واشنطن تعيد ترتيب أوراقها الإفريقية لصالح المغرب أو بعض دول شرق إفريقيا، هل تكون إليزابيت مور أوبين آخر سفير أمريكي لدى الجزائر؟

منذ حملته الانتخابية الأولى، عبّر دونالد ترامب بوضوح عن رؤيته التي تعتبر أن السياسة الخارجية يجب أن تخضع لمنطق “الربح والخسارة، لا لمنطق الرمزية أو الإرث الدبلوماسي التقليدي”. هذا التصور جعل من السفارات، في نظره، عبئًا ماليًا أكثر منها أدوات تأثير ناعم. ومن هنا جاءت فكرته بإنشاء “مديرية مجمعة” للسفارات الإفريقية داخل مبنى وزارة الخارجية بواشنطن، بما يشبه مركزة القرار الدبلوماسي وتقليص حضوره الميداني. في ظل التحولات العميقة التي تعرفها السياسة الخارجية الأمريكية منذ عودة دونالد ترامب إلى واجهة القرار، يبرز تصريحُه بشأن تقليص الوجود الدبلوماسي الأمريكي في إفريقيا كواحد من أكثر المؤشرات دلالة على إعادة رسم خريطة النفوذ الأمريكي في العالم. وفي هذا السياق، تكتسب الأنباء المتداولة حول احتمال أن تكون إليزابيت مور أوبين آخر سفير أمريكي لدى الجزائر معنىً يتجاوز البعد البروتوكولي، ليطرح أسئلة استراتيجية حول مستقبل العلاقات الأمريكية–الإفريقية، وموقع الجزائر تحديدًا ضمن هذا التحول.

غير أن هذا التوجه، وإن بدا عقلانيًا من زاوية الميزانية، يثير إشكالات عميقة من منظور العلاقات الدولية. فالسفارة هي نقطة تماس يومي مع المجتمع السياسي والثقافي والاقتصادي للدولة المضيفة، وأداة لبناء الثقة، ورصد التحولات، وصياغة الشراكات طويلة الأمد. تقليص هذا الحضور يعني أيضًا تقليص القدرة على الفهم والتأثير. تحتل الجزائر موقعًا جيوسياسيًا حساسًا في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، فهي دولة محورية في قضايا الطاقة، ومكافحة الإرهاب، وأمن المتوسط، فضلًا عن ثقلها التاريخي في العالم العربي والإفريقي. ومع ذلك، ظلت العلاقات الجزائرية–الأمريكية تتسم بنوع من البراغماتية الباردة، تعاون أمني وتقني من جهة، وحذر سياسي متبادل من جهة أخرى.

إذا صحّ أن إليزابيت مور أوبين ستكون آخر سفيرة أمريكية لدى الجزائر، فإن ذلك لا يمكن قراءته كرسالة سياسية ضمنية مفادها أن واشنطن لم تعد ترى في الجزائر أولوية دبلوماسية تستدعي تمثيلًا دائمًا رفيع المستوى. هذا التحول قد يُفهم في الجزائر كنوع من التهميش، وربما كدليل إضافي على أن الولايات المتحدة تعيد ترتيب أوراقها الإفريقية لصالح دول تعتبرها أكثر انسجامًا مع رؤيتها الاستراتيجية، مثل المغرب أو بعض دول شرق إفريقيا. إن فكرة إدارة العلاقات الإفريقية من واشنطن تعكس نزعة مركزية شديدة، تنسجم مع عقلية ترامب الإدارية التي تميل إلى الحسم السريع والقرارات الفوقية. غير أن هذه المركزية قد تتحول، عمليًا، إلى نوع من العزلة الدبلوماسية المقنّعة. فالدبلوماسية الحديثة لم تعد تُدار من المكاتب فقط، بل من خلال الحضور الميداني، والاحتكاك اليومي، والقدرة على التقاط الإشارات الدقيقة التي لا تصل عبر التقارير الرسمية.

في إفريقيا تحديدًا، حيث تتنافس قوى دولية كبرى – الصين، وروسيا، وتركيا، والاتحاد الأوروبي – على النفوذ، يبدو تقليص الحضور الأمريكي بمثابة فسحٍ للمجال أمام الآخرين. فبينما تستثمر بكين في البنية التحتية، وتغرق موسكو في صفقات السلاح، وتتمدّد أنقرة عبر القوة الناعمة، تختار واشنطن الانسحاب خطوة إلى الخلف، تحت شعار الاقتصاد في النفقات. غير أن التاريخ يعلمنا أن الفراغ لا يبقى فراغًا طويلًا إذا كانت السفارة مؤسسة، فإن السفير رمز. ورحيل آخر سفير أمريكي عن الجزائر – إن حدث – سيحمل شحنة رمزية قوية، تتجاوز الإطار التقني للقرار. سيُقرأ هذا الرحيل بوصفه نهاية مرحلة من التمثيل المباشر، وبداية مرحلة من العلاقات عن بُعد، حيث تحلّ الشاشات محل اللقاءات، والتقارير محل الحوار المباشر. إن اختزال إفريقيا في “ملف” يُدار من واشنطن يعكس رؤية تبسيطية لقارة تتسم بتعقيدات ثقافية وسياسية هائلة. كما أن التعامل مع الجزائر، الدولة التي تمتلك تاريخًا ثوريًا وذاكرة سيادية حساسة، بمنطق “التقليص الإداري”، قد يُنتج نتائج عكسية، ويُضعف ما تبقى من جسور الثقة. ربما يكون السؤال الأهم ليس: هل ستكون إليزابيت مور أوبين آخر سفيرة أمريكية لدى الجزائر؟، لكن ماذا تخسر الولايات المتحدة إن اختارت هذا المسار؟، إنها بكل تخسر أولًا قدرة التأثير المباشر، وتخسر ثانيًا ثقة شركاء محتملين، وتخسر ثالثًا موقعها في سباق النفوذ داخل قارة تشكل مستقبل الاقتصاد والسياسة العالمية في العقود القادمة.

في السياق الجزائري، حيث تُعطى الرمزية السياسية وزنًا كبيرًا، قد يُنظر إلى هذا القرار كنوع من التقليل من مكانة البلاد في الحسابات الأمريكية. وهو ما قد يدفع الجزائر، التي انتهجت في السنوات الأخيرة سياسة خارجية أكثر استقلالية، إلى تعميق شراكاتها مع قوى بديلة، خاصة في الشرق، بما يعيد رسم توازناتها الاستراتيجية بعيدًا عن واشنطن. لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة تواجه تحديات اقتصادية داخلية، وأن تقليص النفقات بات شعارًا سياسيًا جذابًا للناخب الأمريكي. غير أن السياسة الخارجية لا تُقاس بمنطق الاستثمار طويل الأمد في النفوذ والسمعة والشبكات الدولية. والسفارات، مهما بدت مكلفة، تظل جزءًا من هذا الاستثمار الرمزي والاستراتيجي. أما الجزائر، فستجد نفسها أمام مفترق طرق: إما أن تقرأ هذا التحول كفرصة لإعادة صياغة علاقاتها الدولية على أسس أكثر استقلالية وتعددية، أو أن تعتبره مؤشرًا على ضرورة مراجعة أدواتها الدبلوماسية لتعويض الغياب الأمريكي بحضور أقوى في محيطها الإقليمي والدولي. في كل الأحوال، فإن ما يبدو اليوم مجرد قرار إداري لتقليص السفارات، قد يتحول غدًا إلى علامة فارقة في تاريخ العلاقات الأمريكية–الإفريقية، حيث يصبح رحيل آخر سفير رمزًا لبداية مرحلة جديدة، مرحلة تتراجع فيها الدبلوماسية التقليدية، ويصعد فيها منطق الصفقات السريعة، ولو على حساب النفوذ البعيد المدى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى