اجتماع الأجساد وتفرّق الأرواح: هل يجرد الإنسان من الإنسانية، واصبح عبدا للأنترنيت، بعيد عن الواقع قريبا من المواقع؟

في زمن لم يعد فيه الإنسان محتاجًا إلى أن يطرق باب جاره، وأقرب الناس إليه، أو يقطع مسافة ليصافح صديقًا، صار العالم بأسره يندرج في شاشة صغيرة تُمسك باليد. تفشّي الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي أعاد تشكيل معنى التواصل ذاته. أصبح الإنسان أقرب ما يكون إلى الآلة، وأبعد ما يكون عن الإنسان. فالمحادثة باتت أسهل مع الخوارزميات منها مع الوجوه، والتعبير صار أكثر طلاقة في النصوص الرقمية منه في اللقاءات الحية. وهنا يبرز سؤال جوهري: ماذا يعني أن يلتقي الإنسان بالإنسان في زمن انشغل فيه الإنسان عن أخيه وفصيلته، وتعلّق بالعالم الافتراضي حتى كاد يحلّ محل الواقع؟، لقد وعدتنا التكنولوجيا بتحرير الإنسان من قيود المسافة والزمن، فحققت ذلك بامتياز. غير أن هذا التحرير الظاهري أخفى في باطنه قيدًا جديدًا، قيد العزلة المقنّعة بالتواصل. لم يعد الإنسان وحيدًا وسط الضجيج الرقمي. آلاف الرسائل، مئات الإعجابات، عشرات التعليقات، لكن قلبه يظل فارغًا من دفء اللقاء، وروحه متعبة من سطحية التفاعل. لقد أصبح التواصل وفيرًا في الكم، فقيرًا في العمق.
في الماضي القريب، كان اللقاء الإنساني حدثًا له طقوسه: موعد يُنتظر، مكان يُقصَد، وجلوس يُهيّأ له. كانت الكلمات تُقال ببطء، والصمت له معنى، والنظرات تُكمل ما تعجز عنه اللغة. أما اليوم، فقد تحوّل التواصل إلى فعل فوري لا يحتمل التأجيل، وسريع لا يحتمل التأمل. نكتب أكثر مما نتكلم، ونرسل أكثر مما نصغي، ونظهر أكثر مما نحضر فعلاً. وهكذا انقلبت العلاقة بين الإنسان ووسائطه، بدل أن تكون الأدوات في خدمة التواصل الإنساني، صار الإنسان في خدمة أدواته. إن أخطر ما في هذا التحوّل هو تغيّر الحسّ الإنساني ذاته. فالتواصل الرقمي، رغم ضرورته، يُدرّب الإنسان على الاختزال، اختزال العاطفة في رموز، والاهتمام في أيقونات، والحضور في حالة “متصل الآن”. شيئًا فشيئًا، يفقد الإنسان قدرته على الإصغاء الطويل، وعلى احتمال الاختلاف، وعلى تحمّل الصمت المشترك. إنه يتعوّد على علاقات يمكن إغلاقها بضغطة زر، وعلى صداقات يمكن حظرها، وعلى نقاشات يمكن كتمها. وهنا يبدأ الانسحاب الحقيقي من المسؤولية الأخلاقية تجاه الآخر. لقد صار الإنسان الحديث كائنًا “متصلًا” دائمًا، لكنه “منفصل” إنسانيًا. متصل بالشبكة، منفصل عن الشبكة العاطفية التي تربطه بعائلته وجيرانه وأصدقائه في العالم المادي. نراه جالسًا في غرفة واحدة مع أسرته، لكن كل فرد منهم غارق في شاشته، كأنهم غرباء تجمعهم الجدران ولا يجمعهم الوجدان. إن هذا المشهد اليومي البسيط يلخّص مأساة العصر، اجتماع الأجساد وتفرّق الأرواح.
في هذا السياق، يصبح لقاء الإنسان بالإنسان حدثًا استثنائيًا، لا أمرًا بديهيًا، وفعل مقاومة ثقافية ضد تيار العزلة الرقمية. أن تجلس مع إنسان دون هاتف، أن تنظر في عينيه وأنت تتكلم، أن تسمع صوته لا تسجيله، أن ترى ارتباكه وفرحه وتردده، كل ذلك صار تجربة نادرة، تكاد تشبه طقسًا من طقوس استعادة الإنسانية المفقودة. لكن لماذا أصبح الإنسان منشغلًا عن أخيه وفصيلته؟ ليس الأمر مجرد كسل اجتماعي، هو تحوّل في منظومة القيم. العالم الافتراضي لا يطالب الإنسان بشيء ثقيل، لا يطلب منه أن يتحمّل مزاج الآخر، ولا أن يصبر على اختلافه، ولا أن يتعاطف مع ضعفه. كل علاقة هناك قابلة للتصفية السريعة، وكل تفاعل يمكن أن يبقى سطحيًا بلا تبعات. أما العلاقة الإنسانية المباشرة، فهي علاقة مخاطرة: مخاطرة بالجرح، وبسوء الفهم، وبالتعب العاطفي. لذلك يفضّل كثيرون الأمان البارد للعالم الرقمي على الدفء المرهق للعالم الإنساني. غير أن الإنسان يُبنى بالتجربة، وبالاحتكاك، وبالخطأ والصواب. لا تُصقل الشخصية إلا في ميادين الحياة، ولا تُختبر الأخلاق في التعليقات، ولكن في المواقف. ولا يُعرف معنى التضامن الحقيقي إلا حين يقف الإنسان إلى جانب أخيه في لحظة ضعف، لا حين يكتفي بإرسال رمز تعاطف عابر.
من هنا، فإن السؤال عن لقاء الإنسان بالإنسان ليس سؤالًا رومانسيًا، ولكنه يتحول إلى سؤال وجودي عن مستقبل الروابط البشرية في عالم تُسيطر عليه الخوارزميات. هل سنظل قادرين على الحب بمعناه العميق، أم سنكتفي بإشارات سريعة تدّعي الحب؟ هل سنظل قادرين على الصداقة التي تتحمّل الصمت والغياب، أم سنكتفي بمتابعات افتراضية تُلغى مع أول اختلاف؟ هل سنظل قادرين على الحوار، أم سنغرق في فقاعات رقمية لا نسمع فيها إلا صدى أصواتنا؟، إن استعادة اللقاء الإنساني لا تعني رفض التكنولوجيا، وإنما على إعادة وضعها في حجمها الطبيعي. أن تكون وسيلة لا غاية، جسرًا لا بيتًا، أداة تيسير لا بديلاً عن الوجود. حينها فقط يمكن للإنسان أن يصالح بين عالمين، عالم السرعة الرقمية، وعالم البطء الإنساني الضروري للنضج والعمق. ربما يكون التحدي الأكبر في السنوات القادمة هو تربية الإنسان على “ثقافة الحضور”. أن نتعلّم كيف نكون حاضرين مع من أمامنا، لا مع من خلف الشاشة فقط. أن نستعيد مهارة الإصغاء، وفنّ الحوار، وشجاعة اللقاء. أن نعيد الاعتبار للمجلس، للزيارة، للمصافحة، للكلمة التي تُقال وجهًا لوجه. فهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع نسيج المجتمع، وهي التي تحمي الإنسان من التحوّل إلى كائن رقمي بلا جذور. في اعتقادي سيظل الإنسان محتاجًا إلى الإنسان، مهما بلغت الآلة من ذكاء. ستظل الروح تبحث عن روح تشبهها، والقلب عن قلب يفهمه، والصوت عن أذن تصغي إليه بصدق. قد ينجح العالم الافتراضي في تسهيل التواصل، لكنه لن ينجح أبدًا في تعويض معنى اللقاء. فالإنسان لا يُختصر في صورة، ولا يُختزل في نص، ولا يُستبدل بخوارزمية. الإنسان لا يكتمل إلا حين يلتقي بالإنسان.
