“الكراء المفضي إلى التملك”بالمغرب: بين طوق النجاة الاجتماعي وإعادة هندسة السياسة السكنية

في خطوة وُصفت بـ“طوق النجاة” للطبقة المتوسطة بالمغرب، كشف كاتب الدولة المكلف بالإسكان، أديب بنبراهيم، خلال جلسة برلمانية، عن إطلاق نموذج سكني جديد يحمل اسم “الكراء المفضي إلى التملك”، من المرتقب الشروع في تفعيله ابتداءً من عام 2026. ويهدف هذا النموذج إلى تمكين المواطنين من الولوج التدريجي إلى ملكية السكن، عبر آلية هجينة تجمع بين الكراء والاقتناء، في سياق اجتماعي واقتصادي يتسم بتصاعد كلفة العيش واحتدام أزمة السكن بالمدن الكبرى. لا يمكن فهم هذا التوجه الحكومي بمعزل عن التحولات العميقة التي يعرفها المشهد الحضري المغربي. فقد أفرز التوسع العمراني المتسارع، وارتفاع الطلب على السكن، وضعف القدرة الشرائية، اختلالات بنيوية في سوق العقار، جعلت التملك حلمًا مؤجلًا لفئات واسعة من الطبقة المتوسطة، ناهيك عن الفئات الهشة. كما ساهمت المضاربات العقارية وارتفاع أسعار الفائدة البنكية في تعميق الهوة بين الدخل الفردي وكلفة السكن، ما حوّل الكراء من حل انتقالي إلى عبء دائم يستنزف الموارد الأسرية دون أفق للتملك.

يقوم النموذج الجديد على تمكين المكتري من الاستفادة من خصم يناهز 20% من أقساط الكراء الشهرية، على أن تُحتسب هذه الأقساط، جزئيًا أو كليًا، كحصص ادخار تُراكم لفائدة المكتري، وتُحتسب لاحقًا ضمن ثمن الشقة. وبذلك، يتحول الكراء من نفقة استهلاكية صِرفة إلى استثمار تدريجي في الملكية. وتكمن أهمية هذا التصور في كونه يخفف الضغط الفوري عن الأسر، ويمنحها زمنًا كافيًا لتثبيت أوضاعها المالية، دون الارتهان المبكر للقروض البنكية أو الالتزامات الثقيلة. كما يُفترض أن يُنظم هذا النظام بعقود واضحة تحمي حقوق الطرفين، وتحدد شروط التحول من الكراء إلى التملك بشكل شفاف. يحمل هذا المشروع في طياته رهانات تتجاوز البعد السكني الضيق، ليطال الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. فمن جهة، يُمكن لهذا النموذج أن يعيد الثقة للطبقة المتوسطة في السياسات العمومية، بعدما شعرت لسنوات بأنها خارج دائرة الدعم المباشر. ومن جهة ثانية، قد يُساهم في الحد من التوسع العشوائي ومن الهجرة القسرية نحو الهوامش الحضرية، عبر توفير بدائل سكنية مرنة داخل النسيج الحضري المنظم.

اقتصاديًا، يُرتقب أن ينعش هذا البرنامج قطاع البناء والعقار، شريطة ألا يتحول إلى مجال جديد للمضاربة أو الرفع غير المبرر للأسعار. كما يمكن أن يخفف الضغط على النظام البنكي، عبر تقليص اللجوء المكثف إلى القروض طويلة الأمد، وما يرافقها من مخاطر التعثر. يُطرح “الكراء المفضي إلى التملك” كذلك كآلية لمواجهة المضاربات العقارية، التي حولت السكن في كثير من الحالات إلى سلعة مالية أكثر منه حقًا اجتماعيًا. فإذا ما تم ضبط هذا النظام بنصوص قانونية صارمة، وحددت الفئات المستفيدة بدقة، يمكن أن يُساهم في إعادة توجيه العرض العقاري نحو الاستجابة للحاجيات الحقيقية للسكان، بدل منطق الربح السريع. غير أن هذا الرهان يبقى مشروطًا بقدرة الدولة على المراقبة والتنظيم، وبمدى انخراط المنعشين العقاريين في رؤية اجتماعية طويلة النفس، لا تكتفي بالاستفادة من التحفيزات دون التزام فعلي بأهداف البرنامج.

رغم الطابع الواعد لهذا المشروع، تظل عدة أسئلة معلقة: ما هي معايير الاستفادة؟ وكيف سيتم تحديد سقف الأسعار؟ وما الضمانات القانونية للمكتري في حال تعثره المؤقت؟ ثم ما موقع هذا النموذج ضمن السياسة السكنية الشاملة، وهل سيكون بديلاً أم مكملاً لبرامج الدعم المباشر؟، إن نجاح “الكراء المفضي إلى التملك” رهين بوضوح الإطار القانوني، وبحكامة تدبيرية صارمة، وبإشراك فعلي للجماعات الترابية والفاعلين الاجتماعيين. كما يتطلب مواكبة تواصلية تشرح للمواطنين حقوقهم وواجباتهم، تفاديًا لأي التباس أو استغلال. يُمثل إطلاق نموذج “الكراء المفضي إلى التملك” محاولة جريئة لإعادة التفكير في الحق في السكن بالمغرب، عبر مقاربة مرنة تستجيب لتعقيدات الواقع الاجتماعي والاقتصادي. وإذا ما أُحسن تنزيله، فقد يشكل بالفعل طوق نجاة للطبقة المتوسطة، وخطوة نوعية نحو سياسة سكنية أكثر عدالة واستدامة، تنتقل من منطق الامتلاك الفوري إلى منطق التمكين التدريجي والكرامة الاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى