مقامة النخيلي في رثاء الثقافة بفاس، بين صمت الجماعة وخفوت الإحساس


حدّثنا الراوي الشاهد عن بعد والمراقب في صمت، وأسرّ إلينا الحاكي، أنّه شهد بمدينة فاس – حرسها الله من غوائل الإهمال، وصانها من عوادي النسيان – واقعةً تهتزّ لها الضمائر، وتضيق بها الصدور، وتنكسر عندها قيثارات البيان.قال: دخلتُ رحاب الجماعة الحضرية لفاس في عهد رئيسها المنتخب عبد السلام البقالي، فإذا المكان قد خلا من صخب الثقافة، وخفَتَ فيه صدى القصائد والمحاورات، والمشاهد واللقطات، كأنّما أُطفئت فيه مصابيح الإبداع، وغُيّبت شموس الفن في غياهب السديم. وإذا برجلٍ وقور، قد اعتدل في وقفته، واستجمع في صمته خطبًا جللًا، هو الفنان جواد النخيلي، ممن عُرفوا بصدق البلاء في محراب المسرح، وبذلوا من أعمارهم نفائس الساعات في خدمة الطفل والإنسان.وكانت في يده ورقة، لا تكاد تُرى حتى تُبصر، ولا تُقرأ حتى تُدمي، قد خطّ فيها بمداد الحسرة، ووشّى أطرافها بأنفاس اللوعة، عبارةً كأنها نصلٌ في قلب المدينة: “جماعة فاس أعدمت الثقافة وأقبرت الفنان… إنّا لله وإنّا إليه راجعون”.
فقلتُ في نفسي: واعجبًا! أبهذا الحدّ يبلغ الحال؟ وإلى هذا المنحدر ينتهي المآل؟ أمدينةٌ كانت منار العلم، ومهد الفنون، تُغلق فيها أبواب المركب الثقافي إلى أجلٍ لا يُعلم، وتُرفع عنها يد الدعم، حتى يصير الفن فيها غريبًا، وأهله كالأيتام على موائد اللئام؟، ثم دنوتُ من الرجل، فرأيت في عينيه بحرًا متلاطمًا، وفي جبينه أثر السهر والكدّ، كأنّما هو سفير وجعٍ لا يُترجم، ورسول حزنٍ لا يُكتم. فسلمت عليه، فردّ السلام بصوتٍ خفيض، فيه رجع المآتم، وهمس المقابر. فقلت: ما بالُك يا فنان؟ وما شأنُ هذه الورقة التي ترفعها كأنها راية نعيٍ أو شهادة وفاة؟ .فقال، وقد تنهد تنهيدةً تُذيب الصخر:يا صديقي العفاسي لقد ضاق بنا المقام، واستطال علينا الظلام، وانطفأت فينا جذوة الأمل، بعد أن كانت مشتعلةً لا تُرام. كنّا نظنّ أن الثقافة جناح المدينة، وأن الفن روحها السارية، فإذا بنا نُفاجأ بإغلاق المركب الثقافي، كأنّما أُوصد باب العقل، وأُحكمت أقفال الروح.

فقلت: أَوَليس في الأمر تدبيرٌ أو إصلاح؟
فقال: بل هو – في أعيننا – تعطيلٌ وإجحاف، وتضييعٌ لما تبقى من أنفاس الإبداع. إذ لا دعمَ يُذكر، ولا رؤية تُستحضر، ولا التفاتة تُشعر الفنان أنّه في وطنٍ يُقدّر رسالته، أو مدينةٍ تحفظ له كرامته.ثم أردف، وقد اشتدّ نبره، وتجلّت في عباراته حرارة الصدق: أيُعقل – يا ذوي الألباب – أن يُترك مسرحُ الطفل، وهو مهدُ القيم، ومَشْتَلُ الخيال، ومنبعُ البدايات الأولى لوعي الإنسان، عرضةً للجفاف، كغصنٍ قُطع عنه الماء، أو كعينٍ طُمست بعد إشراق؟ أيُعقل أن يُحرَم الصغار من خشبةٍ كانوا يعتلونها كأنها عرشُ الحلم، ومن ضوءٍ كانوا يستضيئون به كأنّه فجرُ المعرفة، ومن فضاءٍ كانوا ينسجون فيه خيوط الخيال، فيغدو عندهم المسرحُ وطنًا، واللعبُ إبداعًا، والتمثيلُ حياة؟، أيُعقل – والعجب كلّ العجب – أن تُختزل فاس، وهي التي جاوز عمرها الألف ومائتين وخمسين عامًا، في صمتٍ ثقيل، وفراغٍ قاتل؟ فاسُ التي شهد لها التاريخُ فأنصف، وشفع لها العلمُ فأنصف، وأقنعت الحضاراتُ بفضلها فاعترفت؛ فاسُ التي كانت منارةً للعلماء، ومهوى أفئدة الأدباء، وملتقى الفنون واللغات، أتصبح اليوم كأنّها أطلالُ ذاكرة، أو صدى ماضٍ لا يُستعاد؟، أيُعقل أن تُحرم مدينةٌ بهذا المجد، وبهذا الإرث، من قاعاتٍ مسرحيةٍ تليق بمقامها، وتنسجم مع سمتها، وتُجسّد روحها المتوثّبة؟، أليس في ذلك جورٌ على التاريخ، وبخسٌ في حق الحاضر، ووأدٌ لمستقبلٍ كان يُرجى له أن يكون أبهى وأزهى؟، أليس من حقّ فاس – وهي التي علّمت، وألهمت، وأبدعت – أن تقوم فيها صروحٌ ثقافية تُضاهي أعظم المركّبات، وتتصدرها في شمال إفريقيا، فتكون قبلةً للفنانين، ومنبرًا للمبدعين، ومتنفّسًا للأجيال؟، أليس من حقّها أن يُعاد لها وهجُها، وأن تُستردّ لها مكانتُها، وأن يُنفض عنها غبار الإهمال، فتنهض من كبوتها كالعنقاء من رمادها؟
فقلت: إنما هي الدنيا دول، والأحوال فيها تحول. فقال: لكنّ الثقافة إذا ماتت، ماتت معها الروح، وإذا قُبرت، قُبر معها الوعي. ولسنا نبكي على أبوابٍ أُغلقت، ولكن نبكي على آفاقٍ سُدّت، وعلى أجيالٍ يُخشى عليها من اليتم الثقافي، والفراغ القاتل.
قال الراوي الشاهد عن بعد والمراقب في صمت: فعجبتُ لبيانه، ودهشتُ لجرأته، إذ جعل من الورقة لسانًا، ومن الصمت خطابًا، ومن الوقفة احتجاجًا لا صخب فيه ولا ضجيج، ولكن فيه من المعاني ما يزلزل الجبال.وكان من حضر ينظر إليه بين مُستغربٍ ومُتعاطف، وبين من يرى في فعله جرأةً محمودة، ومن يعدّه صرخةً في وادٍ غير ذي زرع. غير أنّ الفنان في جبة سياسي لم يلتفت، ولم يزدد إلا ثباتًا، كأنّه يقول بلسان حاله: “إن لم نُسمع، فلنُرَ، وإن لم نُرَ، فلنكتب، وإن لم تُقرأ كلماتنا اليوم، فغدًا تُتلى كأنها نبوءة.”ثم التفت إليّ، وقال: يا صديقي العفاسي، إنّ الفن ليس ترفًا، ولا الثقافة زينةً تُعلّق على جدران المواسم، هي ضرورة كالماء والهواء، بها تقوم الأمم، وعليها تُبنى الحضارات. فإذا أُهملت، ذبلت الأرواح، وعمّ القحط في العقول.وواصل قوله وقد انتصب كالسارية لا تميل، وثبت ثبوتَ الجبال لا تزول، متوشّحًا بأدبٍ ثرّ، وبيانٍ مُرّ، بعد أن بلغ السيلُ الزُّبى، وضاق الصدرُ بما حوى: إنّ صرختي هذه – وما هي إلا نفثةُ مكروب، وزفرةُ مجروح – إنما هي صرخةُ فنانٍ لم يخلع عنه ضميرَه، ولم يُبدّل رسالتَه، بل صانها كما يُصان العهد، وحملها كما يُحمل الجمر في الكفّ.هي صرخةٌ تخرج من وجدانٍ تشبّع بالخشبة، وتربّى في حضرة الضوء، ونهل من معين الفن حتى ارتوى، غير أنّه اليوم يرى المورد قد نضب، والنبع قد احتجب، فكان لزامًا عليه أن يُفصح، وأن يُنذر، وأن يُعلن ما استتر، ويكشف ما اندثر.
