قراءة في الجذور والرمزية والتحولات المعاصرة لإخف ن يناير



يمثل لنا كأمازيغ شمال إفريقيا عامة، الاحتفال بالسنة الأمازيغية « إخف ن يناير » ظاهرة ثقافية مركبة، تتجاوز بعدها الاحتفالي الظرفي لتغدو نسقًا رمزياً متكاملاً، تتقاطع داخله أبعاد الزمن والذاكرة والهوية والممارسة الاجتماعية. فـ« إخف ن يناير » لا يُختزل في كونه مناسبة دورية مرتبطة بتقويم زمني محدد، بل يشكل بنية دلالية وثقافية عميقة في التاريخ وتعكس بذلك تمثلات الإنسان الأمازيغي للزمن بوصفه زمناً دائرياً مرتبطاً بإيقاعات الطبيعة والدورة الزراعية المتميزة بشمال افريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط ، لا زمناً خطياً محضاً. ومن خلال هذا التصور، نلمس معالم تجلى العلاقة العضوية بين الإنسان الامازيغي والأرض، حيث يتحول ويرتقي الزمن إلى فضاء رمزي لإعادة إنتاج معنى الانتماء والاستمرارية التاريخية.لقد حافظ هذا الاحتفال السنوي على حضوره داخل كل المجتمعات المحلية الأمازيغية عبر قرون طويلة، كآلية ثقافية ديناميكية مرنة استطاعت التكيف مع التحولات والتقلبات السياسية والدينية والاقتصادية الجارفة التي عرفتها منطقة شمال أفريقيا “تامزغا”. فقد تجاوز « إخف ن يناير » فترات التغير العميق، من التحولات الإمبراطورية إلى التحولات الدينية، ومن أنماط الاقتصاد التقليدي إلى مظاهر التحديث، دون أن يفقد جوهره الرمزي والدلالي . ويعكس قوة هذا الاستمرار في قدرة الثقافة الأمازيغية على إعادة إنتاج ذاتها من خلال الطقوس، والذاكرة الشفوية، والممارسات الجماعية التي ضمنت انتقال هذا الموروث عبر إلى يومنا هذا.
وتتجلى راهنية موضوع السنة الأمازيغية في كونه أضحى، خلال العقود الأخيرة، مجالاً لتفاعل معقد بين الذاكرة التاريخية والبحث الأكاديمي والسياسات الثقافية المعاصرة. فقد شهد « إخف ن يناير » عملية إعادة إحياء وتثمين ضمن سياق عام اتسم بتصاعد الاهتمام بالثقافات المحلية وبالحقوق اللغوية والثقافية، خاصة في ظل الاعتراف الدستوري بالأمازيغية بوصفها مكوناً أصيلاً من مكونات الهوية الوطنية المغربية. وضمن هذا الإطار، لم يعد الاحتفال بالسنة الأمازيغية مجرد ممارسة اجتماعية محلية، بل تحول إلى رمز ثقافي وطني ذي أبعاد سياسية وثقافية. وتفرض هذه التحولات مقاربة علمية نقدية، تتجاوز القراءة الاحتفالية أو التمجيدية، لتعمل على تفكيك الجذور التاريخية والرمزية للسنة الأمازيغية، وتحليل وظائفها الاجتماعية والأنثروبولوجية، والكشف عن آليات تشكلها وإعادة إنتاجها في السياق المعاصر. كما تقتضي هذه المقاربة تحديد حدودها المعرفية، خاصة في ما يتعلق بأسسها التاريخية والكرونولوجية، دون السقوط في نفي قيمتها الثقافية أو التقليل من أهميتها الرمزية. فالدراسة العلمية لا تهدف إلى نزع الشرعية عن الممارسات الثقافية، بل إلى فهمها ضمن شروطها التاريخية والاجتماعية، وإدراك دورها في بناء المعنى والهوية داخل المجتمع الأمازيغي .وبهذا المعنى، يشكل الاحتفال بالسنة الأمازيغية « إخف ن يناير » مدخلاً أساسياً لفهم دينامية الثقافة الأمازيغية، وعلاقتها بالزمن والذاكرة والسلطة والهوية، كما يتيح مساءلة أوسع لآليات اشتغال الذاكرة الجماعية في المجتمعات المغاربية، وكيفية تحويل الماضي إلى مورد رمزي فاعل في الحاضر.
أولاً: التأصيل التاريخي للسنة الأمازيغية بين الوقائع والرمز
- شيشنق الأول في التاريخ القديم
يرتبط التقويم الأمازيغي، في صيغته المعاصرة، بسنة950 قبل الميلاد، التي تُوافق صعود الملك الأمازيغي شيشنق الأول (Sheshonq I) إلى عرش مصر القديمة وتأسيسه للأسرة الثانية والعشرين. ويُعد هذا الارتباط اختيارًا ذا دلالة تاريخية ورمزية في آن واحد، إذ يستند إلى واقعة سياسية موثقة في المصادر المصرية القديمة، وفي الوقت نفسه يعكس سعيًا حديثًا لإعادة تأويل التاريخ الأمازيغي ضمن أفق الذاكرة الجماعية. تؤكد النقوش الهيروغليفية والسجلات الملكية، ولا سيما ما ورد في معابد الكرنك ، أن شيشنق الأول ينحدر من أصول ليبية (أمازيغية)، تحديدًا من قبائل المشواش (Meshwesh)، وهي قبائل أمازيغية استقرت في دلتا النيل منذ أواخر الدولة الحديثة، ونجحت تدريجيًا في الاندماج داخل البنية العسكرية والسياسية المصرية. وقد مكّن هذا التمركز الجغرافي والاجتماعي النخب الأمازيغية من التحول من موقع “المرتزقة” أو “الحلفاء” إلى موقع الفاعل السياسي المركزي.

يمثل اعتلاء شيشنق الأول العرش لحظة مفصلية في تاريخ مصر القديمة وشمال أفريقيا، إذ يعكس انتقال الأمازيغ من هامش السلطة الإمبراطورية إلى مركزها، ومن منطق التبعية العسكرية إلى منطق السيادة السياسية. ولم يكن هذا الصعود حدثًا معزولًا أو طارئًا، بل ثمرة مسار طويل من التفاعل الحضاري، والتثاقف السياسي، وإعادة توزيع موازين القوة داخل الفضاء المتوسطي القديم. وقد تميز حكم شيشنق الأول بمحاولته إعادة الاستقرار السياسي لمصر بعد مرحلة من التفكك الداخلي، كما قام بحملات عسكرية موثقة في المشرق، ذُكرت في بعض المصادر التوراتية تحت اسم شيشق، وهو ما يعكس الامتداد الجيوسياسي لحكمه، ويؤكد أن السلطة الأمازيغية في مصر لم تكن مجرد حكم محلي محدود، بل سلطة إقليمية ذات إشعاع سياسي وعسكري.غير أن أهمية شيشنق الأول في الذاكرة الأمازيغية المعاصرة لا تكمن فقط في كونه ملكًا حكم مصر، بل في كونه رمزًا تاريخيًا لإمكانية الفعل الأمازيغي داخل التاريخ الكوني. فاختياره كنقطة انطلاق للتقويم الأمازيغي الحديث لا يعني بالضرورة أن الأمازيغ لم يكونوا يمتلكون تصورًا للزمن قبل هذا التاريخ، بل يعكس رغبة حديثة في تثبيت حدث موثق، قابل للضبط الكرونولوجي، ليكون مرجعًا زمنيًا جامعًا.من هذا المنظور، تتحول سنة 950 ق.م من مجرد تاريخ سياسي إلى بنية رمزية تؤسس لوعي زمني أمازيغي جديد، يربط بين الأرض (تامازغا)، والسلطة، والذاكرة التاريخية، ويُعيد إدماج الأمازيغ في سردية التاريخ المتوسطي بعيدًا عن منطق الإقصاء أو التهميش الذي وسم الكتابات الكلاسيكية والاستعمارية على حد سواء.وعليه، فإن التقويم الأمازيغي، وإن كان في شكله الحالي بناءً حديثًا، إلا أنه يستند إلى وقائع تاريخية صلبة، ويُجسد في عمقه محاولة ثقافية وسياسية لإعادة امتلاك الزمن، بوصفه أحد أهم رهانات الهوية والاعتراف.
- التقويم الأمازيغي: بناء ثقافي معاصر
في هذا السياق، يكتسي التقويم الأمازيغي دلالة ثقافية تتجاوز البعد الكرونولوجي الصرف، ليغدو ممارسة رمزية واعية تستهدف إعادة تنظيم العلاقة بين الزمن والهوية. فغياب أدلة تاريخية قاطعة تؤكد وجود تقويم سياسي أمازيغي موحّد في العصور القديمة لا يعني فراغًا زمنيا أو قصورًا حضاريا، بل يعكس طبيعة التنظيم الاجتماعي للمجتمعات الأمازيغية، التي تأسست على أنماط عيش فلاحية ورعوية، جعلت من الدورة الشمسية والفصول الزراعية المرجع الأساسي لضبط الزمن وتنظيم الحياة اليومية. لقد كان الزمن، في هذا السياق، زمناً معاشاً ومرتبطاً بالإنتاج والخصوبة والطقوس الجماعية، أكثر منه زمناً مؤرخاً وفق منطق الدولة المركزية أو السلطة السياسية.ومن هذا المنطلق، فإن اعتماد سنة 950 ق.م. كبداية رمزية للتقويم الأمازيغي المعاصر يُفهم بوصفه فعلاً تأويلياً حديثاً، يستثمر حدثاً تاريخياً ذا حمولة رمزية قوية، يتمثل في صعود شيشنق الأول، ليس بهدف الادعاء بامتداد تقويمي متصل تاريخياً، بل بغرض بناء مرجعية زمنية تعيد إدماج الأمازيغ في سردية التاريخ المتوسطي القديم. وهنا يتقاطع التقويم الأمازيغي مع ما يسميه بول ريكور بـ«إعادة كتابة الذاكرة»، حيث لا تُستعاد الوقائع كما كانت، بل تُعاد صياغتها ضمن أفق دلالي يخدم الحاضر ويمنحه عمقاً تاريخياً.

وبذلك، يندرج التقويم الأمازيغي ضمن ما تصفه الدراسات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية بـ«الذاكرة المُعاد تشكيلها» أو Mémoire reconstruite، أي تلك الذاكرة التي تُنتج عبر انتقاء رموز وأحداث تاريخية، وإعادة شحنها بدلالات هوياتية معاصرة. فالتقويم هنا لا يؤدي وظيفة توثيقية صرفة بقدر ما يضطلع بدور ثقافي وسياسي ناعم ، يتمثل في ترسيخ الإحساس بالاستمرارية التاريخية، ومقاومة التهميش الرمزي الذي طال الوجود الأمازيغي في الكتابات الرسمية والتمثلات الجماعية.وعليه، فإن القيمة العلمية والثقافية للتقويم الأمازيغي لا تكمن في مدى «أصالته التاريخية» بالمعنى الوثائقي الصارم، بل في قدرته على أداء وظيفة رمزية فاعلة داخل الحقل الثقافي المعاصر. إنه تقويم للهوية بقدر ما هو تقويم للزمن، وأداة لإعادة التوازن بين الذاكرة المحلية والسرديات التاريخية المهيمنة، ما يجعله مثالاً دالاً على كيفية تشكل الرموز الثقافية الحديثة في سياق إعادة بناء الذات الجماعية.
ثانياً: يناير والبعد الزراعي – أنثروبولوجيا الزمن الفلاحي
- يناير كبداية للسنة الفلاحية: الزمن الطبيعي مقابل الزمن التاريخي
يُعدّ الاحتفال بـ« إخف ن يناير » تجسيداً واضحاً لما يسميه الأنثروبولوجيون الزمن الدوري (Temps cyclique)، المرتبط مباشرة بإيقاع الطبيعة والفصول الزراعية، في مقابل الزمن الخطي الذي تؤطره الدول والديانات والتواريخ الرسمية. ففي المجتمعات الأمازيغية التقليدية، لم يكن الزمن يُقاس بالأحداث السياسية أو الوقائع التاريخية الكبرى، بل بدورة الأرض، ونمو النبات، وتعاقب مواسم الحرث والحصاد ومواسم وأعياد الفواكه. ويتزامن حلول إخف ن يناير مع بداية موسم الحرث في مناطق واسعة من شمال إفريقيا، خصوصاً في الأطلس المتوسط، والريف، وسهول سايس وتادلة، حيث تبدأ الأرض في استقبال البذور بعد مرحلة من السكون الشتوي النسبي. ومن ثم، فإن يناير لا يمثل مجرد انتقال زمني شكلي، بل يشكل عتبة رمزية (Seuil rituel) بين زمنين:
- زمن التوقف والترقب
- وزمن الفعل والإنتاج
من هذا المنظور، يُفهم إخف ن يناير باعتباره طقس عبور فلاحي (Rite de passage agricole)، تُعاد من خلاله هيكلة العلاقة بين الإنسان والأرض، وفق تصور كوني يرى في الطبيعة كياناً حياً يستجيب للطقوس والاحتفاء والاحترام.وقد أشار مارسيل موس إلى أن المجتمعات الزراعية التقليدية تُسقِط على الزمن خصائص أخلاقية ورمزية، حيث يصبح لكل لحظة زمنية «قيمة» و«وظيفة» داخل النسق الثقافي، وهو ما ينطبق بوضوح على إخف ن يناير. باعتباره زمناً مشحوناً بالرجاء والتفاؤل والخصوبة.
- الطعام الطقوسي ودلالاته الرمزية: من التغذية إلى السيمياء الزراعية
تلعب الأطعمة الطقوسية، وعلى رأسها الكسكس وطبق «أوركيمن» أو « تاكلا » في بعض المناطق، دوراً محورياً في احتفالات إخف ن يناير ، باعتبارها وسائط رمزية تتجاوز الوظيفة الغذائية المباشرة. فالكسكس، المركب أساساً من القمح أو الشعير أو الدرة ، يمثل خلاصة العمل الزراعي السنوي ، بدءاً من الحرث، مروراً بالحصاد، وصولاً إلى الطحن والطهي، ما يجعله تجسيداً مادياً لعلاقة الإنسان بالأرض والزمن.ومن منظور الأنثروبولوجيا الغذائية، لا يُنظر إلى الطعام في الطقوس بوصفه مادة للاستهلاك فقط، بل باعتباره لغة ثقافية تحمل شفرات رمزية. فالاحتفاء الجماعي بالكسكس في يناير يُحيل إلى:
- فكرة الوفرة واستدعائها رمزياً في بداية السنة
- مبدأ التقاسم الجماعي، حيث يُلغى التمايز الاجتماعي لصالح الجماعة
- استحضار الذاكرة الزراعية المشتركة
أما طبق «أوركيمن»، المرتبط غالباً بالحبوب والمنتجات الزراعية المحلية، فيؤكد مركزية الأرض كمصدر للحياة، ويُحمَّل بدلالات وقائية، حيث يُعتقد، رمزياً، أنه يضمن موسماً فلاحياً خصباً ويقي من القحط وسوء الحظ.ويرى كلود ليفي-شتراوس أن الطقوس الغذائية تمثل شكلاً من أشكال التفكير الرمزي، حيث تتحول المواد الطبيعية إلى عناصر ثقافية محمّلة بالمعنى. وفي السياق الأمازيغي، يُمكن قراءة طقوس إخف ن يناير الغذائية باعتبارها فعل تفاوض رمزي مع الطبيعة، يُطلب من خلالها العطاء مقابل الاحترام والاحتفال.
- يناير كآلية لإعادة إنتاج النظام الاجتماعي الفلاحي
لا يقتصر الاحتفال بإخف ن يناير على بعده الزراعي المباشر، بل يؤدي وظيفة اجتماعية وثقافية عميقة تتمثل في إعادة إنتاج النظام القيمي للمجتمع الأمازيغي. فالطقس، بما يتضمنه من إعداد جماعي للطعام، وزيارات عائلية، وتبادل التهاني، هي منظومة من القيم الانسانية التي تعزز:
- التضامن الأسري والقبلي
- نقل المعارف والثقافة والخبرات الزراعية بين الأجيال
- ترسيخ علاقة الإنسان بالمجال الطبيعي والارتباط بالأرض
ووفق مقاربة بيير بورديو، فإن هذه الممارسات تدخل ضمن ما يسميه «الهابيتوس» الفلاحي، أي منظومة الاستعدادات الذهنية والسلوكية التي تُعيد إنتاج المجتمع دون وعي منه.يتضح أن يناير، في بعده الزراعي، ليس مجرد تاريخ احتفالي، بل هو بنية ثقافية معقدة تُنظّم الزمن، وتُؤطر العلاقة مع الأرض، وتعيد إنتاج الهوية الجماعية عبر الطقس والغذاء والذاكرة. ومن ثم، فإن اختزال يناير في بعد فولكلوري أو احتفالي سطحي يُفقده عمقه الأنثروبولوجي، باعتباره نظاماً رمزياً متكاملاً يربط الإنسان الأمازيغي بالكون، والزمن، والخصوبة.
ثالثاً: الطقوس والممارسات الرمزية – قراءة أنثروبولوجية
- طقوس التفاؤل وطرد النحس
تشمل احتفالات إخف ن يناير طقوسًا رمزية تهدف إلى طرد النحس واستقبال الخير، حيث يقوم الأفراد والجماعات الامازيغية بتغيير الأواني القديمة، تنظيف وصباغة المنازل، وإعادة ترتيب الفضاءات المعيشية في حلة جديدة . يُنظر إلى هذه الطقوس وفق المنظور الأنثروبولوجي على أنها آليات رمزية للتفاعل مع الزمن الجديد؛ فالعام الجديد يمثل بداية خالية من الشؤم، وفرصة لتصفية الطاقات السلبية وتجديد العزيمة الفردية والجماعية.من الناحية النفسية، تؤدي هذه الطقوس وظيفة تخفيف القلق الجماعي المرتبط بالمستقبل الزراعي والمناخي، إذ إن الفلاح في المجتمع الأمازيغي يظل مرتبطًا بشكل وثيق بتقلبات الطبيعة وموسمية المطر، وبالتالي فإن ممارسة هذه الطقوس تمنحه شعورًا بالتحكم الرمزي في مصيره، وهو ما أكدته الدراسات الأنثروبولوجية حول الطقوس الزراعية في شمال إفريقيا، حيث ترتبط الطقوس بالتحكم في المخاطر الطبيعية ومواجهة المجهول (Lévi-Strauss, 1962).
إضافة إلى ذلك، تحمل الطقوس بعدًا سيميائيًا، فهي تعكس القيم الرمزية المرتبطة بالخصوبة، الخير، وتجديد الحياة. فمثلًا، تنظيف البيت قد يُفسر كرمزية لإزالة الطاقات السلبية القديمة، بينما إدخال أدوات جديدة يشير إلى انطلاقة جديدة في دورة الحياة والزراعة، بما يربط بين الرموز اليومية والوعي بالزمن الاجتماعي والزراعي.
- الطقس كآلية لإعادة إنتاج النظام الاجتماعي
لا تُمارس طقوس إخف ن يناير بشكل فردي، بل في إطار جماعي، حيث يشترك الأهل والجيران والمجتمع المحلي في الاحتفال والطقوس المصاحبة. هذا الطقس الجماعي يُعد أداة لإعادة إنتاج النظام الاجتماعي وتثبيت انتقاله وامتداده في المستقبل، إذ يُعزز الروابط الأسرية والجماعية، ويساهم في ترسيخ القيم المشتركة مثل التعاون، التضامن، واحترام التقاليد.من منظور أنثروبولوجي، تلعب الطقوس دورًا في نقل الموروث الثقافي بين الأجيال، فهي تمنح الأطفال والمراهقين فرصة مباشرة للتعلم الرمزي والمشاركة في الممارسات الجماعية، وبالتالي تكريس الانتماء المجتمعي. كما أن الاحتفال الجماعي بالسنة الجديدة يخلق إيقاعًا اجتماعيًا دورياً، يعيد تأكيد التوازن بين الفرد والمجتمع والطبيعة، ويجعل من الزمن الزراعي محورًا أساسيًا في بنية الحياة الاجتماعية.يمكن أيضًا تفسير الطقس الجماعي من خلال النظرية الوظيفية لطوماس بارسونز، التي ترى أن الممارسات الرمزية الجماعية تساهم في استقرار المجتمع والحفاظ على هويته الثقافية، لأنها تربط الأفراد بالقيم والأعراف الجماعية وتخلق شعورًا بالاستمرارية التاريخية.
