تحولات النظام المالي المغربي في القرن 19وبدايات القرن 20 بين التغلغل الأوروبي وميلاد بنك المغرب

حين انخرط المغرب خلال القرن التاسع عشر في شبكة المبادلات التجارية الدولية، وجد نفسه في مواجهة فجوة عميقة بين بنيته الاقتصادية التقليدية والأنماط الرأسمالية الحديثة التي كانت تهيمن على أوروبا، وهو ما أحدث صدمة قوية داخل نظامه المالي، وجعل الحاجة إلى تحديثه مسألة ملحّة حتى يتمكن من مواكبة التحولات التي فرضها المحيط الدولي. فقد أدى الاحتكاك بين هذين النموذجين المختلفين إلى بروز فئة وسيطة لعبت دوراً محورياً في الربط بين الاقتصادين، وتكوّنت أساساً من يهود مغاربة إلى جانب بعض العائلات التجارية العريقة، وهي فئة استطاعت أن تستفيد من دينامية التبادل التجاري مع الغرب، كما حظيت بحمايات قنصلية أوروبية وفّرت لها امتيازات قانونية واقتصادية، الأمر الذي مكّنها من توسيع نشاطها وتراكم ثرواتها، ودفعها إلى البحث عن آفاق أرحب للاستثمار. وفي السياق ذاته، بدأت تتوافد على المغرب شخصيات من رجال الأعمال والرأسماليين الأوروبيين الذين رأوا في البلاد مجالاً خصباً للاستثمار، بفضل ما كانت تزخر به من إمكانيات غير مستغلة، وسعوا إلى إنشاء مشاريع صناعية وتجارية غير مسبوقة، غير أن هذه الطموحات اصطدمت بواقع بنيوي متخلف، إذ لم يكن المغرب يتوفر على مؤسسات مالية قادرة على استيعاب تلك الرساميل أو تأطيرها، رغم وجود بعض الأبناك المحدودة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، والتي تركز نشاطها أساساً بمدينة طنجة، وكانت في الغالب مجرد فروع أو امتدادات لبنوك أوروبية مثل “ترانز أطلانتيك” و“الأفريكان بنك كوربوريشن”، أو مؤسسات تجارية مرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً.
ومن بين هذه المؤسسات برزت مؤسسات يهودية لعبت دور الوسيط المالي، من قبيل مؤسسة “موشي باربانطي” التي تأسست سنة 1844، وكانت ترتبط أساساً بالبنك الأنجلو-مصري في لندن وجبل طارق، ومؤسسة “موشي إسحاق ناهون” التي أنشئت سنة 1860، وكانت تمثل البنك الإسباني و“الكريدي ليوني”، كما شهدت طنجة سنة 1879 استقرار مؤسسة ألمانية “هانسير جاواكيم وأولاده”، التي تحولت سنة 1897 إلى وكيل عام لـ“الدويتش بنك”، وتخصصت في العمليات المالية، إلى جانب مؤسسات فرنسية مثل “بنجمان برونشفيك وابنه جورج” و“شارل غوتش”، التي ارتبطت بدورها ببنك “ألارد” بباريس. وفي هذا المناخ، أعلن الوزير المفوض الفرنسي بالمغرب سنة 1902، “سان روني طايندي”، أن كل من يمتلك رأس مال ويمنح قروضاً يمكن اعتباره بنكياً، وله الحق في المضاربة في أسعار الصرف، وهي ممارسات كانت رائجة في تلك الفترة بين العملة المغربية ونظيرتها الإسبانية، كما شملت المضاربات الأوراق التجارية المرتبطة بالبنوك الأوروبية، والتي كانت تُتداول في الموانئ الأطلسية. وقد اقترنت هذه الأنشطة بانتشار واسع للمعاملات الربوية، رغم تحريمها شرعاً، حيث احتكر اليهود، خاصة أولئك الذين كانوا يتمتعون بالحماية الأوروبية، هذا النشاط، فكانوا يقرضون المغاربة بفوائد مرتفعة قد تصل إلى 100 في المائة، مستفيدين من الحصانة التي توفرها لهم المحاكم القنصلية، والتي كانت تسمح لهم بجرّ المدينين المغاربة إلى المحاكم الأجنبية، بل والزجّ بهم في السجون لفترات طويلة، ما أدى في بعض الحالات إلى وفاتهم تحت وطأة القهر. وأمام هذه الفوضى المالية والمضاربات غير المنظمة، برزت الحاجة إلى إنشاء مؤسسة بنكية حديثة تضبط عمليات الإقراض وتحد من الاستغلال، وتوفر للتجار قنوات تمويل منظمة. كما أن هذه المؤسسات التجارية، التي عُرفت بـ“الدور”، كانت ترتبط بعلاقات وثيقة مع المخزن، خاصة من خلال تزويد الدولة والسلطان بالبضائع، وهو ما كان واضحاً خلال حكم المولى عبد العزيز، الذي اعتمد عليها بشكل كبير، مما عزز فكرة إنشاء بنك يتولى تدبير الشؤون المالية للمخزن، ويوفر القروض، ويشرف على سك النقود، ويحمي خزينة الدولة، في ظل أزمة مالية خانقة كانت تعصف بالبلاد.
وقد تعددت أسباب هذا الانهيار المالي، ومن أبرزها تراجع قيمة الفضة منذ سنة 1880، وهو ما أثّر بشكل مباشر على النظام النقدي المغربي القائم على المعدن الفضي، في وقت كانت فيه الدول الأوروبية تعتمد المعيار الذهبي، كما ساهم المضاربون في تجميع العملات الجيدة وتهريبها إلى الخارج، مما أدى إلى ندرتها في السوق المحلية، خاصة العملات الإسبانية التي كانت متداولة بشكل واسع. وكانت خزينة الدولة تعتمد على موارد تقليدية مثل الزكاة والعشور والرسوم الجمركية والهدايا السلطانية، إضافة إلى احتكار بعض المواد كالتبغ والكيف، وفرض رسوم على الأسواق والأبواب، إلا أن هذه الموارد كانت محدودة وضعيفة المردودية بسبب اختلال نظام الجباية وانتشار الفساد وضعف الوعاء الضريبي.ومع تزايد التدخل الأوروبي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بدأ التوازن المالي للمغرب يختل بشكل واضح، إذ لم تواكب مداخيل الجمارك نمو المبادلات التجارية بسبب الضغوط التي مارسها التجار الأجانب المدعومون من قنصلياتهم لإعفائهم من الضرائب، إلى جانب تفشي الفساد داخل الإدارة، كما ساهم نظام الحمايات القنصلية في تقليص القاعدة الضريبية، إذ أصبح عدد كبير من الأفراد معفيين من أداء الضرائب، وهو ما زاد من حدة الأزمة المالية، خاصة في ظل ارتفاع النفقات المرتبطة بالإصلاحات العسكرية والإدارية، فضلاً عن الاضطرابات السياسية التي أعقبت وفاة السلطان الحسن الأول، وتمرد القبائل، والأزمات الاقتصادية الناتجة عن سنوات الجفاف وسوء المحاصيل بين 1895 و1898.
وقد تفاقمت هذه الأزمة نتيجة لارتفاع النفقات الخارجية، سواء بسبب شراء السلع من الخارج، أو دفع التعويضات المفروضة على المغرب في إطار النزاعات الدولية، كما حدث مع إسبانيا سنة 1893، إضافة إلى العجز التجاري الذي أدى إلى تدهور قيمة العملة المغربية مقارنة بالعملات الأجنبية. ورغم المحاولات الإصلاحية التي قام بها الحسن الأول في أواخر القرن التاسع عشر، فإنها لم تحقق النتائج المرجوة، إذ استمرت العملة في فقدان قيمتها، مما زاد من تعقيد الوضع المالي. وفي ظل هذا السياق، بدأ بعض الأوروبيين يرون أن إصلاح النظام المالي المغربي لا يمكن أن يتحقق من خلال سك النقود فقط، بل يتطلب إنشاء مؤسسة مالية قوية قادرة على تنظيم السوق النقدية، وهو ما أدى إلى بروز فكرة “بنك الدولة”، الذي يُفترض أن يتولى شراء العملة المحلية وإعادة ضخها في السوق وفقاً لحاجيات الاقتصاد، وهو ما جعل هذا المشروع يحظى باهتمام رجال الأعمال الأوروبيين، الذين سعوا إلى تأمين تمويل مشاريعهم، بدعم من حكوماتهم، في إطار تنافس دولي محتدم حول السيطرة على المغرب، خاصة بعد مؤتمر مدريد سنة 1880 الذي كرس نوعاً من التوازن بين القوى الأوروبية، ومنع احتكار أي دولة للنفوذ في البلاد. وقد شهدت الفترة ما بين 1883 و1887 عدة محاولات بريطانية لإنشاء بنك مخزني، لكنها لم تكلل بالنجاح، كما تم تأسيس “بنك طنجة” برأسمال بريطاني، غير أنه ظل محدود النشاط، ثم ظهرت مشاريع أخرى مثل “بنك ترانزاطلانتيك”، الذي حاول الدخول في شراكات لتمويل خزينة الدولة، دون أن تكتمل هذه المبادرات. كما تقدم رجال أعمال ألمان وفرنسيون بمشاريع مماثلة، لكنها اصطدمت إما برفض السلطان أو بمعارضة القوى المنافسة، خاصة فرنسا التي كانت تسعى إلى احتكار هذا المجال.
وقد تميزت السياسة الفرنسية بالحذر، إذ كانت تخشى من أن يؤدي إنشاء بنك دولي بالمغرب إلى فتح الباب أمام تدخل قوى أخرى، لذلك فضلت التحكم في المبادرات البنكية عبر مؤسسات فرنسية، مثل “الكونطوار الوطني للخصم”، الذي توسع نشاطه في المغرب، قبل أن يتعرض لتقييدات من الإدارة المركزية في باريس، مما أدى إلى تقليص دوره. وفي المقابل، سعى “بنك باريس والأراضي المنخفضة” إلى دخول السوق المغربية، مستفيداً من التجارب السابقة، لكنه واجه بدوره عراقيل سياسية حالت دون تحقيق أهدافه. ومع بداية القرن العشرين، بدأت الظروف تتغير لصالح الأبناك الأوروبية، التي أصبحت أكثر استعداداً للاستثمار في المغرب، خاصة بعد منح أول قرض للبلاد سنة 1902 من طرف تحالف الأبناك الفرنسية، تبعه قرض بريطاني سنة 1903، ثم عرض إسباني مماثل، وهو ما جعل المغرب يدخل في دوامة من الديون الخارجية. وفي هذا السياق، تبنت فرنسا سياسة التغلغل التدريجي، بقيادة ممثلها “سان روني طايندي”، الذي عمل على تعزيز النفوذ الفرنسي من خلال تقديم المساعدات المالية، وربط المغرب بشبكة من الالتزامات الاقتصادية. أدت هذه السياسة إلى تعميق الأزمة المالية، خاصة بعد فشل إصلاح ضريبة الترتيب، وانهيار قيمة العملة نتيجة سك كميات كبيرة من الفضة سنة 1902، مما دفع المغرب إلى طلب المزيد من القروض، وهو ما استغلته فرنسا لفرض شروطها، بما في ذلك فكرة إنشاء بنك مخزني يخضع لتوجيهها. وفي سنة 1904، تم التوصل إلى اتفاق يقضي بمنح المغرب قرضاً كبيراً مقابل اعترافه بمبدأ إنشاء هذا البنك، مع تأجيل تنفيذه إلى وقت لاحق، وهو ما مكّن فرنسا من التحكم في مسار المشروع.
وقد لعب “أوجين رينو” دوراً محورياً في بلورة هذا المشروع، إذ اقترح إنشاء مؤسسة مالية قوية تجمع بين وظائف البنك التجاري وبنك الدولة، وتتمتع بامتيازات واسعة، مثل إصدار النقود وتنظيم السوق النقدية، ومنح القروض للدولة، مع إخضاعها لرقابة الحكومة الفرنسية، التي أصرت على تضمين ضمانات قانونية تتيح لها التحكم في هذه المؤسسة، بما في ذلك تعيين مسؤوليها والتدخل في قراراتها. وبعد سلسلة من المفاوضات والتعديلات، تم عرض المشروع على مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906، الذي أقر إنشاء بنك دولة المغرب في إطار دولي، حيث تم توزيع رأسماله بين الدول المشاركة، وتشكيل مجلس إدارة متعدد الجنسيات، مع الاحتفاظ لفرنسا بنفوذ كبير داخل هذه المؤسسة. وقد مُنح البنك امتياز إصدار النقود، وتدبير خزينة الدولة، وتنظيم النظام المالي، مقابل تقديم تسبيقات للحكومة، وتم تحديد مقره في طنجة، مع خضوعه للقوانين الفرنسية. ورغم الطابع الدولي الذي أُضفي على البنك، فإن بنيته التنظيمية عكست إلى حد كبير التصور الفرنسي، الذي سعى إلى جعله أداة للهيمنة الاقتصادية، وهو ما تحقق جزئياً، رغم مقاومة بعض القوى الأوروبية الأخرى. أما بالنسبة للمغرب، فقد كان دوره محدوداً في هذه المؤسسة، إذ أصبحت وسيلة لتكريس التبعية المالية، في سياق دولي معقد، انتهى بفرض الحماية الفرنسية على البلاد، وتكريس السيطرة الأجنبية على مفاصل الاقتصاد المغربي.
بهذا المعنى تعود البدايات الأولى لظهور مؤسسة مصرفية مركزية في المغرب إلى سنة 1907، حيث أُنشئ أول بنك مركزي في مدينة طنجة، في سياق دولي اتسم بتزايد الاهتمام بالشأن المالي والاقتصادي للبلاد. وقد شكّل هذا البنك، المعروف باسم البنك المخزني المغربي، النواة الأولى للنظام البنكي الرسمي في المغرب، إذ اعتُبر أول مؤسسة مالية ذات طابع دولي ووظيفي منظم، وارتبط في مهامه بتدبير بعض الجوانب النقدية والمالية المرتبطة بالدولة. ومع حصول المغرب على استقلاله، برزت الحاجة إلى تطوير جهاز مالي وطني قادر على مواكبة التحولات الاقتصادية التي عرفتها البلاد في تلك المرحلة. وفي هذا الإطار، واصل البنك المخزني المغربي أداء أدواره بوصفه بمثابة بنك مركزي للدولة، حيث تولّى الإشراف على عدد من الوظائف النقدية الأساسية، إلى جانب مساهمته في تنظيم الدورة المالية ودعم الاستقرار الاقتصادي. غير أن هذه المرحلة الانتقالية لم تستمر طويلاً، إذ تم في عام 1959 إيقاف العمل بالبنك المخزني المغربي، وتعويضه بمؤسسة جديدة حملت اسم بنك المغرب، والتي تم إرساؤها وفق هيكلة حديثة تتماشى مع متطلبات الدولة المستقلة، لتضطلع منذ ذلك الحين بمهام البنك المركزي بشكل رسمي ومؤسسي في صيغته المعاصرة.

