الممثل الاحتفالي : الرسالة و ساعي البريد


الدكتور عبد الكريم برشيد
فاتحة الكلام
اليوم حديثي عن صديقي و رفيقي الممثل، ذلك الإنسان الذي اعطيته انا كلماتي وعباراتي وأفكاري وتصوراتي، واعطاني هو جسده و وجدانه و روحه و خياله، وانا في مسرحي كتبت رسائل مسرحية كثيرة، ولقد اوصلها لكل الناس في مختلف جهات الارض ساعي بريد امين يسمى الممثل، ولهذا الممثل الاحتفالي في كل العالم سلمت كل مسرحياتي الاحتفالية، و بمناسبة الاحتفال العالمي بعيد المسرح فإنني اقول له شكرا.. وبنفس المناسبة ايضا فإنني أحيي كل نساء وكل رجال اشرف واصعب وأصدق كل المهن، والتي هي مهنة التمثيل المسرحي.
بعثت لي الدكتورة رحمة غربي من تونس، والتي هي باحثة مهتمة بالمسرح بشكل خاص ومهتمة بالثقافة العربية بشكل عام، بمجموعة من الأسئلة بخصوص التمثيل المسرحي الاحتفالي, وما الذي يميزه عن المناهج العالمية المعروفة في مجال التمثل، وفي رسالتها عبر الوات ساب تقول: (نحب نفهم علاش اختيار كلمة احتفالية في بحثنا عن مسرح عربي، هل انّ البحوث اللي قدمتها تغيّر من الشكل التقليدي وإذا كان تغير من الشكل التقليدي اين يظهر هذا التغير، مثلا هناك تكوين خاص في مجال التمثيل بالنسبة لمسرح عربي تتصورونه بالمقارنة مع ستانيزلفسكي او قروتفسكي او مايرهولد، هل هناك طريقة خاصة بالاحتفالية في مجال اداء الممثل؟ ، هل يوجد طريقة في اداء الممثل بالنسبة للمدرسة الاحتفالية)؟
واعتبر ان هذه المقالة يمكن ان تجيب على اسئلتها، وعلى اسئلة كثيرة من الباحثين الذين يهمهم (طبيعة) التمثيل الشرقي بشكل عام وطبيعة الاحتفالي بشكل خاص
يقول الشيخ الاكبر ابن عربي:
لقد كنت قبل اليوم انكر صاحبي
اذا لم يكن ديني إلى دينه داني
وقد صار قلبي قابلا كل صورة
فـمـرعى غـزلان وديـر رهـبـان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
ووالواح توراة وةمصحف قرآن
أدين بدين الحب انى توجهت
ركائبه فالحب ديني ومذهبي)
وهذا الصوفي هو الممثل الاحتفالي الحقيقي في المسرح الاحتفالي الحقيقي، فهو يقبل ان يكون كل شيء، ويقبل ان يكون كل الناس، وان يكون له اكثر من اسم واحد، لأنه في ذاته يختزل كل الناس، وبذلك فقد كان عالم الصوفيين هو الأقرب إلى عالم المسرحيين، وكان قلب الممثل الصادق ( قابلا كل صورة) وكان قابلا لأن يكون بكل الأسماء وكان قابلا لأن يكون الممثل الصادق شاهدا على نفسه و شاهدا على الناس و شاهدا على عصره
ان وجود ممثل مقتنع بما يقول، يمكن ان يكون في ادائه مقنعا بكل تاكيد، ووجود ممثل يستمتع بما يقول يمكن ان يمتع كل ضيوفه في بيته المسرحي، وان يشركهم معه في نشوته وفي متعته الحسية والوجدانية والروحية
ويقول الاحتفالي، وهو يبحث عن الوجود في مسرح الوجود ما يلي، في مرايا هذا المسرح المسرحي نتعدد، ونتمدد، ونتجدد، ونكون نحن، ونكون الآخر ، ونكون امام المراة، ونكون داخلها ونكون وراءها، وبذلك يكون لنا وجود في المكان الأخر وفي الزمان الآخر وفي المناخ الآخر وفي السياق الآخر وفي العصر الآخر وفي العمر الآخر، وبذلك نكون في هذه المرآة المسرحية، الصادقة مرة والماكرة في اغلب المرات، بحجم الكون وبحجم امتدادات التاريخ وبصدق ومصداقية الحياة، ويحضر فينا ومعنا كل شيء، ولا يغيب اي شيء، يحضر الكائن والممكن والمستحيل، ويتقاطع في ارواحنا وفي اعيننا المحسوس والمتخيل، ويحضر الغائب والمغيب معا، ويقترب منا البعيد والمبعد، حتى يصبح هو نحن ونحن هو ، وحتى لا يبقى معنى للغربة والغياب والاغتراب والنفي والمنفى، ويؤكد الاحتفالي على نسبية الأفكار وعلى نسبية المعاني وعلى نسبية الأشياء وعلى نسبية كل شيء في عالم الناس والأشياء، وفي النفوس الكبرى عادة يكبر هذا العالم دائما، وفي الفوس الصغرى يضيق كل شيء، وتبحث الاحتفالية عن الممثل الذي يسع عمره كل الأعمار، و تسع روحه كل الأرواح، وهذا الممثل له وجود حقيقي في المسرح المسرحي وفي مسرح الوجود ايضا.
الاحتفال في المكان السائل وفي الزمان المتجمد
يقول الاحتفالي لست من الذين يعيشون الاحتفال، وهو مجرد حالة يتيمة وعابرة و معزولة عن سياقها، ولا من الذين يفصلون في فعل الاحتفال بين المكان و الزمان والإنسان، و إني مثل ابن عربي اومن بان ( الزمان مكان سائل) وان (المكان زمان متجمد) وهل هناك احتفال يمكن ان يتحقق خارج المكان وخارج الزمان وفي غياب الإنسان المحتفل في الاحتفال و المعيد في العيد؟
هو عالم واحد اذن، فيه إنسان واحد، له صانع واحد، وله نظام واحد، وانت الممثل في هذا الكون المسرحي العجيب مخلوق إنساني عجيب ( تحسب انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر ) كما يقول ابن عربي
وهذا الاحتفال، قبل ان يكون فعلا محدودا، في المكان السائل وفي الزمان المتجمد، فهو نظام الوجود ونظام الموجودات، وهو نظام الحياة ونظام الكائنات الحية
ان هذا الاحتفال الذي نحياه هو نحن، هو حياتنا وحيويتنا، وهو مجموع حالاتنا ومجموع افكارنا ومجموع فعلنا ومجموع رد فعلنا، هو نحن الحياة ونحن الحيوية، والحياة تحديدا وهي في درجة الصدق و المصداقية، وهي في درجة الفكر والتفكير، وهي في درجة الفلسفة و التفلسف، وهي في درجة الخلق والإبداع، وهي في درجة الكشف والمكاشفة
يقول الاحتفالي إن اصدق واكمل كل الاحتفالات هو احتفال عمال العالم في عيديهم الكوني في فاتح ماي من كل سنة، وفي هذا العيد يقول لسان حال العامل
( انا اعمل، اذن فمن حقي ان احتفل، وان يحتفل معي كل العالم) وليس ضروريا ان يكون هذا الاحتفال بطعم الفرح، وقد يكون بطعم الاحتجاج وبطعم الغضب
والاحتفال مع المسرحيين في عددهم الكوني، هو جزء من احتفال الإنسان العامل والمفكر و المبدع و الخلاق و المجد و المجتهد و الصانع، وهل نحتاج لأن نؤكد اليوم، مرة اخرى، بان اشرف كل الصناعات هي صناعة الفرح؟
ولقد تعود الاحتفالي، الباحث عن الجديد وعن التجديد في الحياة، ان يقول ما يلي، إنه لا شيء اسوا من ان تتشابه في حياتك كل الآيام، وان تجد نفسك ـ من حيث تدري او لا تدري ـ تعيش يوما واحدا يتكرر شكل مستمر، او ان تعيش ساعة واحدة تستعيد نفسها، بكل جزئياتها وتفاصيلها الصغيرة والدقيقة
ولعل أهم واخطر ما يميز الإنسان الاحتفالي هو انه إنسان متمرد، وهو بهذا ضد يومه الذي لا جديد فيه، وهو ضد ساعته التي لا جديد فيها، وبحثا عن يومه الاحتفالي والعيدي الحقيقي، فقد
أعلن هذا الاحتفالي العصيان والتمرد على كل الأيام الأخرى؛ الساكنة و الجامدة و المحنطة والميتة
ولا شيء اسوا ايضا، بالنسبة للاحتفالي من وجود صوت لا يخرج من بين الأصوات الحماعية، ليؤسس نغمة جديدة، في سيمفونية الوجود والحياة
وما اسوا من ان تكون كذلك الذي تساله في الصباح ماذا تنتظر، ويقول لك، انتظر ان ياتي المساء
وتساله في المساء ماذا تنظرك، ليقول لك انتظر ان ياتي الصباح، ويأتي الصبح ولا جديد، ويأتي المساء ولا جديد، ويمضي العمر ولا جديد، و تنقضي كل الأيام. والأعوام ولا جديد
في فوضى هذا العالم نعيش ونحيا، وفي هذا الواقع نعيش الوقائع اليومية كما اعطيت لنا، اي وهي مادة خام، وهي تحتاج الى تفكيك وإلى إعادة تركيب، ونحن في هذا المسرح الاحتفالي لا نفعل شيئا سوى اننا نعيد تركيب وترتيب كل شيء، حتى يستعيد هذا الواقع التاريخي جمالياته الضائعة
الممثل الاحتفالي لا يمثل
المرجع الأساس للممثل الاحتفالي يتمثل في فلسفة التعييد الاحتفالي، والتي تقوم ( على اساس نزعتين متكاملتين ومتحاوتين، النزعة الوجودية و النزعة الصوفية) هكذا تحدث المفكر الاحتفالي في كتاب (:فلسفة التعييد الاحتفالي في اليومي وفي ما وراء اليومي) والممثل الاحتفالي يحيا اللحظة الاحتفالية، بكل حواسه، ويعيش اللحظة المسرحية بكل أحوالها ومقاماتها، وهو في الاحتفال المسرحي يحيا حياة اخرى إضافية، اكثر حيوية واكثر جمالية واكثر صدقية
وفي هذا التمثيل المسرحي الاحتفالي يسكن التحدي و التجاوز دائما، ولا يكون الممثل فيه وحده، ولكنه يكون بصحبة الآخرين، ممن يشكلون معه فعل الاحتفال، والذين يعيشون معه اللحظة الاحتفالية الصادقة، والذين لا يجوز في حقهم ان نسميهم جمهورا، لأنهم ضلع اساسي من اضلاع الاحتفال المسرحي، وهم في هذا الاحتفال ضيوف الممثل، وهم رفاقه وهم صحبه وهم شركاؤه في طرح السؤال المسرحي وفي تاثيث الفضاء المسرحي وفي مقاربة القضية الفكرية التي يطرحها التلاقي المسرحي
ولعل اهم ما يميز هذا الممثل الاحتفالي هو إنسانيته اولا، وهو حيويته ثانيا، وهو حريته ثالثا، وهو انه في بحث دائم عن الجمال والكمال, جمال الكلمة وجمال الصورة وجمال الحركة وجمال العلاقة، بالزمان و بالمكان وبالآخر
هذا الممثل الاحتفالي هو باستمرار في صراع صامت مع ذاته ومع جسده ومع حواسه ومع كلماته ومع ذاكرته ومع خياله ومع طاقته الخلاقة ومع إمكانياته ومع مستواه الفني و الإبداعي الأسبق، والمطلوب منه، في كل احتفال مسرحي، ان يتفوق على نفسه، وإذا كان هذا الممثل في تمثيله لا يقدم جديدا، وكان يكرر نفسه، وكان لا يتجاوز في تمثيله صور الوقائع التي في الواقع، فلماذا يمثل اصلا؟ واي جديد يمكن ان يضيف في احتفاله المسرحي الجديد؟
وهذا الممثل ليس آلة ميكانيكية، د يتكرر فيها نفس الفعل ونفس الحركات بشكل دائم، ولكنه حياة وحيوية، وبذلك فقد اكدت الاحتفالية على شيئين اساسيين هما، الكتابة الحيوية في النص المسرحي، والأداء المسرحي الحيوي في التمثيل المسرحي، والممثل الآلة والتمثيل الآلي لا علاقة لهما بالمسرح الاحتفالي ولا بحياة ولا بحيوية هذا المسرح الحي
والتمثيل الاحتفالي ليس هو التمثيل المدرسي، وفي معناه الحقيقي هو اللاتمثيل، والممثل الاحتفالي هو الذي يحيا الحالة، ويتمثلها، حسيا ووجدانبا وفكريا، من غير ان يمثلها شكليا او ان يقلدها، وفي هذا المعنى يقول صديقي الاحتفالي، الشاعر ابن الرومي في رثائه لوحيد المغنية
تعني كانها لا تغني من سكون الأوتار وهي تجيد
فلا تراها تجحظ عين لك منها ولا يدر وريد
والممثل الاحتفالي يوجد حيث توجد البساطة، وحيث توجد التلقائية، وحيث توجد الصدقية، وحيث توجد العفوية، وحيث
توجد الحيويية، وينسخب على هذا الممثل الاحتفالي نفس ما اكده ابن الرومي على غناء وحيد المغنية، والذي هو غناء احتفالي، لا تكلف فيه، ولا استعراض فيه، ولا تشنج فيه، وبهذا كان من حقنا ان نقول عن الممثل الاحتفالي انه (يمثل) و( كانه لا يمثل) بدون رغبة في الإدهاش والإبهار
والممثل في المسرح الاحتفالي هو فاعل يتحدى، وهو يتحدى الواقع بالخيال ويتحدى الكائن بالممكن، ويتحدى العادي بالغريب والعجيب، ويتحدى الواقعي بالأسطوري، ويتحدى كثافة اليومي بشفافية وشعرية المسرح
وفي كتاب ( فلسفة التعييد الاحتفالي في اليومي وفي ما وراء اليومي) يقول المفكر الاحتفالي ما يلي:
( ان الإنسان، في المنظور الاحتفالي، يمثل ارقى درجات التطور والارتقاء، وذلك في سلم الموجودات والكائنات
ان هذا الإنسان الوجودي و الصوفي، له حدان متقابلان، اما الحد الأول فهو الحد الإلهي، واما الحد الثاني فهو الحد الحيواني و الوحشي، والإنسان الصاعد إلى درجة الألوهية يمثله الحلاج، واما الكائن النازل الى درك الحيوانية فتمثله شخصية قردل في مسرحية “الناس والحجارة” الاحتفالية؟)
حوارية الممثل والتمثيل
وفي ختام هذا النفس الجديد، من هذه الكتابة الاحتفالية الجديدة، ارى من الضروري ان انقل لكم مشهدا من كتاب (الرحلة البرشيدية) وفيه يتحدث صاحب الرحلة عن العلاقة بين الكاتب المسرحي والممثل المسرحي والشخصية المسرحية، وعن مشاهداته الغريبة و العجيبة في العالم الافتراضي يقول الكاتب الاحتفالي ما يلي؛ (ورحت أبحث في هذه المدينة عن المسرح، وسألت بعض الناس في المدينة عن مسرح المدينة، فأكدوا لي جميعهم بأن المدينة كلها مسرح، وبأنه لا مسرح خارج فضاء المدينة، وبأن حياة الناس هنا كلها تمثيل وتمثيل، وبأن درجات هذا التمثيل متباينة ومتفاوتة في الصدق والحقيقة، وسألت عن السادة الممثلين فقالوا إن كل الذين فيها وعليها ممثلون.
يا أيها الناس افهموني، ذلك الممثل الكاذب في البيوت والأسواق، وفي الحارات والإدارات لا يعنيني، وكل الممثلين الكذابين والمنافقين لا يهمني فنهم الذي ليس فنا، هكذا قلت لكل الناس في هذه المدينة، وأنا اليوم لا أبحث إلا عن الممثل الذي يحيا حياته، والذي يمثل وهو يعرف أنه يمثل، ويدرك جيدا أنه يمثل مع الناس وليس عليهم، والذي يبحث في التمثيل عن الحق والحقيقة، والذي لا يسعى من أجل أن يهرب هذه الحقيقة، أو أن يزيفها، أو أي يلتف حولها.
ماذا تقول يا سيدي؟ هذا النوع من الممثلين الحقيقيين قليل لديكم؟
وهو قليل لدينا نحن أيضا، ومن طبيعة الأشياء النفيسة، أنها نادرة دائما، والمهم أنها موجودة وأعرف أنها موجودة حقا، ويهمني أن أعرف أين..
وأشاروا علي أن أذهب إلى مقهى النورس الأبيض، فذهبت إليها، وهناك رأيت صورا عجيبة، وسمعت كلاما بديعا، ووجدت عالما مدهشا ومثيرا، وجدت مجموعة من الأجساد التي تفيض حياة وحيوية، وهي تفكر جهرا، ورأيت منهم من يقرأ دوره بالصوت العالي، ومنهم من يجلس على الأرض وهو في حالة استرخاء، ومنهم يناقش دوره مع المخرج، ومنهم من جلس على كرسي، وراح يتأمل الحياة التي بداخله، ومنهم ومنهم ..
وجوه وأقنعة، وأجساد عليها أزياء، وأزياؤها من كل العصور والعهود، وكلامها شعر ونثر وزجل، وحركاتها موزونة وموقعة، حتى لكأنها الرقص أو ما يشبه الرقص..
يا الله.. ما هذا الذي أراه؟، كأنني أرى التاريخ كله الآن هنا، مختزلا في هذا الفضاء، وفي هؤلاء الناس، وفي هذه اللحظة الخارجة عن سلطة الساعة..
الآن ـ هنا، لا حدود بين ماض مضى، وبين حاضر يحضر لحظة ثم يمضي، وحتى السادة الموتى ليس من حقهم أن يموتوا، وهم بفعل سحر التمثيل أحياء يتحركون وينطقون، فهذا صديقي ابن الرومي يسأل عن خلخال عريب في أسواق بغداد
وهذه الخامسة تسأل عن زوجها عبد السميع، وتنادي بأعلى صوتها بين الناس: يا عبد السميع، ويرد عليها الصدى: يا عبد السميع..
وفي الجانب الآخر، أرى عبد السميع مشغولا بمخترعاته وبأحلامه وأوهامه
وأرى العالم فاوست وهو يستغفر ربه، وهو يطرق باب الرحمان، يعد أن باع روحه للشيطان
وهذه لونجة، مزهوة بضفيرتها التي تغطي شيئا من الأرض وشيئا من السماء
وهذا عجيب يبحث عن أخيه التوأم غريب في بلاد موتستان
وأرى ممثلا يقف على سيقان خشبية عالية، وأعرف أنه الأطلس الجبار، وأن الكرة التي يحملها على كتفه هي الأرض، وأسمعه وهو يقول للناس بصوته المجلجل: أنا وحدي الذي أحمل هذه الأرض، ومعها أحمل همومها، وأحمل فرحها وأحزانها، وأحمل زمنها وتاريخها، وأحمل إنسانها وحيوانها
وأرى المتنبي محموما ومهموما بغدر الإنسان وغدر الزمان، وأجد الحمى بجانبه، وأسمعه وهو يكلمها وهي تكلمه، ويطلب منها أن ترحمه قليلا، وأن تبعد عنه، ولكنها تصر على أن تقترب منه أكثر، وعلى أن تدخل معه تحت ثيابه..
وهذا صاحبي عبد العلي، لقد عرفته، وهذه وزوجته صليحة، وهذا ولدهما سلطان، وهم كلهم يقفون على باب الوزير، وباب الوزير لا يريد أن يفتح لهم,.
يا الله، كل هؤلاء أصدقائي، وإنني أعرفهم كما أعرف نفسي، ولكن هم، هل يعرفوني؟ لست أدري..
إنهم يمارسون شغبهم الجميل أمام أعين المارة، يعيشون المسرح خارج المسرح، يعيشونه تحت ضوء الشمس نهارا، وتحت ضوء القمر ليلا، ، فما أسعدهم كلهم، وما أسعدني أنا أيضا بهم، إنني أراهم كلهم أحياء هنا، وأعرف أنه في المسرح لا مكان للموت، وفي التمثيل لا مكان للموتى..
وهذا عطيل المغربي، اقتربت منه، وألقيت عليه التحية بشكل مسرحي، وكلمته أيضا بطريقة مسرحية وقلت:
إنني أعرفك أيها المحارب في غير جيشه)

