للا يدونة: الولاية النسائية وبركة اليد في الذاكرة الشعبية لمدينة فاس


تُعدّ فاس مدينةً للعلماء والصلحاء بامتياز، ومهوى أفئدة الباحثين عن البركة والذكرى الروحية في آنٍ معًا. فمن أزقتها العتيقة، ومن أحيائها التي تشهد على تعاقب القرون، تتكوّن طبقاتٌ من السرد التاريخي تتداخل فيها الذاكرة الشعبية مع المدونات التراجمية، وتتعانق فيها الوقائع مع الإشارات الرمزية. وفي هذا السياق تبرز شخصية “للا يدونة”، بوصفها واحدة من صالحات فاس اللواتي حظين بحضورٍ في المخيال الجمعي، وفي الإشارة الشعرية التي وثّقها بعض أعلام المدينة. تنتمي للا يدونة إلى أهل عدوتي الأندلس والقرويين بفاس، حيث تتجاور الحِرَف والأسواق والزوايا، وتتشكل شبكات التديّن الشعبي المرتبطة بالأولياء والصالحين. وقد أشار إليها الشيخ المدرع في منظومته الموسومة بـ”في مشاهير صلحاء فاس”، وهي منظومة تندرج ضمن تقليدٍ مغربي عريق في توثيق مناقب الأولياء والعلماء شعرًا، بما يضمن حفظ أسمائهم في الذاكرة المتداولة، ويمنحهم نوعًا من الخلود الرمزي. يذكر المدرع للا يدونة مقرونةً برجلين آخرين هما سيدي السمار وسيدي علي الكسكس، ويشير إلى أنهم دُفنوا بالقرب من سيدي محمد ابن عباد، في سياقٍ يُبرز شبكة القرب المكاني والروحي بين هؤلاء الأعلام.
يقول في أبياته:
يَدَّونــة بـدت مــع السـمـار بالقـرب للإمام ذي الفخـار
و العـالم الـعلامة المـدقـق الواصل المـــقرب المحقـــق
وتوجد بحي بين المدن سقاية يتبرك الناس بمائها تعرف بسقاية للا يدونة، وكان يشيع بين النساء اللواتي يزاولن صنعة من الصنائع ويشعرن بنوع من الخمول في ممارسة الصنعة يشربن من ماء السقاية و يرددن “آ للا يدونة اصلح لي يدي راني فالصنعة مغبونة”
تكشف هذه الأبيات عن بنيةٍ رمزية تقوم على فكرة الجوار، جوار الصالحين بعضهم لبعض، وجوارهم للعلماء الكبار، بما يُضفي على المكان هالةً من القداسة المتراكبة. فذكر الإمام ذي الفخار، وإيراد اسم العلامة الونشريسي بوصفه “حبرًا كبيرًا” و”حصن الشريعة”، لا يُراد به التعريف التاريخي فحسب، بقدر ما تهدف إلى ترسيخ صورة المجال الذي احتضن هؤلاء، بوصفه مجالا يحفظ الدين علما وعملا. وفي هذا السياق تتخذ للا يدونة موقعها ضمن جماعة من الأولياء باعتبارها جزءًا من نسيجٍ روحي متكامل. غير أن حضور للا يدونة لا يقتصر على النص الشعري أو الإشارة التراجمية، بل يتجلى كذلك في الممارسة الشعبية المرتبطة بسقاية تُنسب إليها في حي “بين المدن”. فالسقاية، في