأمل.

نظير اهتماماته الثقافية والفنية، حظي الأستاذ والفنان محمد ابن المليح بتكريم في كل من مديني فاس وكرسيف، تقديرًا لمساره التربوي وإسهاماته في الحقل الثقافي والإبداعي. كما انخرط في عدد من الجمعيات ذات الطابع الثقافي والتربوي والفني، مما أتاح له توسيع دائرة تفاعله مع محيطه، وتعميق حضوره داخل الفعل الجمعوي. وإلى جانب ذلك، حصل على البطاقة المهنية للفنان من وزارة الثقافة، وهو ما مثّل اعترافًا رسميًا بمساره الإبداعي وتعدد تجاربه في مجالات المسرح والسينما والكتابة.ورغم تراكم سنوات العمل في مجال التعليم وتكوين الأجيال، ظل وفياً لمسار التعلّم المستمر، فلم يتوقف عن القراءة والبحث والتأمل في قضايا المعرفة والهوية والإبداع، ساعيًا إلى إعادة اكتشاف ذاته عبر تراكم التجربة وتنوع الحقول الثقافية التي انفتح عليها. وقد شكّل هذا المسار امتدادًا طبيعيًا لالتزامه التربوي، حيث ظل يعتبر أن المعرفة مشروع دائم لا يتوقف عند حدود الممارسة المهنية.وخلال مسيرته، حضر وشارك في عدد من الورشات التكوينية واللقاءات الفنية التي جمعت بين باحثين ومبدعين من مختلف التخصصات، مما أتاح له فرص الاحتكاك المباشر بتجارب فنية وإنسانية متعددة. ومن بين الأسماء التي التقى بها أو استفاد من تجربتها، الفنان الراحل الحسين المريني، والدكتور يونس لوليدي، والصحافي عبد النبي الشراط، والسينوغراف والفنان التشكيلي امحمد بنكيران، والفنان أحمد جهيد، والفنان التشكيلي سعيد العفاسي، إلى جانب أستاذه في الرسم والتشكيل بمركز تكوين المعلمين عام 1981، الفنان والسينوغراف الريحاني رحمه الله، الذي كان له أثر بالغ في تكوينه الجمالي والبصري. والفنان المسرحي والسينمائي محمد توفيق بلمعلم، وقد أسهمت هذه اللقاءات والتجارب في صقل رؤيته الفنية وتوسيع أفقه الإبداعي، وتنوع معارفه الإنسانية، التي عمّقت لديه الإحساس بأهمية التفاعل بين التربية والفن، وبين الممارسة التعليمية والإنتاج الثقافي. كما عززت لديه قناعة راسخة بأن الإبداع الحقيقي يقوم على التعلّم المستمر والانفتاح على مختلف التجارب والمدارس الفنية.وهكذا، ظل مساره متشابكًا بين العمل التربوي والانشغال الثقافي والفني، في رحلة طويلة بحثًا عن المعنى وتثبيت الذات داخل فضاء إبداعي متحوّل، جامعًا بين التكوين الأكاديمي والخبرة الميدانية، وبين الالتزام المهني والشغف الفني، في تجربة إنسانية ومعرفية ممتدة عبر الزمن.

عُرف الأستاذ والفنان محمد ابن المليح بتواضعه وحنوه في التعامل، وبحرصه الدائم على الكتابة عن الفنانين والكتّاب، حيث كان ينشر تدوينات ومقالات على صفحته في منصة التواصل الاجتماعي”فيسبوك”، رغبة منه في التعريف بهم وبمساراتهم وتجاربهم الإبداعية، وإبراز ما يختزنونه من قيم فنية وإنسانية. وقد انطلق في ذلك من قناعة راسخة بأهمية التوثيق الثقافي، وإعطاء الاعتبار للأسماء التي أسهمت في تشكيل المشهد الفني والأدبي.غير أن هذا الأسلوب في التفاعل والكتابة لم يُفهم من طرف البعض على وجهه الحقيقي، إذ اعتبره بعضهم نوعًا من التزلف أو محاولة للتقرب من الوسط الفني والفنانين. والحال أن هذا التصور لم يكن منصفًا لمساره، إذ إن انخراطه في الحقل الثقافي والفني لم يكن طارئًا أو ظرفيًاوإنما امتداد لتجربة طويلة بدأت منذ شبابه، حيث جمع بين القراءة والمشاهدة والحضور والنقد والكتابة، في علاقة عضوية مع الفعل الثقافي. وقد ظل ينظر إلى الثقافة باعتبارها فضاءً للتفاعل والتثاقف، لا مجالًا للمنافسة أو التزلف، ومساحة للتعبير الحر والتأمل الجمالي. ومن هذا المنطلق، واصل اهتمامه بمختلف الأشكال الفنية، ساعيًا إلى تقديم قراءات وتدوينات تسلط الضوء على تجارب إبداعية تستحق التقدير، وتعيد الاعتبار لأسماء ظلت في الظل.وبذلك، ظل محمد ابن المليح حاضرًا في المشهد الثقافي بوصفه صوتًا هادئًا يسعى إلى التوثيق والتعريف أكثر من السعي إلى الواجهة، محافظًا على مسافة من التوازن بين الوفاء للفن والانشغال بالمعرفة، ليبقى، في نظره، مجرد نقطة ضوء صغيرة في عتمة الإهمال والنسيان، تسهم في حفظ الذاكرة الثقافية من الضياع.

سعيد العفاسي: صحافي، ناقد فني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى