“زرزاي”حارس المدينة وأمينها: النقل العابر للمدينة القديمة بفاس

 ما إن تدخل من أبواب المدينة القديمة لفاس، حتى تشنف سمعك كلمةبالك الله يرحم الوالدين، والكلمة من أساليب التحذير، لا يمل أصحابها من ذكرها في كل ممر أو درب أو زقاق أو ساحة ، بالكهي لغة التشوير بالمدينة، وهي لغة التحذير، وهي لغة التنبيه، وهي جزء من التراث الشفهي  الذي لا تحلو المدينة بدونه، وإن كانت أحيانا تصبح مزعجة، شخصيا كلما زرت إحدى المدن المغربية وتجولت في دروبها كثيرا، إلا ويبقى عندي إحساس بشيء ناقص في الزيارة، والسر يكمن في كلمة بالك“. الكلمة تنطلق من أفواه الحمالين بموسيقى خاصة، وسحر خاص، لا يستشعر متعتها إلا مفتقدها، وسأقتصر بالحديث هنا عن صنف من الحمالين الصامدين القانعين الرابضين بالمدينة، منذ قرون، ويتعلق الأمر بـ زرزاية هذه الكلمة التي تبدو لغير ساكنة المدينة القديمة بفاس، غريبة وغير مألوفة، فهي هنا جزء من الذاكرة الشعبية، فحسب مذكرة الكتابة العامة بفاس المؤرخة في 1918 كان أول الحمالين القادمين إلى فاس هم أولاد جرار ويكون اسم “زرزاية” تحريفا لهذا اللفظ، ( ويطلق عليهم اسم ولاد سيدي تشريفا لمهنتهم وأمانتهم)،وربما هذا الاشتقاق اللغوي بعيد الاحتمال، إذ يسهل أكثر ربط كلمة “زرزاية” باسم أحد قصور قبيلة أولاد جرار الذي يسمى “زرزاية”. فكيف جاءت هذه الطائفة إلى مدينة فاس؟ ومتى؟ وما هي أهم خصوصياتها؟.

الرواية التقليدية والبربرية والفاسية ترجع إقامتهم إلى عهد مولاي إدريس، وقد ذكرهم العميد حسن الوزان” ليون الإفريقي” في كتابه “وصف إفريقيا”. أن “البربر” (الكلمة ليست قدحية ) النازحين إلى مدينة فاس أيام إدريس الثاني قد أصيبوا بأزمة بطالة خطيرة أثرت على مستوى معيشتهم، فعزموا على العودة إلى ديارهم، إلا أن المولى إدريس لم يرد حرمان عاصمته من يد عاملة نفيسة وقنوعة، وتحضى باحترام الجميع، فخاطبهم بقوله: ” لا أريد أن تتركوا المدينة، متأثرين بهذه الأزمة الوقتية، استقروا بفاس، وسوف تؤمنون نقل البضائع والأدوات بعون الله وكأنكم جمال الصحراء التي لا تكل، وهذا وقف أهبه لكم ولأحفادكم، إلى يوم الدين” والترجمة مأخوذة من أفواه زرزاية، الذين يحفظونها عن ظهر قلب إلى اليوم، وقد ذكرها “روجي لوطورنو ” في كتابه “فاس قبل الحماية” في الجزء الأول الصفحة 288.” و زرزاية بربر، ينتمون إلى بعض قبائل ملوية الوسطى، وكير الأعلى، مثل قبائل بني حيون وأولاد الحاج وأولاد جرار وأهل كير وأهل تيرنست وأيت جليداست. وعند استقرارهم بفاس كونوا لأنفسهم نظاما خاصا، ونمط عيش له فرادته، ووسط له خصوصيته وعالمه، في الملبس والمأكل والمبيت والعلاقات مع الآخرين، وتنتخب كل واحدة من المجموعات المختلفة، التي تحمل اسم “تريبعات” في الأصل “تربيعات” أمينا لها لمدة ستة أشهر فقط، إذ يتجدد زرزاية فاس كل ستة أشهر وعند انقضاء الأجل وبمجرد ما يصل خلفهم من القبائل النائية، يجيئون إلى فاس مجردين من كل شيء إلا من نعلين وما على أجسادهم من لباس”، وفي هذا الصدد يقول مثل فاسي معروف: ” جاء إلى فاس مثل زرزاي، لا يملك إلا نعله”، يسيرون في الطريق راجلين في العهد القديم، وفي وسائل النقل اليوم، فيلتحقون ببلادهم عبر صفروا وتازوطة وتلميرات بين جبال بويبلان وجبال تشوكت وأيت بازة ومرموشة وجبل تسيوانت، إذا سمحت الظروف المناخية بذلك، ولن يعود البعض منهم أبدا إلى فاس، لا ينتمي زرزاية في معظمهم إلى نفس القبائل فحسب، بل إلى نفس الأسر، ويقوم  بتقديمهم إلى الطائفة “زرزايان” يتوليان تدريب الحديث العهد منهم، ويؤديان له طوال ثلاثة أشهر راتبا ثابتا ويتقاضيان في المقابل أرباحه الحقيقة، ويتضمن التدريب معرفة كل أزقة ودروب وشوارع وحوانيت وأسواق وفنادق وأسر المدينة…  ويجتمع الأمناء بدورهم في أحد الفنادق أو الأسواق وينتخبون أمينا رئيسا عليهم، يعترف به المخزن كرئيس الطائفة لمدة سنة، وهو المخاطب الرئيس في كل قضية أو استشارة.

زرزاية يتغذون بالشيء القليل، متواضعون، صامتون، قنوعين، لا يتدخلون في شيء لا يخصهم، يراقبون بصمت، ولا يجتمعون مع عامة الناس، وأكاد أجزم أن ليس لهم أصدقاء، إلا من زمرتهم، يبيتون بالليل في أسواق وسط المدينة، وفي الفنادق ذات الاستعمال التجاري، وعند الخواص، كحراس، وهم يعرفون أسر المدينة تقريبا كلها، ومعروفون بالثقة والأمان، فيمكن أن ترسل مع زرزاي ما شئت من الذهب أو المال أو البضائع الغالية، فهي في رقبته أمانة حتى يسلمها بكل صدق ونزاهة، ويستعملون لنقل تجهيز العروس والمؤن والفراش والزرابي الضرورية للأفراح العائلية، أو لبسط الحصر في المصلى خلال عيدي الأضحى والفطر، ويستعملون كوسطاء يقومون مقام الهاتف أو على الأصح مقام المراسلات التلغرافية والبريدية، ويستخدمون للقيام بدور “البراح” إذ يجولون أحياء المدينة وهم “يبرحون” بالشيء الذي ضاع، دون إعطاء أوصافه، سواء تعلق الأمر ببضاعة أو سلعة أو طفل أو متاع، وهم مستعدون لإيصال الأمانة في أي اتجاه بالمدينة أو خارجها بقليل، حتى وإن كانت ثقيلة إلى صاحبها بدون كلل أو ملل، مقابل دريهمات معلومة، وهم يعرفون أدق التفاصيل بالمدينة، من ولادة أو عرس أو عقيقة أو مأتم أو زيادة أو نقصان، ولم يتبنوا من عادات فاس إلا تقديم القربان السنوي إلى مولاي إدريس، مرددين سؤالهم الدائم على شكل توسل: ” اسيدي بن سيدي مولاي إدريس ما طالب عليك لا جنان ولا فدان غير نقلة مور نقلة حتى يروح الليل، وتقلك حنا نهزوه حتى لخر في سلالاتنا”، وهم بذلك يقصدون كسوة مولاي إدريس خلال موسمه الشهير الذي يقام الخميس الثاني من كل شهر شتنبر من كل سنة، حيث يتكلفون بحمل كسوته عبر دروب المدينة وصولا بها على الضريح في حفل مهيب وبهيج تشارك فيه كل الطوائف الدينية والحرفية والصناعية، وبالتالي فأمانتهم ورصانتهم مشهود بها ومعترف بها بالإجماع، يستعينون على حمل الأغراض على أجسامهم ويحملون أثقالا وازنة جدا، ويحكون هم أنفسهم بفخر، بأنهم لا يستطيعون حمل مثلها إذا خرجوا من المدينة، لأنهم حسب اعتقادهم، يستفيدون داخل حرم المدينة من الإعانة الروحية لمولاي إدريس، ولازال هذا الاعتقاد إلى اليوم سائدا بين هذه الطائفة، فزرزاي في قبيلته لا يستطيع حمل ما يحمله بفاس. وقد عثرت على بعض الأشخاص الذين حكوا بأن زرزاية كانوا يبيتون في الفنادق وبدار الصابون الموجودة بدرب المشروم بحي الحفارين، وبدار توجد درب “المزردب” بحومة عقبة بن صوال، والتي تعرف عندهم بدار الخابية، ففي كل خميس كانوا يضعون في الخابية بعض الدرهمات المعدودة، كشكل من أشكال التضامن الاجتماعي عندهم، ويوزعون مال الخابية على الذي ألمت به مصيبة أو رزأ في عزيز أو مرض أو ما شابه ذلك، وزرزاية لا يتزوجون من فاس، وحتى المتزوجون لا يأتون بأسرهم إلى فاس، بل يتركون أهلهم وأسرهم في القبيلة، لا يشترون المنازل ولا الأصول بفاس، بل يدخرون المال ويذهبون به عملة صعبة إلى القبيلة لشراء الأراضي التي فرط فيها أجدادهم، وأن زرزاي لا يعتبر زرزايا إلا إذا تجاوز 21 سنة من عمره، وهم صارمون في هذا الأمر يمنعون كل من يريد الاشتغال من جنسهم ما دون هذا السن، والأم إذا وضعت ذكرا في قبيلة زرزاية تقول له : “سير أولدي دير ما داروا جدودك اتبع باك، خنشة وطوال وكلس في التريبعة والقفة ما تمسها”،  ولما كان يحتاج إليهم في كل وقت وفي جميع جهات المدينة، فإنهم وزعوا بنظام دقيق لهذا الغرض في عدة مراكز ” تريبعات أو جلسات” بمختلف الأحياء وسط المدينة تقريبا كما هو شأن وسائل النقل العمومية اليوم، ونجد ذكرهم في وثائق أصدقاء فاس المنشورة بتاريخ 1918 وذكرها “روجي لوطورنو”،حيث أحصى 14 مركزا لزرزاية كلها في عدوة القرويين، اثنان في الأحياء الغربية للمدينة، في نصف المنحدر بقنطرة بوروس بالطالعة الكبرى وقاعة السمن، وأخرى بسويقة بن صافي بالطالعة الصغرى، لم يعد لهما وجود الآن، وجميع التريبعات الأخرى منتشرة في الأحياء التجارية بوسط المدينة، أربعة قرب جامع الرصيف في ساحة الجامع والأدراج المحاذية للجامع شرقا، وقنطرة سيدي العواد، ورحبة الزبيب، واثنان بالقرب من جامع القرويين في الشماعين وراس الشراطين “ما تزال إلى يومنا هذا”، واثنان في الحي الصـاغة ورحبة القيس حيث التجـارة بالجملة، وأخيرا أربعـة حول القيصرية “قيصرية الكفاح” اليوم، في النجارين وسوق الحنة وعين علون والجوطية ، بالإضافة إلى بعض زرزاية الذين يتجولون قليلا هنا وهناك مثل “الطاكسيات الحراكة”. واليوم اندثرت هذه التربيعات التي يتجمع فيها زرزاية، ولم أجد غير تريبعات راس الشراطين وسوق العطارين وسيدي العواد وباب العجيسة، وهذه التريبعة مختصة في نقل الخشب، ومن جهة أخرى لا يوجد أي تريبعة في عدوة الأندلس، وأن تريبعات عدوة القرويين لا تتجاوز الحدود الأولية للحاضرة الإدريسية، وربما هذا التوزيع يدل على تنظيم قديم جدا ينتمي إلى العهد الذي بدأ فيه المولى إدريس في بناء عدوة القرويين، ولم تكن فيه “العدوة”  تتعدى المنحدر قبل عتبة أبي الجنود بكثير،  ولباسهم الموحد تماما معروف بفاس، وهو عبارة عن برنس رمادي فوق قميص أبيض ضيق عند الخصر، وعمامة بيضاء أو حبل أسمر من الوبر حول الصدغين، ونعال مربوطة في الرجل بحبال دقيقة، تمر إحداها بين إصبعي الرجل الأولين وجراب بشكل متصالب أدخل في حلقته حبل، وأخيرا كيس على الكتف، وهناك اليوم من حافظ على هذا التقليد في اللباس مع بعض التغيرات التي يتطلبها الوقت فالنعل المشبك لا يزال موجودا والوزرة الرمادية استبدلت بأخرى زرقاء، مع حبل وكيس في الجيب، وقد حاول بعض القادمين من نواحي فاس منافسة زرزاية في إرثهم الذي يفتخرون به وبالدعاء الذي خصهم به المولى إدريس الثاني، في محاولة الاستيلاء على رخصة النقل العابر للمدينة، من خلال استقدام الاحتلال الفرنسي فئة من الأشخاص عديمي الذمة وهم مؤلفون من أصول مختلفة وكان يطلق عليهم ” البورطية”، وربما كان هدف الاحتلال الفرنسي الضغط على زرزاية للوشاية بالوطنين والمتظاهرين، على اعتبار أن زرزاية موزعون بفاس على معظم المناطق الاقتصادية و التجارية والسكنية، غير أن هذه المحاولة باءت بالفشل نظرا لتماسك زرزاية وتوحدهم في صف وأسرة واحد.

لقد عرف زرزاية بالعمل الدؤوب والتفاني والإخلاص، والسهر على ما ائتمنوا عليه، وبالاستقامة والمصداقية، والعدل والتضامن والتآزر، وإليكم حكاية ممتعة أجدها تختزل زرزاية : كان أحد التجار بفاس قد استدعى صديقا شيخا يعرفه لتناول وجبة الغذاء عنده قبل سفره، فاستحضر في وقت الذهاب زرزايا وكلفه بحمل أمتعة ضيفه إلى مكان معين، ودفع له مسبقا أجره بكل ما يلزم من الكتمان، ولما وصل الشيخ إلى مقصده، دفع بدوره الأجر لزرزاي، فاستلم الزرزاي الأجر للمرة الثانية، وبعد مرور أيام استنبط التاجر من خلال حديثه مع صديقه الشيخ جلية الأمر، فاغتاظ لهذا التعامل مع ضيفه، فقصد رئيس زرزاية وطلب منه أن يرفع القضية إلى المحتسب، لكن حكمة رئيس زرزاية كان أكبر من عقاب المحتسب وفضيحة زرزاية، فطلب من التاجر أن يكتم الأمر و أن يأتيه في المساء إلى فندق اسطاونيين بعد صلاة العشاء، وفي الموعد وصل التاجر وهو مشغول البال، فوجد زهاء عشرين زرزايا في استقباله، ودعوه على جلسة شاي، ثم إلى حفل عشاء فيه ما لذ وطاب من المأكولات، فهمس رئيس زرزاية في أذن التاجر المتظلم: “هل أنت راض الآن؟” . فأجاب التاجر : ” طعام شهي واستقبال جيد، لكنك لم تذكر لي بعد مصير الشكاية التي جئت من أجلها؟”. فقال الرئيس : ” كل طعام هذا المساء أدى ثمنه الزرزاي المخطئ، إنني لم أخبر الآخرين بسبب العقوبة التي فرضتها عليه، ولا أحد يعرف بالموضوع، ولكن كن متيقنا من أنه إن عاد إلى فعلته فسوف نضاعف عليه العقوبة ثلاث مرات، أما المحتسب فقد يحكم على زرزاي بإرجاع الدريهات التي كان من حقه ألا يقبلها، ويكون الخزي قد مسنا جميعا مع الضرر الذي قد يلحق بسمعة زرزاي، والعياذ بالله.

يُمثّل “زرزاي” إحدى الظواهر الاجتماعية العريقة في نسيج المدينة التقليدية، حيث اضطلعوا عبر قرون بأدوار مركّبة تجمع بين الحراسة والخدمة والنقل، في صورةٍ تُجسّد روح الالتزام الجماعي والتكافل الحضري. فقد كانوا حُرّاسًا يقظين، ينهضون بمهامهم بكل أمانةٍ وتفانٍ وإتقان، يسهرون على أمن المراكز الحيوية والشوارع التجارية ليلًا، ويحملون أثقالها ومتطلباتها نهارًا، حتى غدوا بمثابة نواةٍ مبكرة لما يُعرف اليوم بمجموعات الأمن الخاص. ولم تقتصر وظائفهم على الحراسة فحسب، بل امتدّت لتشمل مرافقة “النكّافات”، وهنّ مزينات العرائس، في تنقّلاتهن بين فضاءات العمل ومساكنهن، خصوصًا حين يكنّ محمّلات بحليّ ثمينة وأدوات زينة فاخرة. كما كانوا يواكبون طقوس الأعراس، حاملين “الأبياضي”، وهي عصيّ غليظة تُكسى بالأثواب والحُليّ، تُشكّل دُمى احتفالية بلا ملامح، تُرفع تحيةً في المواكب الرسمية، لا سيما عند استقبال الملوك أثناء دخولهم إلى مدينة فاس. وفي هذا السياق الاحتفالي، كانوا أيضًا يتولّون حراسة مداخل دور الأعراس، مستندين إلى معرفتهم الدقيقة بوجوه أهل المدينة، وقدرتهم الفائقة على تمييز الغريب من المألوف، نتيجة احتكاكهم اليومي بمختلف فئات المجتمع في الأسواق والدروب والفضاءات العامة. كما أدّوا دورًا أساسيًا في تأمين تنقّلات التجّار، حيث كانوا يرافقون الميسورين منهم في طريقهم إلى أسفارهم، صباحًا أو مساءً، حتى بلوغ محطات الحافلات أو مواقف العربات، في مهمّة تمزج بين الحماية والخدمة. وقد تميّزوا، في الآن ذاته، بتعدّد تخصصاتهم؛ فمنهم من تخصّص في حمل الأخشاب الضخمة المستخرجة من جذوع الأشجار، (كانوا يتواجدون باب العجيسة لقربها من مصانع النجارة هناك)وهي أعمال شاقة كانت تُنجز قديمًا بالمنشار اليدوي، ثم بالآلات الحديثة. ومنهم من عُرف بحمل كميات كبيرة من الزيت والعسل في أوعية معدنية ثقيلة، أو بنقل حطب الحمّامات، وهي مهام تتطلّب قوة بدنية استثنائية وصبرًا كبيرًا.

وإلى جانب هذه الوظائف المادية، اضطلع “زرزاي” بدور إعلامي واجتماعي بالغ الأهمية، من خلال وظيفة “البراح”، إذ كانوا يجوبون الأزقة والدروب منادين بصوت جهوري للإعلان عن طفلٍ تائه، أو للإخبار بالعثور على متاع مفقود، دون الإفصاح عن تفاصيله الدقيقة، حفاظًا على حقوق أصحابه. كما كانوا حلقة وصلٍ في نقل الرسائل بين الناس، بل وبين المدن أحيانًا، حيث تحوّل اسمهم في هذا السياق إلى “الرقّاص”، أي ساعي البريد، في دلالةٍ على الثقة التي حازوها والمكانة التي شغلوها في منظومة التواصل التقليدي. إن “زرزايا” شكّلوا العمود الفقري للحياة الاقتصادية والاجتماعية في المدينة، إذ أسهموا في تيسير المعاملات اليومية، سواء العامة منها أو الخاصة، كحمل “النفقة” إلى البيوت، أو نقل الرسائل الشفوية بين الأفراد. لقد جسّدوا نموذجًا فريدًا للعامل الحضري المتعدّد الوظائف، الذي يجمع بين القوة الجسدية، واليقظة الأمنية، والوعي الاجتماعي، في منظومةٍ متكاملةٍ تعكس عمق التنظيم التقليدي للمدينة العربية الإسلامية.

لقد عاش “زرزاي” بالمدينة القديمة منذ أمد إلى اليوم، معززين مكرمين ومحترمين، في تجمعات خاصة بهم متآزرون في ما بينهم، في السراء والضراء، مخلصين في عملهم الذي يعتبرونه واجبا مقدسا، وحتى تجار مدينة فاس يتعاملون معم وكأنهم جزء منهم. يؤدون الصلاة في وقتها، أحكمتهم التجارب، جامعين لخصال الخير والعفة، إذا ائتمنوا على الأسرار قاموا بها وحفظوها، وإن قلدوا مهمات من الأمور أجزؤوا فيه، لا يبيعون نصيب يومهم بحرمان غدهم. طبعا اليوم تغيرت كثير من الأمور عند “زرزاي” بفاس، فقد استوطنوا المدينة واشتروا المنازل ومنهم من اشتغل بالتجارة، ومنهم من اشتغل في مهن وحرف مختلفة، حسب متطلبات الوقت والحال، ومنهم من طور مهنة”زرزاي” فأنشأ شركة لنقل البضائع من داخل المدينة إلى ابوابه، ثم طورها لكي ينقل البضائع من فاس إلى الدار البيضاء ومدن أخرى. 

سعيد العفاسي: صحافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى