قراءة في أعمال الفنانة كريمة الحايكي: من فوضى الذهن إلى سكينة الخط، ترويضا للحواس واستنقاذا للوعي

يشكّل الرسم الخطي التأملي عند الفنانة كريمة الحايكي تجربة جمالية وفكرية تتجاوز حدود الممارسة التقنية، ليغدو مسارا تأمليا يسعى إلى تهذيب الذهن وتحرير الوعي من صخب التفكير الزائد، فقد انطلقت هذه التجربة من مراقبة الطبيعة والتفاعل معها عبر التصوير الفوتوغرافي، حيث تكشّف تدريجيًا أن البنى المرئية في العالم الطبيعي ليست سوى تراكمات دقيقة ومنسّقة من الخطوط، تظهر هذه الحقيقة في تشريح أوراق الأشجار المتعرّجة، وفي انتظام ريش الطيور، وفي التكوينات الفريدة لبصمات الأصابع، حيث يتجلّى الخط بوصفه وحدة بنائية أولى تتكاثر لتشكّل الكيان البصري الكامل، ومن هذا الإدراك، نشأت الرغبة في تحويل الخط من عنصر شكلي بسيط إلى لغة تشكيلية قادرة على التعبير عن تعقيدات الوجود.في هذا السياق، لا يُنظر إلى الخط باعتباره حدا فاصلاً بين شكل وآخر فحسب ولكن باعتباره كيانا حيا يتنامى ويتحول عبر التكرار والتراكم، فكل خط يُرسم لا يبقى منفردًا، ولكن يتسع تدريجيا ليشكل شبكة متداخلة من المسارات البصرية التي تملأ الفضاء الورقي، كما تملأ في الوقت ذاته المساحة الذهنية للفنان والمتلقي معًا، ويغدو الرسم هنا فعلا تأمليا يوازي حالة من الانغماس في حركة الخطوط اللانهائية، لتختفي فكرة البداية والنهاية لصالح استمرارية تعكس تعقيد التجربة الإنسانية وتداخل مساراتها النفسية والوجودية، ويكتسب استخدام الحبر الأسود على خلفية بيضاء دلالة جمالية وفلسفية خاصة، إذ يختزل التكوين البصري إلى جوهره الأول، ويمنح المشاهد فرصة للتركيز على ديناميكية الخطوط وحيويتها دون تشويش لوني، إن هذا التقابل الحاد بين الأسود والأبيض يرمز أيضا إلى ثنائية الوجود بين الامتلاء والفراغ، الحضور والغياب، ليصبح الخط وسيطًا بصريًا يعبر بين هذين القطبين، ويعيد تشكيل العلاقة بين الشكل والفضاء.

يحمل هذا الفن عند كريمة الحايكي في جوهره دعوة صريحة إلى التباطؤ والتأمل، حيث يتحول الفعل الفني إلى ممارسة زمنية تقوم على التكرار الدقيق والمنضبط، فمن خلال إعادة تشكيل الخط ذاته مرارا وتكرارا، ينكشف للمشاهد كيف يمكن لوحدة بسيطة أن تتطور تدريجيا لتكون بنية معقدة ومتناغمة، وتعبر كل لوحة عن فكرة فلسفية مفادها أن الكل ليس سوى حصيلة تراكمات جزئية صغيرة، وأن الجمال ينبثق من انتظام هذه الجزئيات في نسيج بصري متماسك.في بدايات هذه التجربة، تؤكد الفنانة كريمة أنها “اتجهت إلى رسم أشكال تجريدية خالصة، حيث كان الحدس هو المرشد الأساسي لحركة الخطوط، بعيدا عن التخطيط المسبق أو السعي إلى تمثيل شكل محدد، وقد أتاح هذا الانفتاح الحدسي للخط أن يتحرك بحرية، مكتشفا مسارات بصرية غير متوقعة، ومعبرا عن حالات شعورية داخلية يصعب التعبير عنها بالوسائل التقليدية، ومع تطور التجربة، امتد هذا الأسلوب ليشمل رسم الكائنات الحية، كالحيوانات والطيور والبشر، حيث تبدو هذه الكائنات في ظاهرها أشكالًا مكتملة أو ثابتة، لكنها في حقيقتها عوالم ديناميكية مفعمة بالعاطفة والهوية والتغيّر المستمر”.يتضح من خلال المقتطف السابق أن توظيف الخطوط المجردة في تشكيل هذه الكائنات، يتحول الرسم إلى وسيلة لاستكشاف البعد الحيوي الكامن خلف المظهر الخارجي، إذ تتداخل الخطوط لتكشف عن طاقة داخلية نابضة بالحياة، تعكس التوترات والانفعالات التي تشكّل جوهر الكائن الحي، وهكذا يصبح الرسم الخطي التأمليممارسة تجمع بين التأمل البصري والاستكشاف الوجودي، حيث يتلاقى الفن مع الفلسفة في محاولة لفهم العالم عبر أبسط عناصره وأكثرها نقاءً، الخط.

اختارت كريمة هذا الأسلوب باعتباره امتدادا لرؤية جمالية تشكلت في وعيها منذ انخراطها في التصوير الفوتوغرافي، لا بوصفه تقنية تشكيلية فحسب، فالفعل الفوتوغرافي، في جوهره يتعدى كونه التقاط لصورة عندها إلى تدريب مستمر للعين على الإصغاء إلى التفاصيل الدقيقة التي تتوارى خلف المشهد العام، إن العدسة تُعلّم الصبر، وتغرس في البصر قدرة على التقاط الهمسات البصرية الخفية؛ أوردة الأوراق التي تشبه خرائط سرّية للحياة، تموّجات الماء التي تحمل إيقاع الزمن في حركته المستمرة، وأنماط الرياح التي لا تُرى ولكنها تُقرأ في آثارها على الأشياء، ومن خلال هذا التمرين التأملي، يتحوّل العالم المحيط إلى نص بصري مفتوح على احتمالات لا نهائية من القراءة، غير أنّ الرسم، في هذا السياق، لا يأتي بديلاً عن التصوير، بل يتجاوزه نحو أفق أكثر تحررًا، فإذا كان التصوير يجمّد لحظة من الواقع، فإن الرسم يسمح للفنانة كريمة بأن تستخلص الإيقاعات الكامنة في صيرورته، فهي لا تستعيد الطبيعة بوصفها موضوعًا للمحاكاة، وإنما تتعامل معها كحركة دائمة، كنسق من التحولات التي لا تستقر على شكل نهائي، الرسم، بهذا المعنى عندها، يتحول إلى محاولة لفهم كيف تتحرك الأشياء في جوهرها، لا كيف تبدو في ظاهرها، إنه بحث في منطق التكوّن، لا في هيئة المتكوّن.تعتمد تجربتها في هذا الأسلوب على الخطوط الدقيقة والمتكررة التي تتراكم في طبقات متداخلة، لتشكّل ما يشبه البنية النسيجية للوجود البصري، فالخط في أعمالها لا يكتفي أن يكون مجرد عنصر شكلي، وإنما أثر للحركة، وسجل لتتبع الإيقاع الداخلي للأشياء، ومن خلال هذا التكرار التأملي، اكتشف أن الظواهر ليست كما تبدو من مسافة بعيدة؛ إذ إن الاقتراب منها يكشف عن عوالم من التعقيد والتركيب، وعن سرديات خفية لا تظهر إلا لمن يمنح النظر زمنه الكافي.

إن كل شكل يحمل داخله تاريخ تشكّله، وكل سطح يخفي وراءه شبكة من العلاقات التي تربط بين عناصره في حوار صامت.ما يجذب كريمة في هذا المسار الفني هو أنه يقوم على مفارقة دقيقة، قوامها التخلي دون التفريط في المسؤولية، فهي ترسم بوعي وانتباه، وتلتزم بنيّة داخلية واضحة، لكنها في الوقت ذاته تتحرر من وهم السيطرة الكاملة على النتيجة النهائية، (لا شيء محسوم في النهاية)، تسمح للخط أن يقودها أحيانًا، وأن يكتشف مساره الخاص داخل فضاء العمل، تتحرر من الرقابة الذاتية، وتعطي للخط فرصة القيادة تحت بصيرتها النافذة للعمق، في هذه اللحظة تحديدًا، يتحول الرسم إلى فعل حضور خالص، حيث يصبح العمل انعكاسًا مباشرا للحظة الراهنة بكل ما تحمله من توتر أو سكينة، من وضوح أو غموض، إن كل عمل فني أتنجزه كريمة هو تجربة زمنية فريدة لا يمكن استنساخها، أو حتى تكراره بنفس الحمولة، فلو أُعيد رسم العمل ذاته في لحظة أخرى، لتغيّرت النتيجة حتمًا، لأن الذات التي ترسم ليست ثابتة، ولأن الزمن يترك أثره في الإحساس والإدراك معًا، وهكذا يصبح الرسم مساحة للتأمل في علاقة الإنسان بالزمن، وبالتحول الدائم الذي يطبع وجوده، إنه فعل بحث مستمر عن جوهر الحركة في العالم، وعن ذلك التوازن الدقيق بين الانضباط والحرية، بين القصد والتلقائية، حيث يتجلى الفن كرحلة لا تنتهي نحو فهم أعمق لمعنى الرؤية ذاتها.

من أجل تأطير القراءة في أعمال الفنانة كريمة الحايكي لا بد من فهم الرسم الخطي التأملي(Line Art / Contour-based Abstraction) ، والذي يعد واحد من الاتجاهات الفنية التي تعيد الاعتبار للخط بوصفه عنصرًا جوهريًا في البناء التشكيلي، لا مجرد أداة تمهيدية تسبق اللون أو الظل، ففي هذا الأسلوب، يتحول الخط إلى لغة مستقلة، حاملة للمعنى والإيقاع والرمز، وقادرة على بناء الشكل والتعبير في آن واحد، حيثيتحول الخط إلى أداة للتفكير، ومسار للتأمل، وأثرٍ مباشر لحركة الوعي والجسد في لحظة الخلق الفني.إننا أمام ممارسة فنية تقوم على التأمل، حيث يصبح الرسم فعل تفكير بصري، لا تسجيلًا مباشرًا للمرئي.يرتكز هذا النوع من الرسم على الخطوط المتصلة أو المتكررة التي تتبع محيط الشكل أو تتحرر منه جزئيًا، لتنشئ بناءً تجريديًا يستند إلى الإيقاع والحركة أكثر مما يستند إلى المحاكاة الواقعية. فالخط في الرسم الخطي التأملي لا يهدف إلى تمثيل الكتلة عبر الظل والنور، وإنما إلى اقتراحها من خلال التكرار والانحناء والتداخل. وبهذا المعنى، يصبح الخط أثرًا للحركة الذهنية والجسدية للفنان، ومسارًا لتدفق الوعي، من الناحية التاريخية، يمكن تتبع جذور هذا الاتجاه في فنون متعددة، بدءًا من الرسوم البدائية والنقوش الشرقية، مرورًا بالمنمنمات والخط العربي، وصولًا إلى تجارب الحداثة في القرن العشرين، خاصة لدى فناني التجريد والتعبير الخطي. غير أن الرسم الخطي التأملي يتميز بتركيزه على البعد الداخلي للفعل الفني، حيث يُنظر إلى الخط كعنصر وسيط للتأمل وإعادة اكتشاف العلاقة بين الإنسان والعالم.

يتقاطع هذا الأسلوب مع مفاهيم فلسفية وجمالية عميقة، أبرزها فكرة الزمن. فالخط المتكرر، خصوصًا حين يأخذ شكلًا حلزونيًا أو متدفقًا، يستدعي الإحساس بالاستمرارية والديمومة، ويحوّل اللوحة إلى سجل بصري للزمن المتراكم. كما أن غياب اللون أو تقليصه إلى حدّه الأدنى يساهم في تكثيف التجربة التأملية، إذ يُجبر المتلقي على تتبع الخطوط والانخراط في إيقاعها الداخلي بدل الانجذاب إلى البهرجة اللونية.من جهة أخرى، يمنح الرسم الخطي التأملي مساحة كبيرة للتأويل الرمزي. فالأشكال المرسومة، سواء كانت كائنات طبيعية أو عناصر عضوية أو مجردة، غالبًا ما تتجاوز دلالتها المباشرة لتصبح استعارات للحالة الإنسانية، للوعي، أو للذاكرة. الخط هنا ليس حدًا فاصلاً بين الداخل والخارج، بقدر ما هو جسر بين المرئي واللامرئي، بين الشكل والفكرة.

على المستوى التقني، يعتمد هذا النوع من الرسم على أدوات بسيطة نسبيًا مثل القلم والحبر أو الفحم، غير أن بساطة الوسيط لا تعني بساطة النتيجة. فالدقة، والصبر، والانضباط الإيقاعي عناصر أساسية في إنجاز العمل، ما يجعل العملية أقرب إلى ممارسة تأملية أو طقس بصري يتطلب حضورًا ذهنيًا عاليًا. ولهذا السبب، يرتبط هذا الأسلوب أحيانًا بممارسات روحية أو صوفية، حيث يتقاطع الفن مع التجربة الداخلية.يمكن القول إن الرسم الخطي التأملي يشكّل مقاومة هادئة لسطحية الصورة المعاصرة وسرعة الاستهلاك البصري. إنه فن يدعو إلى التمهّل، إلى النظر العميق، وإلى إعادة اكتشاف الخط كأصل للتشكيل والتفكير معًا. وبهذا، لا يقدّم هذا الاتجاه إجابات جاهزة لمواضيع آنية أو سابقة، وإنما يفتح مساحات للسؤال، ويحوّل اللوحة إلى مجال للتأمل والحوار الصامت بين الفنان والمتلقي.يقوم هذا الاتجاه على تتبع المحيطات الخارجية والداخلية للأشكال، أو تفكيكها وإعادة بنائها عبر خطوط متصلة، متكررة، أو منحنية، تنتج إيقاعًا بصريًا كثيفًا، حيث لا يسعى الفنان إلى محاكاة الواقع، ولكن يذهب إلى استنطاقه، والكشف عن جوهره عبر الخط ومن خلال الخط، لتصبح اللوحة مجالًا زمنيًا، يُسجَّل فيه فعل الرسم بوصفه عملية تراكم وتأمل، لا نتيجة نهائية مغلقة.تاريخيًا، يمكن رصد جذور هذا التوجّه في أعمال عدد من الفنانين العالميين الذين منحوا الخط قيمة وجودية. فالفنان السويسريبول كلي(Paul Klee) تعامل مع الخط بوصفه “نقطة خرجت في نزهة”، وهو توصيف يلخص جوهر الرسم الخطي التأملي، حيث يتحول الخط إلى كائن حيّ يتطور داخل الفضاء. كما قدّمفاسيلي كاندينسكيتصورًا روحانيًا للخط، معتبرًا إياه حاملًا للطاقة الداخلية والانفعال، لا مجرد عنصر شكلي.

في سياق آخر، تبرز تجربة الفنان الفرنسيجان دوبوفيه(Jean Dubuffet) الذي استخدم الخط العفوي والمتكرر في تفكيك الأشكال التقليدية، مقترحًا رؤية بديلة للجسد والطبيعة، تقوم على التوتر بين البدائية والتجريد. أما الفنان الأمريكيسول لويت(Sol LeWitt) فقد نقل الخط إلى مستوى مفاهيمي، حيث أصبحت التكرارات الخطية نظامًا فكريًا يتجاوز التعبير الذاتي إلى التأمل في البنية والنسق.في العالم العربي، يتقاطع الرسم الخطي التأملي بشكل وثيق مع تراث الخط العربي والزخرفة الإسلامية، حيث يحتل الخط مكانة روحية وجمالية خاصة. فقد قدّم الفنان العراقيشاكر حسن آل سعيدمقاربات بصرية جعلت من الخط أثرًا صوفيًا وفضاءً للتأمل الميتافيزيقي، خصوصًا في إطار جماعة البعد الواحد، حيث يتحول الأثر الخطي إلى علامة على الغياب والحضور معًا. كما تبرز تجربة الفنان المغربيفريد بلكاهيةالذي، رغم اشتغاله على المواد الطبيعية، حافظ على حضور الخط بوصفه ذاكرة جسدية وثقافية، متصلة بالرمز والطقس، ويمكن الإشارة إلى تجارب معاصرة لفنانين عرب اشتغلوا على الخط بوصفه بنية تأملية، مثلنجا المهداوي، الذي حرّر الحرف من دلالته اللغوية وحوّله إلى طاقة بصرية خالصة، أقرب إلى الإيقاع الموسيقي، حيث يصبح الخط حركة ذهنية قبل أن يكون شكلًا مرئيًا.

من الناحية الفلسفية، يرتبط الرسم الخطي التأملي بمفهوم الزمن البطيء، في مقابل تسارع الصورة الرقمية المعاصرة. فالخط المتكرر، خصوصًا في أشكاله الحلزونية أو المتموجة، يُحيل إلى التراكم، والذاكرة، والاستمرارية، كما أن التقشف اللوني، أو الاكتفاء بالأبيض والأسود، يعمّق البعد التأملي ويجعل المتلقي شريكًا في فعل القراءة البصرية، لا مستهلكًا سريعًا للصورة. تقنيًا، يعتمد هذا الأسلوب على أدوات بسيطة، كالحبر أو القلم، غير أن بساطتها الظاهرية تخفي انضباطًا صارمًا وصبرًا طويلًا، ما يجعل عملية الرسم أقرب إلى ممارسة تأملية أو طقس بصري، يتقاطع فيه الفن مع الفلسفة، وأحيانًا مع التجربة الصوفية، إن الرسم الخطي التأملي يقترح طريقة في النظر إليه، ويحفز العين على القراءة بعمق، والعقل على توسيع دائرة المعارف وتجديد زوايا النظر، إنه فنّ الإنصات إلى الخط، وتتبع أثره، والدخول في زمنه الخاص، حيث تتحول اللوحة إلى مساحة صامتة للتفكير، وإلى حوار مفتوح بين الفنان، والذاكرة، والمتلقي.

اعتمادا على التأطير الفني للرسم الخطي التأملي، تقدّم أعمال الفنانة التشكيلية كريمة الحايكي نموذجا دقيقا ومتماسكا لهذا التوجّه، وتجربة تشكيلية تتأسس على استنطاق الخط بوصفه الجوهر الأول للفعل البصري، حيث يتحول من عنصر بنائي بسيط إلى منظومة تعبيرية قادرة على استحضار أبعاد جمالية وروحية وفلسفية متشابكة. ففي منجزها الفني، لا يظهر الخط باعتباره مجرد وسيلة لرسم حدود الأشكال أو تحديد ملامحها الخارجية، وإنما يتجلى ككيان حي يتنامى داخل الفضاء الأبيض، ويعيد تشكيل العلاقة بين الكتلة والفراغ، وبين الشكل وبنيته الداخلية. ومن خلال هذا الاشتغال المكثف على الخط، تنجح كريمة في بناء خطاب بصري يتجاوز التمثيل الواقعي ليقترب من التجريد التأملي الذي يسعى إلى الكشف عن جوهر الأشياء لا مظاهرها السطحية. وبالتالي تنبني التجربة التشكيلية للفنانة على مبدأ التراكم الخطي، حيث تتوالد الخطوط الدقيقة والمتكررة لتشكّل نسيجًا بصريًا معقدًا يشبه في بنيته الأنظمة العضوية في الطبيعة، فالخطوط في أعمالها لا تُرسم باعتبارها وحدات منفصلة أو معزولة، ولكنها تتشابك وتتداخل في مسارات انسيابية تمنح التكوين إحساسًا بالحركة الدائمة والتحول المستمر، ويكشف هذا الأسلوب عن رؤية فلسفية ترى في الخط استعارة لمسارات الحياة ذاتها، حيث لا توجد بدايات حاسمة أو نهايات واضحة، وإنما شبكة متصلة من التجارب والتحولات التي تصوغ الكينونة الإنسانية والطبيعية على حد سواء. في بعض الأعمال، تتخذ التكوينات هيئة شبه عضوية توحي بكائنات تتشكّل عبر تراكم طبقات من الخطوط المنحنية والمتدفقة، فتبدو الكتلة وكأنها وليدة نبض داخلي أو طاقة حيوية كامنة. ويبرز هنا التوظيف الذكي للمساحات السوداء الكثيفة داخل بعض الفراغات الخطية، حيث تعمل هذه المساحات كنقاط ارتكاز بصرية تعمّق الإحساس بالتباين وتمنح التكوين بعدًا دراميًا يعزّز حضوره التعبيري. إن هذا التداخل بين الخطوط الدقيقة والكتل السوداء يخلق توازنا بصريا بين الامتلاء والفراغ، ويعكس في الوقت ذاته صراعًا وجوديًا بين الحضور والغياب، بين الوضوح والغموض.

وفي أعمال أخرى، تنفتح تجربة كريمة على استلهام العالم النباتي، حيث تتجلى الزهور والسيقان والأوراق عبر انسيابات خطية رشيقة تتحرك داخل الفضاء الأبيض وكأنها تيارات حيوية تنمو وتتفرع باستمرار، وتظهر الأزهار غالبا في هيئة انفجارات شعاعية تنطلق من مراكز داكنة، في إشارة رمزية إلى مركزية الحياة وانبثاقها من نقطة أصلية تتوسع نحو الخارج، ويؤدي التكرار الإيقاعي للخطوط داخل الزهور إلى خلق إحساس بالحيوية والانتشار، بينما تحافظ السيقان والأوراق الملتوية على وحدة التكوين من خلال حركة بصرية متصلة تجمع بين عناصر اللوحة في نسيج عضوي متكامل. كما تتسم بعض الأعمال بمنحى تصاعدي عمودي، حيث تتخذ الأشكال النباتية مسارًا حركيًا يوحي بالنمو الطبيعي أو التمدد الحيوي نحو الأعلى، وتزداد كثافة الخطوط في هذه الأعمال، فتتراكم داخل الأوراق والسيقان لتمنح الكتلة إحساسًا بالعمق والامتلاء، بينما يظل البياض المحيط فضاءً مفتوحًا يسمح للتكوين بالتنفس ويمنحه توازنا بصريا دقيقا، ويكشف هذا التباين بين الكثافة الخطية والفراغ الأبيض عن وعي جمالي يقوم على تنظيم العلاقة بين العناصر، بحيث يصبح الفراغ جزءًا فاعلًا في بناء التكوين لا مجرد خلفية محايدة. إن اعتماد الفنانة كريمة على الحبر الأسود فوق خلفية بيضاء يمنح الخط سلطة مطلقة داخل العمل الفني، ويجعل من التباين اللوني (التضاد) وسيلة لتركيز الانتباه على حركة الخطوط وحيويتها.، غير أن هذا الاختيار لا يقتصر على بعده الجمالي، بل يحمل دلالة فلسفية تتصل بثنائية الوجود، حيث يتجاور الأسود بوصفه رمزا للامتلاء والسر، مع الأبيض الذي يشير إلى الصفاء والانفتاح، ومن خلال هذا التقابل، يتحول الخط إلى جسر بصري يعيد صياغة العلاقة بين الظاهر والخفي، وبين الشكل وما يختزنه من طاقات داخلية.

تكشف تجربة كريمة الحايكي عن حسّ تأملي عميق، إذ يبدو الرسم في أعمالها ممارسة زمنية تقوم على التكرار المنضبط للخطوط، بحيث يتحول الفعل الفني إلى طقس بصري يتجاوز الوظيفة الجمالية ليقترب من التجربة الروحية، فالخطوط المتراكمة لا تهندس الأشكال فحسب بقدر ما تعكس فكرة فلسفية مفادها أن الكل ليس سوى حصيلة تراكم جزئيات صغيرة، وأن الجمال ينبثق من انتظام هذه الجزئيات داخل نسيج متكامل، وفي هذا السياق، يصبح الرسم فعلًا من أفعال الوعي، ومحاولة لإعادة قراءة العالم من خلال أبسط عناصره وأكثرها نقاءً.إن أعمال كريمة وإن بدت متقشفة في استعمال المادة، في جوهرها، دعوة إلى التأمل في تفاصيل التكوين البصري، واقتفاء أثر الحياة وكل خط يكمل خطا مساقبا أو مجاورا، حيث يجد المتلقي نفسه أمام تجربة تدفعه إلى تتبع مسارات الخطوط واكتشاف العلاقات الدقيقة التي تربط بين الشكل والفضاء، ومن خلال هذا الاشتغال الواعي على الخط، تنجح الفنانة في بناء لغة تشكيلية تمزج بين التجريد العضوي والرؤية الفلسفية، لتقدّم تجربة فنية تحتفي بالحركة والاستمرارية، وتعيد طرح سؤال الكينونة عبر أبسط الوسائط وأكثرها قدرة على التعبير، الخط الذي هو أصل كل نقط، النقطة تتحول إلى بنية عضوية نابضة، تتجاوز الوصف لتلامس مستويات رمزية وفلسفية أعمق، في لوحة البومة، نلاحظ كيف تُبنى الكتلة كاملة عبر شبكة من الخطوط المنحنية المتتابعة، دون أي اعتماد على التظليل التقليدي أو المنظور الكلاسيكي، الخط هنا لا يرسم الريش بوصفه مظهرًا خارجيًا، ولكنه يكشف عنحركة داخلية، وكأن الجسد يتكوّن من طاقة متدفقة لا من مادة صلبة، العينان الحلزونيتان، المرسومتان بخطوط دائرية متكررة، تحيلان إلى الرؤية العميقة والتأمل، بينما يرسّخ جذع الشجرة، بحلقاته الزمنية، فكرة الذاكرة والتراكم، بهذا المعنى، تظهر البومة كاستعارة للحكمة والزمن والمعرفة المتجذّرة.يتجلّى الرسم الخطي التأملي هنا بوصفه تسجيلًا لزمن الرسم ذاته، إذ يمكن للمتلقي تتبّع مسار الخط، والانخراط في إيقاعه البطيء، ما يحوّل فعل المشاهدة إلى تجربة تأملية تشاركية، هذا ما يجعل العمل قريبًا من التصورات التي قدّمها بول كلي أو شاكر حسن آل سعيد، حيث يصبح الخط أثرًا للفكر لا ظلًا للشكل.

وفي لوحة أخرى تمثل رأس أيل بقرونه المتشعبة، يبرز البعد الرمزي للرسم الخطي التأملي بشكل أوضح، فالقرون المرسومة بخطوط متفرعة ومتداخلة، تستدعي صورة الشجرة أو الجذور، في إحالة مباشرة إلى الاتصال بالطبيعة والقوة البدائية، الرأس نفسه يبدو وكأنه في حالة ذوبان أو تحوّل، إذ تنساب الخطوط إلى الأسفل، فتفكك الشكل وتعيد تركيبه في آن واحد، لا يعود الكائن الحيواني موضوعًا تشريحيًا، وإنما يتحول إلى كيان هجين، يقع بين الواقع والتجريد، بين الثبات والتحوّل.أما اللوحة ذات الطابع التجريدي الخالص، فتشكّل ذروة الاشتغال التأملي على الخط. إذ تختفي المرجعية الشكلية الواضحة، لتحل محلها مسارات خطية متموجة، تشبه تيارات هوائية أو أنسجة حية في حالة تشكّل دائم. هذه الخطوط تقود إلى مركز ثابت، وتخلق فضاءً مفتوحًا، يدعو العين إلى التجوال دون نهاية محددة، حيث يتجلى الرسم الخطي التأملي في أنقى صوره، حيث يصبح الخط تجربة زمنية، لا وسيلة تمثيل.ما يوحّد هذه الأعمال هو التقشف اللوني، والاعتماد على الأبيض والأسود، هو ما يعزز التركيز على الإيقاع الخطي ويمنح اللوحات طابعًا ذهنيًا وصفائيًا، كما أن الإطار الخارجي الصارم، الحاضر في بعض الأعمال، يخلق توترًا بصريًا بين الانضباط والحرية، بين الحدود الهندسية والسيولة العضوية للخطوط.

يمكن القول إن تجربة كريمة في الرسم الخطي التأملي لا تشتغل على الشكل بقدر ما تشتغل على أثره، ولا على الكائن بقدر ما تشتغل على حركته الداخلية. فالخط في أعمالها ليس محايدًا، بل حامل لمعنى، وذاكرة، وإيقاع، ما يجعل لوحاتها فضاءات صامتة للتفكير، ودعوة صريحة إلى التمهّل، والإنصات، والدخول في زمن الخط والخروج من الفوضى العامة التي تشكلها هندسة التشابكات اليومية وضغط الحياة، يمكن النظر إلى أعمالها بوصفها تجربة تشكيلية تمزج بين التجريد العضوي والرسم التأملي، حيث يتحول الخط إلى وسيلة لاستكشاف البنية الخفية للطبيعة والكائنات الحية، إنها تجربة تحتفي بالحركة والاستمرارية، وتدعو المتلقي إلى التأمل في تفاصيل التكوين، واكتشاف العلاقات الدقيقة التي تربط بين الخط والفضاء، وبين الشكل وطبيعته الداخلية المتحوّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى