سيدي بوغابة بين سحر الطبيعة وإكراهات التدبير.. من ينقذ الكنز البيئي للقنيطرة؟

القنيطرة – سعيد امروي
وسط الغطاء الغابوي الكثيف، وزقزقة الطيور المهاجرة، وامتداد بحيرة المياه العذبة الفريدة من نوعها على الساحل الشمالي الغربي للمغرب، تبدو محمية سيدي بوغابة بالقنيطرة وكأنها قطعة من الطبيعة نجت من زحف الإسمنت والضجيج. غير أن هذا الفضاء الإيكولوجي، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى متنفس مفضل لآلاف الزوار الهاربين من حرارة الصيف واكتظاظ الشواطئ، يعيش في المقابل على وقع مفارقة مؤلمة؛ إذ يقابل غناه البيئي والسياحي إهمال متزايد للبنيات الأساسية والمسالك الطرقية والنظافة والمراقبة، ما يهدد مستقبل واحد من أهم الكنوز الطبيعية بجهة الرباط ـ سلا ـ القنيطرة.

وتقع محمية سيدي بوغابة بين جماعتي المهدية وسيدي الطيبي، وتضم بحيرة تمتد على مساحة تناهز 652 هكتارا، تُغذى من فرشة مائية جوفية، وتعد آخر مسطح طبيعي للمياه العذبة غير المرتبط بالمحيط أو بالمياه المالحة على الساحل الشمالي الغربي للمملكة، وفق ما أورده موقع “الماء ديالنا” في مقال بعنوان “محمية سيدي بوغابة بإقليم القنيطرة تشهد انتعاشة بيئية بعد التساقطات المطرية الأخيرة” بتاريخ 11 ماي 2026. كما أشار المصدر ذاته إلى أن التساقطات المطرية الأخيرة ساهمت في استعادة المحمية لحيويتها بعد سنوات من الجفاف، حيث ارتفع منسوب المياه وعادت الطيور والحيوانات البرية إلى الفضاءات الرطبة والخضراء بالمحمية.

وفي السياق نفسه، أبرز مقال نشره موقع SNRTnews بتاريخ 15 يوليوز 2025، أن محمية سيدي بوغابة أصبحت وجهة مفضلة لسكان مدينة القنيطرة ومحيطها، خصوصا خلال فصل الصيف، بفضل ما توفره من فضاءات طبيعية للاستجمام والاستظلال وسط غابة الصنوبر والأوكاليبتوس. وأكدت هند ملاكي، المهندسة الغابوية ورئيسة مركز هندسة الغابات بالقنيطرة التابع للوكالة الوطنية للمياه والغابات، أن المحمية تغطي حوالي 650 هكتارا من الغطاء الغابوي، وتعد من أبرز الفضاءات الإيكولوجية النادرة وطنيا وجهويا، بالنظر إلى التنوع الكبير للطيور التي تستوطنها أو تعبرها خلال مواسم الهجرة.
وتشكل سيدي بوغابة كذلك محطة رئيسية للطيور المهاجرة بين أوروبا وإفريقيا، إذ تستقبل سنويا أنواعا عديدة من بينها طيور الفلامينغو والنحام الوردي والبط البري، إضافة إلى أنواع نادرة ومهددة بالانقراض، ما يمنحها أهمية بيئية عالمية ويجعلها ضمن المناطق المصنفة في اتفاقية “رامسار” الخاصة بالمناطق الرطبة ذات الأهمية الدولية منذ سنة 1980.

وفي إطار حماية هذا الموروث الطبيعي، أعلنت الجمعية المغربية للاقتصاد الأخضر من أجل البيئة والعدالة المناخية، حسب مقال نشرته جريدة هسبريس بتاريخ 7 يونيو 2025، عن إطلاق مشروع بيئي يحمل عنوان: “تعزيز الإدارة المتكاملة والتدبير المندمج للمحميات الطبيعية والمناطق الرطبة للحفاظ على التنوع البيولوجي والموارد المائية في ظل التغير المناخي، محمية سيدي بوغابة نموذجا”. ويهدف المشروع، المدعوم من صندوق Global Greengrants Fund، إلى إشراك المجتمع المدني والساكنة المحلية في حماية المحمية، عبر تنظيم حملات نظافة وورشات تحسيسية ودراسات ميدانية وأنشطة بيئية موجهة للشباب والنساء والفاعلين المحليين.

ورغم هذه المبادرات البيئية والمؤشرات الإيجابية التي تؤكد القيمة الطبيعية والسياحية للمحمية، فإن زيارة ميدانية قامت بها جريدة “المنظار 24” يوم 17 ماي 2026 كشفت عن اختلالات مقلقة تهدد هذا الفضاء الإيكولوجي. فقد رصدت عدسة الجريدة تدهورا واضحا في البنية الطرقية المؤدية إلى البحيرة، حيث يعاني الممر الوحيد من حفر عميقة وتآكل كبير في جنبات الطريق، ما يجعل مرور السيارات صعبا ويعرض المركبات لأعطاب متكررة، خاصة عند تقابل سيارتين في اتجاهين متعاكسين، إذ تضطر إحداهما أو كلتاهما للخروج عن الطريق الإسفلتي المهترئ.

كما سجلت الجريدة غيابا شبه تام لعلامات التشوير والانارة العمومية، إضافة إلى انعدام اللوحات التعريفية بالكائنات الحية والطيور والنباتات التي تزخر بها المحمية، رغم القيمة العلمية والسياحية التي يمكن أن توفرها هذه المعطيات للزوار والباحثين.

ومن بين أبرز الملاحظات أيضا، غياب حراس كافين لفرض النظام ومراقبة التحركات داخل الفضاء، فضلا عن تآكل واختفاء أجزاء واسعة من السور الحديدي المحيط بالمحمية، ما يسمح بولوج أشخاص من منافذ عشوائية دون مراقبة، الأمر الذي قد يشكل خطرا على سلامة الزوار وعلى التوازن البيئي للمكان.
وعلى مستوى الخدمات الأساسية، تفتقر المحمية إلى مرافق صحية ومراحيض عمومية وصنابير للمياه، رغم الإقبال الكبير الذي تعرفه من طرف العائلات والزوار الذين يقضون ساعات طويلة داخل الفضاء الطبيعي، كما تغيب سلال المهملات بشكل كاف، سواء على جنبات الطريق أو قرب فضاءات الجلوس والاستراحة، ما ينعكس سلبا على نظافة المكان ويهدد بيئته الهشة.

ويرى متابعون للشأن البيئي أن الرسوم الرمزية المفروضة على السيارات، والمحددة حاليا في خمسة دراهم، يمكن أن تشكل موردا ماليا مهما إذا ما تمت مراجعتها بشكل معقول وتخصيص عائداتها لصيانة الطرق والمسالك، وتعزيز الحراسة والنظافة، وتحسين جمالية الموقع، على غرار عدد من المواقع السياحية والأثرية الوطنية التي تعتمد مداخيل الزوار في تطوير بنياتها الأساسية.

إن محمية سيدي بوغابة رصيد بيئي وسياحي وثقافي وإنساني حقيقي، ليست مجرد فضاء للنزهة أو بحيرة معزولة وسط الغابة، وهو مايتطلب رؤية شمولية تجعل من حمايته أولوية جماعية، يشارك فيها المواطن والمسؤول والفاعل المدني على حد سواء. فبين الانتعاشة البيئية التي أعادت الحياة إلى البحيرة، والتحذيرات المتزايدة من مظاهر الإهمال والتدهور، يبقى السؤال مطروحا: هل تتحرك الجهات المعنية لإنقاذ هذا الكنز الطبيعي قبل فوات الأوان؟