وليس في صرخة الفنان جواد النخيلي خروجٌ على نظام، ولا رغبةٌ في خصام، فيها من وعي السياسة ما يُقوّم الاعوجاج، ويُنبّه الغافل، ويُحاور الواقع بلغةٍ لا تعرف التزييف ولا تُجيد المداراة. فهي صرخةٌ تقصد التنبيه لا التشهير، والإفصاح لا الافتراء، والقيام بواجب الكلمة حين تعجز الصمت، وتخون الإشارات.هي، باختصار، صوتُ فنانٍ أدرك أنّ السكوت موتٌ بطيء، وأنّ القول – وإن كان مُرًّا – حياةٌ تُستعاد، وحقٌّ يُراد له أن يُقال، قبل أن يُطوى في سجلّ النسيان.
فقلت: صدقتَ، ولكن هل من أمل؟
فقال: الأمل باقٍ ما بقي فينا نفسٌ يتردّد، وقلبٌ ينبض. غير أنّ الأمل يحتاج إلى من يرعاه، ويُسقيه، ويؤمن به. فإن ظلّ مُلقىً على قارعة الطريق، تلاعبت به رياح اللامبالاة، حتى يصير أثرًا بعد عين.
قال الراوي الشاهد عن بعد والمراقب في صمت: ثم طوى ورقته، كأنّه يطوي صفحةً من الألم، وأدار ظهره للمكان، أسفًا عليه، ومضى في طريقه، كأنّه يحمل المدينة في قلبه، لا على كتفيه.فقلت في نفسي: لقد كانت هذه الوقفة – وإن صغرت في ظاهرها – عظيمةً في معناها، إذ اختزلت غضبًا دفينًا، وعبّرت عن وجعٍ مشترك، وسلّطت الضوء على واقعٍ يحتاج إلى مراجعة، بل إلى نهضةٍ تُعيد للفن مكانته، وللثقافة اعتبارها.وإنّي لأخشى – إن استمرّ هذا الحال – أن نصحو يومًا فلا نجد في فاس إلا صدى الماضي، ولا نرى فيها إلا أطلال المجد، وقد كانت يومًا عروس الحواضر، ومهوى أفئدة العلماء والفنانين.ثم ما بالُ القائمين على الشأن، من منتخبين ومُعيّنين، أيسمعون فلا يُصغون، أم يُبصرون فلا يعتبرون؟ أين دورهم في صيانة هذا الإرث، وفي رعاية هذا الحقل، الذي إن تُرك تآكل، وإن أُهمل اندثر؟، أم أنّ الثقافة في نظرهم ترفٌ يُؤجَّل، وزينةٌ تُهمَل، حتى إذا ذبلت، قيل: ما بالها قد ذبلت؟، وسحبت المناديل البيضاء لمسح دموع الندم والحسرة، ومعها قراءة الفاتحة. إنّ ما ينخر فاس اليوم ليس قلة الإمكان، هو غياب الرؤية، لا ضعف الموارد، وهن الإرادة والإرادة، وإنّ ما يهدمها ليس عدوًّا ظاهرًا، هو إهمالٌ مستتر، وصمتٌ مُريب، وتراخٍ يُفضي إلى اندثار المعنى قبل المبنى.
فيا أهل القرار، ويا سدنة التدبير، إنّ فاس لا تطلب صدقة، هي تستحقّ حقّها، ولا تستجدي التفاتة، هي تُطالب برؤية. فإمّا أن تُنصفوها، فتعود كما كانت منارةً لا تخبو، وإمّا أن تتركوها، فيُكتب في سجلّ الزمان: هنا كانت مدينةٌ اسمها فاس، وهنا كان للفن فيها نفسٌ… ثم انقطع.ويا من بيده القرار، ويا من إليه تدبير الأمور، إنّ في هذه الصرخة عبرة، وفي هذه الوقفة رسالة، فاعتبروا قبل أن يُقال: “هنا كانت الثقافة، وهنا كان الفن”، ثم لا يبقى إلا الذكرى، ولا يُسمع إلا النحيب.
وهكذا انقضت الحكاية كما رواها الشاهد عن بعد والمراقب في صمت من أكناف بيت المقدس، المسمى قيد حياته سعيد العفاسي، وبقيت العبرة، وسُطّرت الواقعة في سجلّ الأيام، لتكون شاهدًا على زمنٍ اضطربت فيه الموازين، واختلّت فيه القيم، ولكن بقي فيه – رغم كل شيء – من يقول: لا، ومن يرفع ورقةً، فتكون أبلغ من ألف خطبة، وأصدق من ألف بيان.
سعيد العفاسي: صحافي ناقد فني

