جهاز كشف الغش في الامتحانات.. بين حماية تكافؤ الفرص و إرباك أجواء الاختبار

المنظار 24 – سعيد امروي
بين الإشادة باعتباره سلاحاً جديداً لحماية نزاهة الامتحانات، و الانتقاذ بسبب تأثيره على تركيز المترشحين، تحول جهاز كشف الهواتف والوسائل الإلكترونية للغش إلى أبرز موضوع للنقاش خلال الامتحانات الجهوية للسنة الأولى بكالوريا. فبينما اعتبره كثيرون خطوة متقدمة لمواجهة أساليب الغش الحديثة التي تعتمد الهواتف الذكية والسماعات الدقيقة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، اشتكى عدد من التلاميذ من طول إجراءات المراقبة وتكرار عمليات التفتيش داخل القاعات، معتبرين أن ذلك يستهلك جزءاً من الزمن النفسي والفعلي للاختبار. وفي المقابل، يرى المدافعون عن هذه التقنية أن التهاون في محاربة الغش يهدد مبدأ الاستحقاق ويضرب حق التلاميذ المجتهدين في المنافسة العادلة، خاصة في الامتحان الوطني للسنة الثانية بكالوريا ثم امتحانات السنة الثالثة إعدادي.
وقد أجمع عدد من الأطر التربوية المكلفة بالحراسة وتتبع الامتحانات على أن الاستحقاقات الجهوية مرت في ظروف تنظيمية جيدة، دون تسجيل اختلالات كبرى أثرت على السير العام للاختبارات، وسط انضباط ملحوظ للمترشحين واحترام للإجراءات المعمول بها داخل مختلف المراكز.
وفي إطار تعزيز النزاهة والحد من الغش الإلكتروني، تم اعتماد جهاز T3 SHIELD المغربي الصنع، الذي طوره خبراء مغاربة لرصد الهواتف المحمولة والسماعات الإلكترونية المستعملة في عمليات الغش. وقد لقيت هذه المبادرة استحساناً من طرف عدد من الفاعلين التربويين الذين اعتبروا أن التطور المتسارع لوسائل الغش يفرض بدوره تطوير وسائل المراقبة والكشف، داعين إلى تعميم هذه التقنية مستقبلاً على مختلف الامتحانات والمباريات.
غير أن اعتماد الجهاز لم يخل من ملاحظات وانتقادات ميدانية. فقد تساءل بعض المراقبين عن مدى فعاليته في كشف الهواتف غير المشغلة أو الموضوعة في وضع الإيقاف، بعدما تم تسجيل حالات تم خلالها العثور على هواتف لم يتم رصدها أثناء عملية المسح. كما أثيرت إشكالية الزمن الذي تستغرقه عمليات التفتيش داخل المؤسسات الكبرى التي تضم عدداً كبيراً من القاعات، حيث لم يشمل المرور على جميع الأقسام إلا بعد انقضاء جزء مهم من زمن الامتحان.
ومن بين أبرز الملاحظات التي عبر عنها التلاميذ، أن تعدد المتدخلين داخل القاعة خلال فترة قصيرة قد يؤثر على التركيز الذهني للمترشح. فإلى جانب توزيع أوراق التحرير ومراقبة الاستدعاءات ومسح الرموز الإلكترونية وتسجيل الحضور والغياب، تأتي عملية الكشف بواسطة الجهاز لتضيف حركة إضافية داخل القاعة. وقد عبر أحد التلاميذ عن هذا الشعور بقوله إن كثرة المتدخلين تجعل المترشح ينتقل من متابعة إجراء إلى آخر بدل التركيز الكامل على الأسئلة المطروحة.
كما أثار الشكل غير المألوف للجهاز وطريقة استعماله فضول المترشحين داخل بعض القاعات، حيث وصف عدد منهم المشهد بأنه يشبه “عمليات البحث عن “الألغام”، بسبب تنقل المشرف بين الصفوف حاملاً جهازاً مثلث الشكل وموجهاً إياه نحو المقاعد. ويرى بعض التلاميذ أن مجرد متابعة ما يحدث داخل القاعة قد يقطع سلسلة التركيز التي يحتاجها المترشح أثناء إنجاز الاختبار، خاصة في المواد التي تتطلب تفكيراً وتحليلاً متواصلاً.
في المقابل، يشدد مؤيدو هذه الإجراءات على أن الغش الإلكتروني لم يعد سلوكاً فردياً معزولاً، بحيث أصبح في بعض الحالات يعتمد على شبكات خارج المؤسسة التعليمية تتولى إرسال الأجوبة عبر الرسائل أو التطبيقات الرقمية. كما أن ظهور تطبيقات الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج إجابات سليمة وفي وقت وجيز زاد من تعقيد الظاهرة، ما يجعل تطوير وسائل الكشف والردع أمراً ضرورياً للحفاظ على مصداقية الشهادات الوطنية.
ويؤكد عدد من المتتبعين أن الخطر لا يقتصر على الحصول غير المشروع على نقطة إضافية أو شهادة دراسية، كونه يمتد إلى المساس بمبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ. فحين يحصل مترشح على نتائج مرتفعة بوسائل غير مشروعة، فإنه يحرم زملاءه المجتهدين من فرص قد يكونون أحق بها، سواء في الولوج إلى التخصصات الجامعية أو في فرص التوظيف مستقبلاً. ولذلك ترتفع الأصوات المطالبة بتشديد العقوبات على ممارسي الغش وكل المتورطين في تسهيله أو دعمه من داخل المؤسسات أو خارجها.
وفي الوقت نفسه، يدعو العديد من الفاعلين التربويين إلى تطوير آليات العمل الميداني، عبر إجراء عمليات الفحص عند مداخل المؤسسات أو قبل ولوج القاعات، بما يحقق التوازن بين محاربة الغش والحفاظ على الهدوء النفسي للمترشحين داخل فضاء الامتحان. فالمطلوب، بحسب هؤلاء، ليس التراجع عن استعمال التكنولوجيا، بل تحسين توظيفها بما يضمن أكبر قدر من الفعالية وأقل قدر من الإزعاج.
وتتجه الأنظار الآن إلى الامتحان الوطني الموحد للسنة الثانية بكالوريا، الذي يشكل محطة حاسمة في المسار الدراسي لآلاف التلاميذ، قبل أن تحتضن المؤسسات التعليمية في أواخر الشهر الجاري امتحانات السنة الثالثة إعدادي. وهي استحقاقات تجعل من قضية النزاهة وتكافؤ الفرص رهاناً وطنياً لا يقل أهمية عن النجاح نفسه.
وفي هذا السياق، نعقبه باستلهام الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو ذات دلالة عميقة حين قال: “الضمير لا يخدع أبداً.” في كتابه إميل أو تربية الطفل من المهد إلى الرشد، الفصل الرابع المعنون اعترافات كاهن ساڤوا. فالغش خيانة للضمير قبل القانون، أما من يسانده أو يتستر عليه فإنه يساهم في إضعاف قيم العدالة والاستحقاق التي يقوم عليها أي مجتمع يسعى إلى التقدم.
نختم المقال بحديث سيد المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حين قال :” من غشنا فليس منا.”