الثورة الباردة من الأعلى: ما أحوج الوطن إلى مشروع صارم لمكافحة الفساد يبدأ من القمة قبل القاعدة

تابعتُ، كما تابع كلُّ مغربي، مشاهدَ استعمال أجهزة رصد الغش في الامتحانات الأخيرة، غير أن ما استوقفني فيها هو الإيحاء بأن التلميذ وحده من ينبغي أن يُوضع تحت المجهر، وأن يُحمَّل عبء الشك والمساءلة والضغط النفسي. لا أحد يعترض على محاربة الغش، فهي ضرورة أخلاقية وتربوية، لكن العدالة تقتضي أن تشمل الرقابة الجميع. فإذا كان التلميذ يُفتَّش بحثاً عن وسيلة غش صغيرة، فمن حق المجتمع أن يتساءل، من يراقب أصحاب القرار ومراكز النفوذ؟ ومن يحاسب المتلاعبين بالمصالح العامة وثروات الوطن؟ فالنزاهة لا تتجزأ، والرقابة التي تبدأ من القمة هي وحدها القادرة على ترسيخ الثقة والعدالة، فكلما اشتد الحديث عن محاربة الفساد وترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة، عاد إلى الواجهة سؤال يطرحه المواطن البسيط بقدر كبير من المرارة، لماذا تُوجَّه أدوات المراقبة والتفتيش دائماً نحو الحلقات الضعيفة، بينما تبقى المناصب الكبرى والقطاعات الحساسة بعيدة عن دائرة الفحص الحقيقي؟ ولماذا لا تُجرَّب، ولو رمزياً، أجهزة كشف الغش والنزاهة على كبار المسؤولين وصناع القرار والإدارات والجامعات والشركات وأعضاء المؤسسات التشريعية والتنفيذية، حتى يطمئن الناس إلى أن الرقابة تشمل الجميع دون استثناء؟

إن جوهر الدولة الحديثة يقوم على مبدأ بسيط وواضح، كل سلطة تستوجب رقابة، وكل مسؤولية تستدعي مساءلة. فكلما ارتفع المنصب واتسعت صلاحيات صاحبه، ازدادت الحاجة إلى مراقبته والتدقيق في قراراته وسلوكه ومصادر ثروته. ذلك أن الخطر على المال العام من المواقع التي تتحكم في الصفقات الكبرى والميزانيات الضخمة والسياسات العامة ومراكز النفوذ، وليس من المواطن العادي الذي لا يملك سوى دخله المحدود. ولا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في الأشخاص أو إطلاق الاتهامات جزافاً، وإنما بإرساء ثقافة مؤسساتية قوامها الشفافية والمحاسبة. فالمسؤول النزيه لا يخشى الرقابة، يرحب بها لأنها تمنحه الشرعية الأخلاقية وتعزز ثقة المواطنين فيه. أما حين تصبح بعض المناصب بمنأى عن المساءلة الفعلية، فإن ذلك يفتح الباب أمام الشكوك والتأويلات ويغذي الشعور بأن هناك فئتين داخل الدولة، فئة تُسأل وتُحاسب (وهيس الحلقة الأضعف)، وفئة تملك امتياز الإفلات من الرقابة (وهي الحلقة الأقوى).

لقد أصبحت أجهزة الكشف والرقابة رمزاً للحرص على النزاهة والانضباط في كثير من المؤسسات والإدارات. وهي، من حيث المبدأ، أدوات ضرورية لضمان احترام القوانين وحماية المال العام وترسيخ الثقة بين المواطن والدولة. غير أن قيمة هذه الأدوات تكمن في عدالة استعمالها وشمولية تطبيقها لا في وجودها المادي، فحين تتحول الرقابة إلى عملية أحادية الاتجاه، تُوجَّه نحو الحلقة الأضعف فقط، فإنها تفقد جزءاً كبيراً من مشروعيتها الأخلاقية، وتتحول من وسيلة لحماية العدالة إلى أداة تثير الشكوك حول حقيقة أهدافها. إن المنطق الحقوقي السليم يقتضي أن تكون المساءلة متناسبة مع حجم المسؤولية، فكلما اتسعت دائرة السلطة، اتسعت معها دائرة الرقابة، ذلك أن الموظف البسيط، مهما ارتكب من مخالفات، يبقى تأثيره محدوداً مقارنة بصاحب القرار الذي يملك سلطة التوقيع والتعيين والتدبير والتصرف في الموارد العامة. وإذا كان المجتمع يطالب بمحاسبة الموظف الصغير على خطأ محدود، فمن باب أولى أن يطالب بمحاسبة المسؤول الكبير الذي قد تترتب على قراراته آثار تمس حياة آلاف المواطنين ومصالحهم ومستقبل مؤسساتهم.

ومن هنا تبرز أهمية إخضاع القطاعات الحساسة ومراكز القرار العليا لمستويات عالية من الشفافية والتدقيق، فالمجتمع يحتاج إلى أن يرى بأم عينه أن محاربة الفساد مشروعاً وطنياً يبدأ من القمة قبل القاعدة، وليست شعاراً موجهاً إلى الأسفل فقط، عندها فقط يقتنع المواطن بأن القانون لا يميز بين الأشخاص، وأن المناصب ليست حصوناً تحتمي خلفها الامتيازات والمصالح. لقد أثبتت تجارب كثيرة عبر العالم أن الفساد الكبير ينشأ في الأماكن التي تتجمع فيها السلطة والثروة والنفوذ. لذلك فإن حماية المال العام وثروات البلاد لا تتحقق بمضاعفة الرقابة على البسطاء وحدهم، وإنما بترسيخ آليات فعالة للمساءلة في أعلى هرم المسؤولية. فهناك، حيث تُتخذ القرارات المصيرية وتُدار الموارد العامة، يجب أن تكون الرقابة أشد حضوراً وأكثر استقلالية وصرامة. لإن الشعوب تفقد ثقتها بسبب وجود الفساد وبالشعور بأن الفساد يُعامل بمعايير مختلفة تبعاً للمواقع والمناصب. ولهذا فإن العدالة الحقيقية تبدأ حين يدرك الجميع ألا أحد فوق المساءلة، وأن حماية الوطن وثرواته مسؤولية مشتركة لا تعفي منها المكانة ولا النفوذ. وعندما تصبح الشفافية قاعدة عامة لا استثناءً انتقائياً، يمكن للمواطن أن يطمئن إلى أن ثروات البلاد تُدار لصالح الجميع، لا لصالح قلة تستفيد من غياب الرقابة وتستنزف مقدرات الوطن على حساب أبنائه.

لعمري، لو أُطلق مشروع وطني حقيقي لمحاربة الفساد، قائم على الشفافية الكاملة والمساءلة الصارمة، لا يستثني أحداً مهما علا منصبه أو اشتد نفوذه، ولو تمت محاسبة كل من ثبت تورطه في الغش أو استغلال السلطة أو الاعتداء على المال العام، بدءاً من أبسط التجاوزات وصولاً إلى أكبرها، لكان ذلك إيذاناً بولادة مرحلة جديدة في حياة الوطن. فالدول لا تنهض بالشعارات، وإنما بسيادة القانون وتكافؤ الجميع أمامه. ولو اقترنت المحاسبة بالإقالة عند الاقتضاء، واسترجاع الأموال المنهوبة، وتجريد الفاسدين من الامتيازات التي راكموها بغير حق، لأدرك الجميع أن المسؤولية تكليف لا تشريف، وأن المنصب العام أمانة لا وسيلة للإثراء أو النفوذ. عندها ستترسخ في الوعي الجماعي قيم النزاهة والاستقامة، وسيتحول احترام القانون من واجب مفروض إلى ثقافة مجتمعية راسخة. لإن الشفافية هي أساس الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وليست مجرد إجراء إداري، وكلما شعر المواطن أن القانون يطبق على الجميع دون تمييز، ازداد انتماؤه لوطنه واستعداده للمساهمة في بنائه وحماية مقدراته. وهكذا تُصان الثروة الوطنية، وتُحفظ كرامة المواطن، وتُبنى مواطنة فاعلة تجعل من خدمة الوطن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.

تتجلى قوة الدول الحديثة في قدرتها على إرساء منظومة عدالة متوازنة لا تفرق بين مواطن وآخر، ولا بين صاحب منصب ومن لا منصب له. فالعدالة الحقيقية هي مبدأ أخلاقي وقانوني يقوم على المساواة أمام القانون، وعلى إخضاع الجميع للرقابة والمساءلة دون استثناء، وليست مجرد شعارات تُرفع في المناسبات الرسمية، ولا إجراءات انتقائية تُمارس على فئات بعينها، ومن هنا يبرز سؤال جوهري كلما اشتد الحديث عن محاربة الغش والفساد، إذا كانت أجهزة كشف الغش قادرة فعلاً على تعرية المخالفات وكشف التجاوزات، فلماذا تقتصر غالباً على مراقبة الصغار، بينما تظل الكراسي الكبيرة بعيدة عن دائرة الفحص والتدقيق؟ إن الفساد الحقيقي لا يختبئ غالباً في جيوب الصغار، وإنما يجد بيئته الخصبة في المواقع التي تتوافر فيها السلطة والقرار والنفوذ، حيث تُمنح الصفقات وتُتخذ القرارات المصيرية وتُوزع الامتيازات، يصبح خطر الانحراف أكبر، وتصبح الحاجة إلى الرقابة أكثر إلحاحاً. ولذلك فإن أي مشروع جاد لمحاربة الفساد لا بد أن يبدأ من الأعلى قبل أن ينزل إلى الأسفل، لأن القدوة في الحكم والإدارة هي الأساس الذي تُبنى عليه ثقافة النزاهة في المجتمع كله.

ما أحوجنا اليوم إلى تلك “الثورة الباردة من الأعلى” التي دعا إليها محمد بالحسن الوزاني؛ ثورة على إرادة الإصلاح الجريء، وسيادة القانون، وتجديد مؤسسات الدولة من داخلها، ثورة تجعل النزاهة معياراً للمسؤولية، والمحاسبة أساساً للحكم، والكفاءة شرطاً لتولي الشأن العام، ولاتقوم على الصدام والضجيج أو سحابة صيف بعدها “تعود حليمة لعادتها القديمة)، فحين يبدأ الإصلاح من القمة، ويشعر المواطن أن القانون يسري على الجميع دون استثناء، تتعزز الثقة في المؤسسات، وتتجذر قيم المواطنة، ويتحول الانتماء إلى الوطن من شعور عاطفي إلى مشاركة فعلية في بنائه وحماية مقدراته. إن الأمم لا تتقدم بكثرة الشعارات، وإنما بشجاعة القرارات التي تضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، وتجعل من محاربة الفساد مدخلاً لإقامة دولة الحق والعدالة والكرامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى