إغلاق وتشميع مقر جمعية عائلات المفقودين بالجزائر خلال العشرية السوداء


أعربت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان عن استنكارها لما اعتبرته نهجًا تضييقيًا متصاعدًا تمارسه السلطات الجزائرية تجاه عائلات المختفين قسرًا والمدافعين عن حقوق الإنسان، وذلك عقب قرار إغلاق وتشميع مقر جمعية تُعنى بتمثيل أسر المفقودين. واعتبرت المنظمة أن هذه الخطوة تعكس منحى جديدًا في تقليص هامش العمل الحقوقي داخل الجزائر. وبيّنت المنظمة، التي تتابع تطورات هذا الملف بقدر كبير من القلق، أن إغلاق مقر الجمعية لا يمكن فهمه بمعزل عن الوضع العام الذي تعيشه عائلات المختفين، إذ لا تزال هذه الفئة محرومة من حقها الأساسي في معرفة مصير أقاربها، في ظل استمرار التعاطي مع الملف بمنطق الإغلاق، بل وتعزيزه بإجراءات إضافية تزيد من معاناة الأسر وتضعف قدرتها على التنظيم والدفاع عن مطالبها المشروعة.
ورأت المنظمة أن القرار يتجاوز طبيعته الإدارية ليأخذ طابعًا استهدافيًا واضحًا لإطار مدني ينشط في تأطير النضال السلمي لعائلات الضحايا، خاصة مع تزامنه مع منع رئيسة الجمعية، الناشطة نصيرة ديتور، من دخول الجزائر، وهو ما اعتبرته محاولة للحد من الأصوات المطالبة بالحقيقة والعدالة. وفي تقييمها القانوني، اعتبرت المنظمة أن هذه الإجراءات تمثل إخلالًا بالتزامات الجزائر الدولية، لا سيما تلك المرتبطة بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، خصوصًا ما يتعلق بضمان حرية التعبير والتجمع وتأسيس الجمعيات. كما أشارت إلى تعارض هذه الممارسات مع إعلان الأمم المتحدة الخاص بحماية المدافعين عن حقوق الإنسان لسنة 1998، فضلًا عن مخالفتها للمبادئ الدولية ذات الصلة بحماية ضحايا الاختفاء القسري، سواء الواردة في إعلان 1992 أو اتفاقية 2006. وأكدت المنظمة أن استهداف جمعية تمثل أسر المختفين والتضييق على أنشطتها يندرج ضمن سياق أوسع من الانتهاكات المتكررة، التي تعرقل مساعي الكشف عن الحقيقة وتضعف فرص تحقيق مصالحة حقيقية، في ظل غياب إرادة سياسية لفتح هذا الملف بشفافية وشمولية.
وعلى صعيد المواقف، أعلنت المنظمة تضامنها الكامل مع الجمعية ومع عائلات المختفين قسرًا، داعية السلطات الجزائرية إلى رفع القيود المفروضة على هذا الإطار الحقوقي، وتمكين رئيسة الجمعية من العودة إلى بلدها دون شروط، باعتبارها مواطنة جزائرية. كما دعت الهيئات الأممية المعنية، وعلى رأسها فريق العمل المعني بحالات الاختفاء القسري، إلى التدخل العاجل والتواصل مع السلطات الجزائرية من أجل ضمان حماية حقوق الجمعية وأسر الضحايا، والعمل على إدراج هذه التطورات ضمن تقاريرها الدورية. وجددت المنظمة تأكيدها على أن الكشف عن مصير المختفين قسرًا يمثل مدخلًا أساسيًا لتحقيق العدالة، وضمان حق العائلات في الحقيقة والإنصاف وجبر الضرر، محذرة من أن أي مقاربة تتجاوز هذه المبادئ لن تؤدي إلا إلى تكريس الإفلات من المحاسبة وتعميق الجراح المفتوحة.
ويعود أصل هذا الملف إلى فترة “العشرية السوداء” في تسعينيات القرن الماضي، حين شهدت الجزائر آلاف حالات الاختفاء في سياق العنف الداخلي، ولا تزال عائلات الضحايا، إلى اليوم، متمسكة بمطلب كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات. ورغم اعتماد ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، الذي اعتُبر بموجبه الملف مغلقًا من الناحية القانونية، فإن العديد من المنظمات الحقوقية ترى أن الحق في معرفة مصير المختفين لا يسقط بمرور الزمن، وأن القضية ما تزال قائمة وفقًا لمعايير القانون الدولي لحقوق الإنسان. وفي هذا السياق، يكتسب قرار إغلاق مقر الجمعية دلالات تتجاوز الإجراء الإداري، بالنظر إلى دورها المستمر منذ سنوات طويلة في تأطير أسر الضحايا والدفاع عن مطالبها، ما يضفي على الخطوة أبعادًا سياسية وحقوقية مرتبطة بإعادة تشكيل المجال المدني المرتبط بهذا الملف.ويُذكر أن هذا القرار جاء بعد منع رئيسة الجمعية من دخول الجزائر، وهي من أبرز الوجوه المدافعة دوليًا عن قضية المختفين، خاصة منذ تحولها إلى رمز لهذا الملف إثر اختفاء ابنها خلال التسعينيات. ويرى متابعون أن تزامن هذين الإجراءين يعكس تشديدًا واضحًا في التعامل مع هذا الإطار الحقوقي.
كما تشير تقارير متقاطعة إلى أن الجمعية كانت تواجه، خلال الفترة الأخيرة، صعوبات متزايدة في تنظيم أنشطتها والتواصل مع عائلات الضحايا، في ظل تضييق مستمر على الفضاء المدني، خصوصًا في القضايا المرتبطة بذاكرة العنف والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.