الثقافة الحضرية المغربية هي علامةٌ على العطاء والبركة واستمرار النفع. وقد عُرفت هذه السقاية باسم “سقاية للا يدونة”، وتوارث الناس الاعتقاد ببركة مائها، حتى غدت مقصدًا لمن يرجون الفرج في شؤونهم اليومية. ومن اللافت أن الاعتقاد ببركة هذه السقاية ارتبط على نحوٍ خاص بالنساء اللواتي يزاولن صنعة من الصنائع، فإذا شعرت إحداهن بخمولٍ في يدها، أو بنوعٍ من العجز عن إتقان عملها، قصدت السقاية، وشربت من مائها، ورددت بلهجتها الدارجة: “آ للا يدونة أصلح لي يدي راني فالصنعة مغبونة”. في هذه العبارة البسيطة تتكثف دلالاتٌ عميقة؛ فهي دعاءٌ يستحضر الوليّة باعتبارها شفيعةً في شأنٍ مهني دقيق، ويعكس في الوقت ذاته وعيًا بقيمة اليد باعتبارها أداة الرزق والإتقان. إن هذا الارتباط بين البركة واليد يحمل بعدا رمزيا واضحا. فاليد في الثقافة الإسلامية والمغربية رمز للعمل والكسب والمهارة. وعندما تُنسب البركة إلى “إصلاح اليد”، فإن الأمر يتجاوز المعنى الحرفي إلى معنى إعادة الانسجام بين الجسد والعمل، وبين الحرفة والرزق. وهكذا تتحول للا يدونة في المخيال الشعبي إلى وسيطةٍ بين الجهد البشري والعون الإلهي، بما يرسّخ تصورًا للعالم يقوم على التداخل بين المادي والروحي.
كما تكشف هذه الممارسة عن حضور المرأة في فضاء التدين الشعبي فاعلة في إنتاج المعنى وتداوله. فالنساء الحرفيات اللواتي يقصدن السقاية يمارسن نوعًا من الطقس البسيط، الذي يجمع بين الفعل المادي (شرب الماء) والقول الدعائي، في بنيةٍ تذكّر بطقوس الاستسقاء الرمزية أو بطلب الشفاء، ولكن في سياق مهني يومي. وهنا تتجلى قدرة الثقافة الشعبية على إعادة تأويل الرموز الدينية بما يخدم حاجات الحياة العملية. إن استحضار للا يدونة اليوم هو استدعاءٌ لذاكرة مدينةٍ كاملة، حيث تتجاور المقامات والسقايات، وتتداخل الحكايات مع الأنساب الروحية. ومن خلال هذه الشخصية يمكن قراءة جانبٍ من تاريخ فاس الاجتماعي، حيث يتشابك العلم بالولاية، والمكان بالذاكرة، والحرفة بالبركة. وهكذا تبقى للا يدونة علامةً على حضور المرأة الصالحة في الفضاء الحضري الفاسي، وعلى قدرة المخيال الجمعي على حفظ الأسماء عبر الشعر والمكان والممارسة اليومية. فهي ليست مجرد اسمٍ في منظومة، ولا مجرد سقايةٍ في حيٍّ عتيق، ولكنها تحولت إلى رمز لعلاقةٍ حميمة بين الإنسان وعمله، وبين المدينة وأوليائها، علاقةٍ تتجدد في كل مرةٍ تُرفع فيها الأكف بالدعاء، أو تُستعاد فيها الحكاية في مجالس الذكر والذاكرة.
تفي عام 2011، أُطلقت مسابقة دولية لإعادة تأهيل هذا النسيج المركزي (للايدونة)، استقطبت أكثر من 800 مشاركة من مختلف أنحاء العالم. وقد حاز المشروع الفائز—الذي أنجزه مكتب Mossessian Architecture بشراكة مع ياسر خليل—استحسانًا واسعًا من قبل المجتمع المحلي، لما حمله من رؤيةٍ تراعي خصوصية المكان وتستجيب لحاجاته. سعى المشروع إلى إعادة ربط ساحة للا يدونة بضفة النهر عبر مسارٍ مخصص للمشاة، ينساب داخل النسيج العمراني الكثيف للمدينة العتيقة، ويعمل على نسج علاقاتٍ جديدة بين مكوّناته. وقد تضمّن هذا التصور إدماج فضاءاتٍ متعددة الوظائف، تشمل ورشاتٍ للحِرَف التقليدية، ومحلاتٍ تجارية، ومرافق للضيافة، إلى جانب برامج تعليمية، وروضةٍ للأطفال، ومركزٍ مخصصٍ للنساء، بما يعزّز البعد الاجتماعي والثقافي للمجال. جمع المشروع بين منطق الترميم وروح الابتكار؛ إذ تم تأهيل جسرٍ تاريخي وأحد عشر مبنى قائمًا، مع تشييد تسعة مبانٍ جديدة تنسجم مع السياق العام. وكان من أبرز عناصر التصميم إعادة وصل ضفتي النهر عبر جسورٍ جديدة للمشاة، مع تحسين إمكانات الوصول البصري والمادي إلى مجراه، الذي كان في السابق محجوبًا ومُستعملًا كمطرحٍ للنفايات. كما أُعيدت تهيئة قاع النهر بما يسمح بالتحكم في فيضانات موسم الأمطار، الأمر الذي أسهم في تعزيز السلامة العامة وتحسين الأداء البيئي للموقع. وقد حرصت المقاربة المعمارية على احترام المرجعيات التاريخية، مع توظيف تقنياتٍ معاصرة واستراتيجياتٍ مستدامة. فاعتمد التصميم على مبادئ التحكم المناخي السلبي، من خلال التظليل الطبيعي، وتوجيه تيارات الهواء، والاستفادة من الكتلة الحرارية، بما يضمن راحةً حرارية على مدار السنة مع تقليل استهلاك الطاقة. كما ساهم توزيع الكتل البنائية وتنظيم الأفنية الداخلية في تعزيز التهوية المتقاطعة، وخلق مناخاتٍ محلية مريحة داخل مختلف أجزاء الموقع.
وقد صُمّم المشروع بوصفه فضاءً يجمع بين البعد المدني والحميمي في آنٍ واحد، حيث جرى تصوّره كـ«غرفة حضرية» متكاملة تتقاطع فيها أنماط العيش اليومي مع الحِرَف التقليدية وحركة الزوّار. وأسهم تكرار الأشكال الهندسية المحلية في إرساء نوعٍ من الاستمرارية البصرية، بينما أضفت التنويعات الدقيقة عليها ثراءً وتعدّدًا في التجربة المكانية. والنتيجة فضاءٌ واضح المعالم، مرحّب، يجمع بين التجذّر في الذاكرة والتجدّد في الرؤية. وقد شكّلت الاستدامة والانخراط المجتمعي ركيزتين أساسيتين في مختلف مراحل المشروع؛ إذ تم الاعتماد على مواد محلية وتقنيات بناء تقليدية، مما أسهم في تقليص الأثر البيئي وتعزيز استمرارية الهوية الثقافية. كما لم يقتصر حضور الحرفيين المحليين على مرحلة التنفيذ فحسب، بل امتد ليشمل ضمان أصالة الموقع وترسيخ إحساس الجماعة بملكيته على المدى الطويل. أما صيانة المباني القائمة، فقد أُنجزت وفق مقاربةٍ دقيقة تراعي حساسية التراث، حيث ارتكزت عمليات الإصلاح على مبادئ أساسية، من بينها الحدّ الأدنى من التدخل، واعتماد أساليب قابلة للعكس، والاستعمال الحصري للمواد التقليدية، بما يحفظ أصالة المعمار ويصون قيمته التاريخية.
وبذلك يُجسّد مشروع ساحة للا يدونة في فاس نموذجًا متقدّمًا في تجديد المجال الحضري انطلاقًا من التراث، حيث تتكامل فيه المحافظة على الذاكرة، والانخراط المحلي، والأداء البيئي، والتصميم المعاصر. وقد أسهم هذا التداخل في إحياء جزءٍ حيوي من المدينة العتيقة، وتعزيز وظيفته كمجالٍ للعيش والتلاقي، بما يضمن استمرارية الثقافة في سياقٍ ذي قيمة عالمية.
سعيد العفاسي