رابعاً: السنة الأمازيغية والهوية الثقافية
- إخف ن يناير كرمز للهوية الأمازيغية
أصبح إخف ن يناير ، في السياق المعاصر، رمزاً مركزياً للهوية الأمازيغية، ومنصة للتعبير عن الانتماء الثقافي الأمازيغي، خاصة في ظل التحولات السياسية التي عرفتها شمال إفريقيا والمغرب بالخصوص، وعلى رأسها دسترة الأمازيغية كلغة رسمية واتخاذ يوم 14 يناير يوم عطلة وطنية.ويمثل هذا الاحتفال شكلاً من أشكال المقاومة الرمزية ضد التهميش الثقافي، وسعياً لإعادة الاعتبار للثقافة الأمازيغية داخل الفضاء العمومي المغربي. و رغم حمولة إخف ن ينايرالهوياتية، فإن الاحتفال به لا يتخذ طابعاً إقصائياً، بل يُمارَس اليوم من طرف فئات اجتماعية متعددة، ناطقة وغير ناطقة بالأمازيغية، مما يعكس طبيعته المنفتحة واندماجه في النسيج الثقافي المغربي العام.
خامساً: التعدد الجهوي ووحدة الرمز
تختلف مظاهر الاحتفال بالسنة الأمازيغية من منطقة إلى أخرى، سواء في نوع الأطعمة أو الطقوس أو التسميات، غير أن هذا التعدد لا يُلغي وحدة الرمز الزمني والثقافي لإخف ن يناير. ويعكس هذا التنوع قدرة الثقافة الأمازيغية على التكيف مع السياقات المحلية، مع الحفاظ على مرجعيتها الرمزية الخاصة والمشتركة، وهو ما يؤكد طابعها الدينامي وغير الجامد.

خاتمة
تُظهر الدراسة العلمية للسنة الأمازيغية أن الاحتفال بـ« إخف ن يناير » يتجاوز الفعل المناسباتي التقليدي الدوري، ما يجعله يرقى إلى بنية ثقافية مركبة جامعة، تتشابك فيها مستويات متعددة من الدلالة والمعنى. فهو يشكل مساحة للتقاطع بين الذاكرة التاريخية الجماعية، والتقاليد الزراعية المرتبطة بدورة الفلاحة، والوظائف الاجتماعية التي تعزز التضامن والهوية المحلية، فضلاً عن البعد الرمزي الذي يحيل إلى أساطير الزمن والمواسم، ويجسد سعي الإنسان الأمازيغي لفهم الطبيعة وتحويلها إلى نظام متكامل من المعاني.كما يُبرز التقويم الأمازيغي، على الرغم من كونه بناءً رمزياً حديثاً من الناحية السياسية والتأريخية، جذوراً أنثروبولوجية عميقة، تعكس أقدم أساليب تنظيم الزمن في شمال أفريقيا. فهو يعكس قدرة الثقافة الأمازيغية على إعادة إنتاج الزمن، وتحويل الذاكرة التاريخية إلى أداة للمعنى، واستثمارها في تعزيز الانتماء الجماعي والهوية الثقافية.
إن السنة الأمازيغية “إخف ن يناير “، بهذا المعنى، تمثل نموذجاً حياً لكيفية تلاقي الماضي العميق مع التحولات الحديثة، إذ تجمع بين الحفاظ على الجذور الثقافية وبين استيعاب المتغيرات الاجتماعية والسياسية. وهي بذلك فضاء للتفاعل الثقافي والاجتماعي بين الإنسان والطبيعة، وبين الفرد والمجتمع، وبين الذاكرة والتجديد، وتؤكد على دورها في صون الهوية والتواصل بين الأجيال، لتبقى هذه الاحتفالات رمزاً للاستمرارية والارتباط بالجذور، وفي الوقت ذاته مرآة للتحديات والرهانات المعاصرة التي تواجه المجتمعات الأمازيغية في شمال أفريقيا.