بين إحياء الذاكرة ومساءلة الراهن: ساحة بوجلود في فاس بين التنشيط التراثي وتحديات جيل الذكاء الاصطناعي

تستعيد ساحة ابي الجنود بمدينة فاس حيويتها الثقافية والفنية ابتداءً من الخميس 26 مارس 2026، في مبادرة تروم إعادة الاعتبار لفضاء عمومي ظل، عبر قرون، معبرًا حيًا لذاكرة المدينة ومسرحًا مفتوحًا لتجلياتها الرمزية والشعبية. وتندرج هذه الخطوة ضمن رؤية استراتيجية أوسع تسعى إلى تعزيز الإشعاع السياحي لفاس، وصون موروثها التراثي اللامادي، في سياق عالمي يتزايد فيه الاهتمام بالمدن التاريخية بوصفها خزانات للهوية وفضاءات للتجربة الثقافية الأصيلة. لقد شكلت ساحة (بوجلود) فضاءً انتقاليًا بامتياز، حيث تتقاطع الحركة التجارية مع النبض الاجتماعي، وتلتقي الذاكرة الشعبية مع ديناميات الحاضر. ومن هنا، فإن إعادة تنشيط هذا الفضاء هي محاولة لإعادة ضخ الحياة في جسد المدينة، واستعادة علاقتها العضوية بفضاءاتها المفتوحة التي طالها الإهمال أو التهميش. يتضمن برنامج التنشيط سلسلة من العروض الفلكلورية والتراثية التي تعكس ثراء الثقافة المغربية وتنوع روافدها، من عروض الحكواتيين الذين يستعيدون تقاليد السرد الشفهي، إلى الفقرات المسرحية التي تستلهم الحياة اليومية، مرورًا بالألعاب البهلوانية وعروض السيرك والموسيقى الشعبية. إنها محاولة لإعادة تشكيل فضاء احتفالي يعيد للإنسان حضوره في المدينة، ويخلق تفاعلًا حيًا بين الفنان والجمهور، في زمن باتت فيه العلاقات الإنسانية مهددة بالافتراضية والتباعد.

في هذا السياق وفي خطوة تثير أكثر من علامة استفهام، دعت الجماعة الحضرية لمدينة فاس إلى “مشاركة كثيفة لسكان المدينة من أجل إضفاء الفرجة والسرور لكل زائر وسائح”. تبدو الدعوة، في ظاهرها، احتفاءً بالمدينة ورغبة في تنشيط حركتها السياحية، لكنها، في عمقها، تكشف مفارقة مؤلمة بين خطاب رسمي يحتفي بالبهجة، وواقع اجتماعي يرزح تحت وطأة ضغوط اقتصادية متزايدة، محليًا ودوليًا. ففي زمن تتعالى فيه شكاوى المواطنين من غلاء المعيشة، وتضيق فيه سبل العيش الكريم، كان المنتظر من المؤسسات المنتخبة أن تنشغل بالبحث عن حلول عملية لتخفيف الأعباء عن كاهل الساكنة، لا أن تدعوها، بشكل غير مباشر، إلى أداء دور “المنشّط” في مسرح مفتوح للسياح. إن تحويل المواطن، الذي يفترض أن يكون محور السياسات العمومية وغايتها، إلى أداة لإنتاج الفرجة، يطرح إشكالًا أخلاقيًا وسياسيًا حول أولويات التدبير المحلي، وحول معنى التنمية حين تنفصل عن الإنسان.

لا أحد يجادل في أهمية السياحة كرافعة اقتصادية، ولا في ضرورة تقديم صورة مشرقة عن المدن التاريخية كفاس، بما تحمله من رصيد حضاري وإنساني عريق. غير أن الرهان على “بهجة مصطنعة” يصنعها مواطن مثقل بالهموم، يظل رهانًا هشًا، قد ينقلب إلى نقيضه، حين يشعر هذا المواطن بأن معاناته تُهمَّش لصالح واجهة احتفالية لا تعكس واقعه الحقيقي.إن الفرح، في جوهره، ليس قرارًا إداريًا، ولا يمكن أن يُفرض ببلاغ أو دعوة رسمية. إنه ثمرة شعور عميق بالكرامة والإنصاف، ونتيجة طبيعية لسياسات تنموية عادلة تُحسن توزيع الفرص وتخفف من وطأة الفوارق الاجتماعية. أما حين يُطلب من المواطن أن “يصنع الفرح” لغيره، بينما هو نفسه يبحث عن أسباب بسيطة للطمأنينة، فإننا نكون أمام مفارقة تكاد تلامس العبث.وهنا تحضر تلك الحكاية الرمزية عن البهلوان الذي قصد طبيبًا نفسيًا يشكو من اكتئاب حاد. وبعد محاولات فاشلة لعلاجه، نصحه الطبيب بأن يذهب كل أسبوع إلى المسرح لمشاهدة عروض بهلوان يدخل البهجة إلى النفوس. ابتسم الرجل بحزن وقال: “لكنني أنا ذلك البهلوان”. هذه القصة، على بساطتها، تختزل مأزقًا إنسانيًا عميقًا، أن يُطلب من صانع الفرجة أن يكون سعيدًا، بينما هو في الداخل ينهار. هكذا يبدو حال كثير من المواطنين اليوم، حين يُطلب منهم أن يكونوا سفراء للبهجة، في وقت يحتاجون فيه، قبل كل شيء، إلى من ينصت إليهم، ويفهم معاناتهم، ويعمل على تحسين شروط عيشهم. فالسياحة الحقيقية لا تقوم فقط على المظاهر الاحتفالية، بل على مدينة متوازنة، يشعر فيها ساكنها بالرضا، فينعكس ذلك تلقائيًا على زائرها.

غير أن هذا المشروع، على وجاهته الثقافية، يطرح أسئلة عميقة تتجاوز حدود البرمجة الفنية إلى صلب التحولات الاجتماعية التي يشهدها العالم، وعلى رأسها التحول الرقمي وهيمنة الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية على أنماط التلقي والتفاعل. فهل يمكن حقًا استعادة اهتمام جيل نشأ في فضاءات رقمية مفتوحة بلا حدود، ليقبل على فضاء تقليدي مثل ساحة بوجلود؟ وهل يكفي استحضار أشكال تراثية كلاسيكية لجذب شباب يعيش في إيقاع سريع تحكمه الصورة الرقمية والخوارزميات؟، إن جيل اليوم، الذي يمكن وصفه بـ”جيل الذكاء الاصطناعي”، لا يرفض التراث في ذاته، ولكنه يرفض أشكال تقديمه حين تكون جامدة أو منفصلة عن تجربته اليومية. فالمشكلة ليست في الحكواتي أو المسرح الشعبي، وإنما في الكيفية التي يُقدَّم بها هذا التراث، هل يُقدَّم بوصفه مادة حية قابلة للتجدد، أم كعرض فولكلوري موجه للاستهلاك السياحي فقط؟، هنا يكمن التحدي الحقيقي. إذا تحول التنشيط الثقافي إلى مجرد فرجة موجهة للسائح، فإنه يفقد جزءًا كبيرًا من معناه، ويُقصي الفاعل المحلي، خاصة الشباب، الذي يصبح متفرجًا على تراثه بدل أن يكون شريكًا في إنتاجه. وفي هذه الحالة، تتحول الساحة إلى مسرح خارجي لعرض هوية مُعلّبة، بدل أن تكون فضاءً حيًا لإنتاج المعنى والتفاعل الاجتماعي.

إن إعادة ترتيب الأولويات تظل ضرورة ملحّة: فإسعاد المواطن ليس ترفًا، بل هو أساس كل إشعاع حقيقي. وعندما يجد المواطن نفسه في قلب الاهتمام، لن يحتاج أحد إلى دعوته لصناعة الفرح، لأنه ببساطة سيكون قادرًا على أن يعيشه، ويشاركه بصدق، لا بتكليف. من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن السياحة تمثل رافعة اقتصادية أساسية لمدينة فاس، وأن إبراز غناها الثقافي يشكل عنصر جذب مهم للزوار. غير أن التوازن بين البعد السياحي والبعد المجتمعي يظل ضروريًا، حتى لا تتحول المدينة إلى “متحف مفتوح” فاقد للحياة اليومية. فالسياح أنفسهم يبحثون عن تجربة حقيقية، عن مدينة يعيش فيها أهلها ثقافتهم، لا عن عروض مصطنعة تُقدَّم لهم في فضاءات معزولة. إن إعادة إحياء ساحة بوجلود يمكن أن تشكل فرصة لإعادة التفكير في مفهوم التنشيط الثقافي ذاته، من خلال إدماج أدوات العصر بدل معاداتها. فبدل النظر إلى الهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي كخصم، يمكن توظيفهما كوسيط لتعزيز التجربة الثقافية، عبر بث العروض رقميًا، أو إشراك الجمهور في تفاعلات مباشرة، أو خلق محتوى رقمي مستلهم من العروض يُعاد تداوله عبر المنصات الاجتماعية. بذلك يصبح التراث قابلًا للانتقال من الفضاء المحلي إلى الفضاء العالمي، دون أن يفقد جذوره. كما يمكن إشراك الشباب أنفسهم في تصميم وتنفيذ هذه الأنشطة، عبر ورشات فنية وتكوينية تتيح لهم إعادة تأويل التراث بلغتهم الخاصة، سواء في المسرح أو الموسيقى أو الفنون البصرية. فالشباب لا يريد فقط أن يشاهد(الحلقة) كما شاهدها أجداده، ولكن يريد أن يُبدع ويُشارك ويُعيد تشكيل المعنى. إن التحدي المطروح اليوم هو في إحياء علاقتنا بها كفضاء رمزي وثقافي. فالساحة فضاء للقاء، للحوار، للفرجة، ولإنتاج المعنى الجماعي. وإذا لم تنجح هذه المبادرة في إعادة هذا المعنى، فإنها ستظل مجرد حدث عابر، مهما كان زخمها التنظيمي، يمكن القول إن استعادة ساحة بوجلود لحيويتها تمثل خطوة إيجابية في اتجاه إعادة الاعتبار للفضاءات العمومية في فاس، غير أن نجاحها الحقيقي سيقاس بمدى قدرتها على تجاوز منطق العرض السياحي إلى منطق المشاركة المجتمعية، وعلى بناء جسر حي بين التراث والحداثة، بين الذاكرة والابتكار، وبين الأجيال المختلفة. ففاس، بما تحمله من تاريخ عريق، يمكنها أن تكون أيضًا مدينة المستقبل، إذا ما أُحسن استثمار تراثها في ضوء تحولات العصر.

سعيد العفاسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى