تأهيل قصبة المهدية: معلمة تاريخية في مهب الانتظار بين الوعود التنموية وتحديات الواقع المعماري

القنيطرة – سعيد امروي

تواصل قصبة المهدية، المعروفة تاريخيا بقصبة مولاي إسماعيل، مقاومتها لعوامل الزمن فوق ربوة مطلة على مصب وادي سبو والمحيط الأطلسي، حاملة بين أسوارها ذاكرة تاريخية وحضارية تختزل قرونا من تاريخ منطقة الغرب والمغرب عموما. هذه المعلمة الأثرية الممتدة على مساحة تناهز 40 هكتارا تعيش اليوم وضعا متناقضا؛ فمن جهة ما تزال تحتفظ بمؤهلات معمارية وسياحية قادرة على تحويلها إلى قطب اقتصادي وثقافي مهم، ومن جهة أخرى تتسارع مظاهر التدهور والإهمال التي تهدد أجزاء واسعة منها بالاندثار. وبين مشاريع ترميم متفرقة وزيارات رسمية متجددة، يبقى مستقبل القصبة معلقا بين احتمال استعادة مجدها التاريخي أو استمرارها في دائرة مغلقة تُصرف فيها ميزانيات متتالية دون أن تنجح في إعادة الحياة الحقيقية إلى هذا الإرث الحضاري.

في سنة 2013، كانت جريدة “الصحراء المغربية” قد سلطت الضوء في مقال لها، على الوضعية المقلقة التي تعيشها القصبة، مشيرة إلى أنها “تمتد على مساحة 40 هكتارا وتندثر خصائصها الأثرية بفعل الإهمال والعبث”، مع تسجيل انتشار الأشجار الكثيفة والنباتات الطفيلية التي تخفي أجزاء مهمة من المعالم التاريخية وتطمر بقايا أثرية عديدة. كما أوضح المقال أن القصبة ما تزال تحتفظ بسورها الدفاعي وأبوابها الرئيسية وبعض أبراجها ودار المخزن ودار القايد، رغم تدهور أجزاء واسعة منها بفعل الزمن والإهمال.

وخلال زيارة ميدانية حديثة للقصبة، بدت آثار التآكل واضحة على أسوارها الجانبية التي نخرتها الأمطار والرطوبة والحرارة، إضافة إلى التخريب الناتج عن سلوكات بعض المرتادين الذين حولوا أجزاء من الموقع إلى فضاءات مهملة تنتشر بها النفايات وقنينات المشروبات الكحولية، في مشهد يسيء إلى قيمة هذا المعلم التاريخي ويعكس غياب حماية فعلية ومستدامة له، بالإضافة إلى خندق يحيط بها في الجانب الغربي للسور ممتلئ بالنفايات وتنبعث منه روائح كريهة.

ورغم هذا الوضع، فإن قصبة المهدية ما تزال تمتلك مقومات استثنائية تجعلها قادرة على لعب دور اقتصادي وثقافي مهم في المنطقة. فموقعها الاستراتيجي يمنحها إطلالة مباشرة على مصب وادي سبو، حيث تمر السفن المتجهة نحو ميناء القنيطرة، كما تطل على بداية شاطئ المهدية والمحيط الأطلسي، إضافة إلى مشاهد طبيعية خلابة تشمل بحيرة سيدي بوغابة والمجالات الساحلية المحيطة بها.

ويرى مهتمون بالشأن التراثي أن إعادة تأهيل القصبة بشكل متكامل يمكن أن يحولها إلى قطب سياحي حقيقي يستقطب الزوار المغاربة والأجانب، ويخلق مداخيل مهمة لفائدة الجماعة الترابية والمدينة، خاصة إذا جرى استثمار فضاءاتها التاريخية في الأنشطة الثقافية والمتاحف والمعارض والعروض الفنية.

وفي هذا السياق، تكتسي الزيارة الأخيرة التي قام بها السيد عامل إقليم القنيطرة أهمية خاصة، بعدما هدفت إلى استكشاف وضعية القصبة والاطلاع على حاجياتها في أفق إدراجها ضمن مشاريع تنموية مرتبطة بالتنمية المستدامة وتثمين التراث المادي للمنطقة. ويأمل متابعون أن تتحول هذه الزيارة إلى نقطة انطلاق فعلية لمشروع متكامل يعيد الاعتبار للقصبة ومحيطها، بدل الاكتفاء بتدخلات محدودة لم تستطع، إلى حدود اليوم، وقف التدهور المتواصل.

وكانت جريدة “هسبريس” قد أشارت سنة 2019 إلى انطلاق الشطر الأول من برنامج صون وتأهيل قصبة المهدية، موضحة أن وزارة الثقافة أعلنت عن تدابير تروم ترميم المعلمة وفق معايير تحافظ على خصوصياتها التاريخية، مع برمجة مسار سياحي داخل القصبة وتهيئة منصة لاحتضان الأنشطة الثقافية والفنية، بهدف تحويلها إلى نقطة جذب ثقافية بالقنيطرة.

غير أن ما يثير التساؤل اليوم هو أن بعض التدخلات المنجزة بمحيط القصبة تعكس، في نظر عدد من المتابعين، رؤية استثمارية قصيرة المدى لا توازي القيمة التاريخية للموقع. فقد جرى في سفح الربوة تخصيص فضاءات واسعة كمرائب لركن سيارات الزوار القادمين إلى مرسى المهدية من أجل شراء أو تناول ما تجود به الثروات السمكية للمنطقة، وهي خطوة مهمة لتنظيم الحركة بالمكان، غير أن المفارقة تكمن في استمرار تدهور القصبة نفسها بالتوازي مع هذه التوسيعات.

ويرى مهتمون أن العناية بالبنية المرتبطة بالأنشطة التجارية والسياحية المحيطة يجب أن تسير في موازاة إصلاح المعلمة التاريخية وتأهيلها بشكل شامل، لأن تطوير محيط القصبة دون إنقاذ جوهرها الأثري يجعل الرؤية التنموية ناقصة، ويحول الموقع إلى فضاء خدماتي يفتقد لروحه التاريخية والحضارية.

كما أن الممرات الجانبية المؤدية إلى القصبة ما تزال بدورها في وضعية مقلقة، إذ تبدأ بعض الأدراج الإسمنتية لمسافة قصيرة قبل أن تنتهي بشكل مفاجئ، ليواصل المواطنون السير فوق أرضية ترابية محفورة وفي غياب شبه تام للإنارة العمومية، ما يشكل خطرا حقيقيا على مستعملي هذه المسالك بعد غروب الشمس. نفس الشيء نجده يتكرر في طريق معبدة في الجانب الغربي للقصبة التي تم تخصيص ميزانية مهمة لانشائها ثم لحقها الاهمال وهي الان ممتلئة بالحفر، وحبذا لو تم اعادة احيائها لتساهم في سلاسة المرور واعادة لها الانارة العمومية التي تغيب عنها بشكل كلي.

وكان الباحثان في علم الآثار رشيد أغربي وعبد الرحيم محب قد أكدا، في تصريحات سابقة لجريدة “الصحراء المغربية”، أن دار المخزن داخل القصبة خضعت خلال موسم 2010 ـ 2011 لمشروع ترميم بدعم من جمعية خريجي المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث وسفارة الولايات المتحدة الأمريكية بالرباط، إضافة إلى مساهمة وزارة الثقافة المغربية، حيث شملت الأشغال تقوية البناية وترميم الأرضيات والأسقف وإعادة تجهيز أجزاء من المعلمة وفق نموذجها الأصلي.

ورغم أهمية هذه المبادرات، فإن واقع القصبة اليوم يؤكد أن عمليات الترميم السابقة ظلت محدودة الأثر مقارنة بحجم التدهور الذي تعرفه المعلمة ومحيطها، الأمر الذي يفرض، بحسب مهتمين، إطلاق مشروع شامل يخضع لرؤية واضحة، مع توفير ميزانية كافية وآليات صارمة لمراقبة تنفيذ الأشغال على أرض الواقع.

ويبقى الرهان الأساسي اليوم هو الانتقال من مرحلة الوعود والتشخيص إلى مرحلة إعادة الحياة الحقيقية لهذا الكنز التاريخي، حتى تتحول قصبة المهدية إلى فضاء نابض بالحركة الثقافية والسياحية طيلة أيام الأسبوع، بدل أن تستمر كمعلمة تتآكل تدريجيا رغم ما يُصرف عليها من ميزانيات متفرقة لا تنجح في إنقاذها بشكل جذري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى