الكنيست الإسرائيلي يقرّ يوما وطنيا لتخليد هجرة يهود المغرب: ذاكرة جماعية بين التكريم والرهانات السياسية

مع مطلع عام 2026 صادق الكنيست الإسرائيلي (البرلمان الإسرائيلي مكون من 120 نائبا) على مشروع قانون جديد يقضي بإقرار يوم وطني سنوي لتخليد ذكرى هجرة يهود المغرب إلى إسرائيل، واستحضار أسماء الذين لقوا حتفهم خلال محاولاتهم الوصول إلى إسرائيل، في خطوة اعتُبرت ذات أبعاد رمزية وسياسية وثقافية متداخلة. وجاء هذا التشريع بمبادرة من حركة “شاس”، التي تُعدّ أحد أبرز الأحزاب الممثلة لليهود الشرقيين، وخاصة ذوي الأصول المغربية، داخل الساحة السياسية الإسرائيلية. وتقدّم بمشروع القانون رئيس الكتلة البرلمانية لحركة “شاس”، النائب ينون أزولاي، والذي ينص على تخصيص يوم 23 من شهر “طيفيت” العبري من كل عام يوماً وطنياً للذكرى والتقدير. ويقع هذا التاريخ عادة ما بين أواخر ديسمبر وبداية يناير، ليكون مناسبة رسمية تستحضر ما وُصف بتضحيات المهاجرين اليهود القادمين من المغرب، والظروف القاسية التي رافقت هجرتهم في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم. ويُرتقب أن يشمل إحياء هذا اليوم تنظيم جلسة خاصة داخل الكنيست، تُخصّص لاستحضار تلك المرحلة التاريخية، إلى جانب عقد مؤتمر وطني يشارك فيه مسؤولون سياسيون وباحثون وممثلون عن الجالية المغربية اليهودية. كما ينص القانون على إدماج أنشطة تربوية داخل المنظومة التعليمية الإسرائيلية، تهدف إلى تعريف الأجيال الجديدة بقصة الهجرة، وتسليط الضوء على ما يراه أصحاب المبادرة مظاهر تفانٍ وتضحية طبعت مسار اليهود المغاربة في انتقالهم من شمال إفريقيا إلى المشرق.وعقب المصادقة على مشروع القانون، عبّر رئيس حركة “شاس”، أريي درعي، عن ترحيبه الكبير بهذه الخطوة، معتبراً إياها “محطة ذات دلالة عميقة” في تاريخ الطائفة اليهودية المغربية داخل إسرائيل. ونقلت عنه الصحافة الإسرائيلية قوله إن هذا اليوم يمثل “إغلاقاً لدائرة طويلة من النسيان”، مؤكداً أن الوقت قد حان لكي تتذكر الدولة الإسرائيلية، على حد تعبيره، الآباء والأجداد الذين “ضحّوا بأنفسهم من أجل الهجرة إلى إسرائيل، والحفاظ على التقاليد الدينية والإيمان والتراث العائلي”وأضاف درعي أن الاعتراف الرسمي بهذه الذاكرة الجماعية لا يندرج فقط في إطار التكريم الرمزي، بل يشكل أيضاً خطوة باتجاه إعادة الاعتبار لجماعة لعبت دوراً محورياً في بناء المجتمع الإسرائيلي، سواء على المستوى الديمغرافي أو الثقافي أو السياسي. كما اعتبر أن هذا القانون يكرّس حضور اليهود الشرقيين في الذاكرة الوطنية الإسرائيلية، بعد عقود من هيمنة السرديات المرتبطة بالهجرة الأوروبية.

ويستند اختيار هذا اليوم، بحسب المصادر ذاتها، إلى حدث مأساوي شكّل إحدى أبرز محطات تلك الهجرة، يتمثل في غرق سفينة “إيغوز” سنة 1961، أثناء محاولتها نقل مجموعة من اليهود المغاربة سراً إلى إسرائيل. وقد أسفر الحادث عن مصرع 44 شخصاً، بينهم رجال ونساء وأطفال، ما جعل منه رمزاً لمعاناة المهاجرين ومخاطر الرحلة التي خاضها كثيرون بدافع الأمل في الاستقرار داخل الدولة العبرية الفتية آنذاك.

جدير بالذكر أن الجالية اليهودية المغربية في إسرائيل تعد واحدة من أكبر التجمعات اليهودية من أصول غير أوروبية داخل إسرائيل. وتشير تقديرات رسمية وغير رسمية إلى أن عدد الإسرائيليين من أصول مغربية يناهز المليون نسمة، ما يجعلهم ثاني أكبر مجموعة إثنية بعد اليهود القادمين من الاتحاد السوفياتي السابق.

وتعود بدايات الهجرة الجماعية لليهود المغاربة إلى السنوات التي أعقبت قيام إسرائيل سنة 1948، حين بدأت موجات نزوح متتالية نحو الأراضي الفلسطينية، في سياق إقليمي ودولي اتسم بتصاعد التوترات السياسية في الشرق الأوسط، وتنامي الشعور بعدم الاستقرار داخل عدد من بلدان شمال إفريقيا. وتكثفت هذه الهجرة خلال خمسينيات وستينيات القرن المنصرم، عبر قنوات مختلفة، منها الهجرة الفردية، ومنها العمليات المنظمة التي أشرفت عليها مؤسسات صهيونية، أبرزها عملية “ياخين” التي نُفذت بين عامي 1961 و1964، وأسفرت عن نقل عشرات الآلاف من اليهود المغاربة إلى إسرائيل.

وبعد استقرارهم في إسرائيل، واجه اليهود المغاربة واقعاً اجتماعياً جديداً، اتسم في بداياته بصعوبات الاندماج في مجتمع كانت تهيمن عليه النخب الأشكنازية القادمة من أوروبا. فقد عانى كثير منهم من أوضاع اقتصادية هشة، ومن التهميش في مجالات التعليم والعمل والسكن، وهو ما انعكس في توترات اجتماعية شهدتها إسرائيل خلال العقود الأولى من عمرها. ومع ذلك، تمكنت الأجيال اللاحقة من تحقيق صعود تدريجي داخل هرم المجتمع، حيث تقلد أبناء الجالية المغربية مناصب مهمة في الجيش والإدارة والأحزاب السياسية. وعلى الصعيد الثقافي، ترك اليهود المغاربة بصمة واضحة في المشهد الإسرائيلي، من خلال الموسيقى الشعبية والأغنية الشرقية، والمطبخ الذي أدخل أطباقاً مغربية أصبحت اليوم جزءاً من الهوية الغذائية الإسرائيلية، فضلاً عن العادات الاجتماعية التي ساهمت في إغناء النسيج الثقافي المتعدد داخل البلاد. كما لعب الحاخامات القادمون من المغرب دوراً في الحفاظ على تقاليد دينية متميزة، أسهمت في إعادة تشكيل الخريطة الروحية لليهود الشرقيين في إسرائيل.

ورغم هذا المسار التصاعدي، لا يزال النقاش قائماً داخل المجتمع الإسرائيلي حول إرث التمييز الذي تعرّض له اليهود القادمون من البلدان العربية، ومن بينهم المغاربة، في العقود الأولى بعد الهجرة. إذ تشير دراسات اجتماعية إلى أن الفوارق في الدخل والتعليم والتمثيل السياسي بين اليهود الأشكناز والشرقيين لم تُمحَ بالكامل، على الرغم من التقدم الذي تحقق في العقود الأخيرة. وفي هذا السياق، يرى بعض المراقبين أن إقرار يوم وطني لتخليد ذكرى هجرة يهود المغرب لا يخلو من بعد رمزي يرمي إلى معالجة جزء من هذا الإرث، عبر إدماج سردية اليهود الشرقيين في الذاكرة الوطنية الرسمية. وفي بعده السياسي الراهن، يتقاطع هذا القانون مع السياق الإقليمي الجديد الذي تشكّل عقب استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل سنة 2020، في إطار اتفاقيات أبراهام. فقد اعتبر مسؤولون مغاربة، في أكثر من مناسبة، أن “الوجود الواسع للجالية اليهودية المغربية داخل إسرائيل شكّل أحد الجسور الأساسية التي سهّلت عودة التواصل الرسمي بين البلدين، بعد عقود من القطيعة الدبلوماسية”. ويرى متابعون أن الاعتراف الإسرائيلي المتزايد بإسهامات اليهود المغاربة، سواء عبر هذا القانون أو عبر مبادرات ثقافية وإعلامية أخرى، يحمل أيضاً رسالة سياسية موجهة إلى الرباط، مفادها أن الروابط التاريخية والإنسانية بين البلدين ما زالت تشكل رصيداً يمكن البناء عليه في مسار العلاقات الثنائية. وفي المقابل، يحرص المغرب بدوره على إبراز دوره التاريخي في حماية اليهود المغاربة، والتأكيد على أن هذا المكوّن ظل جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني المغربي.

وبين البعد الرمزي والرهانات السياسية، يفتح إقرار يوم وطني لتخليد هجرة يهود المغرب نقاشاً أوسع داخل إسرائيل حول كيفية إعادة كتابة الذاكرة الجماعية، بحيث لا تقتصر على سرديات الهجرة الأوروبية، لتشمل أيضاً تجارب اليهود القادمين من العالم العربي والإسلامي. كما يطرح أسئلة حول دور التاريخ في صياغة الهوية الوطنية، وحدود توظيف الذاكرة في الحاضر السياسي. وفي انتظار دخول القانون حيّز التنفيذ العملي، من خلال أول احتفال رسمي باليوم الجديد، يبقى المؤكد أن هذه الخطوة تمثل محطة إضافية في مسار طويل من البحث عن الاعتراف والإنصاف الرمزي لجماعة شكّلت، ولا تزال، أحد الأعمدة الأساسية للمجتمع الإسرائيلي المعاصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى