درس ترامب للعالم: القوة انتقلت من السلاح إلى الخوارزمية، ومن الحصن إلى الشبكة، هل تآكلت فكرة الحصانة؟

باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو دخل العالم مرحلة جديدة من الصراع الدولي، مرحلة لا تشبه الحروب التقليدية التي عرفها القرن العشرون، حيث لم تعد الجيوش الجرارة ولا الدبابات الثقيلة ولا القصف واسع النطاق هي العامل الحاسم في تقرير مصير الدول والأنظمة. ما جرى في حادثة خطف واعتقال رئيس فنزويلا يكشف عن نموذج متقدم من الحروب الهجينة، نموذج يعتمد على التكنولوجيا بوصفها سلاحًا مركزيًا، وعلى السيطرة المعرفية بوصفها مدخلًا لإعادة تشكيل موازين القوة. الحدث لم يكن اجتياحًا عسكريًا بالصورة الكلاسيكية، ولم يكن انقلابًا داخليًا بالمعنى المألوف، وإنما عملية مركبة جرى تصميمها بعناية فائقة، مستندة إلى الفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي والتكامل الشبكي بين السماء والأرض. أولى ملامح هذه العملية تجلت في العزل الرقمي الشامل. قبل أي تحرك ميداني، تعرضت أنظمة الاتصالات الوطنية لضربة دقيقة أدت إلى شل شبكات القيادة والسيطرة. انقطعت الصلة بين مراكز القرار والوحدات التنفيذية، وتعطلت قنوات الاتصال العسكري والمدني في آن واحد. لم يكن الأمر مجرد تشويش مؤقت، وإنما إغلاق محكم جعل الدولة بكاملها خارج الشبكة خلال دقائق معدودة. في العاصمة، شهدت عدة مناطق انقطاعًا متزامنًا للكهرباء والإنترنت، وهو ما أحدث فراغًا معلوماتيًا أربك المؤسسات وأفقدها القدرة على اتخاذ القرار. في تلك اللحظة، تحولت السيادة الوطنية إلى كيان معلق، غير قادر على التواصل مع ذاته، فضلاً عن التواصل مع الخارج. هذا العزل الرقمي أدى وظيفة حاسمة تتجاوز تعطيل الأجهزة، إذ أعاد تشكيل الوعي اللحظي للفاعلين داخل الدولة. القادة العسكريون وجدوا أنفسهم في حالة عمى معلوماتي، والجنود فقدوا التعليمات، والمؤسسات الأمنية باتت تتحرك في فراغ. هكذا تحققت السيطرة من دون احتلال، والانتصار من دون مواجهة واسعة. إن هذا الأسلوب يعكس تحولًا عميقًا في فلسفة الحرب، حيث يصبح قطع المعلومة أشد فتكًا من تدمير العتاد.

الركن الثاني في هذه العملية تمثل في الاعتماد المكثف على الدرونات المدعومة بالذكاء الاصطناعي. لم تعد هذه الطائرات الصغيرة مجرد أدوات استطلاع أو منصات تصوير، وإنما تحولت إلى وحدات مستقلة قادرة على التحليل واتخاذ القرار. أسراب الدرونات حلقت في انسجام دقيق، تجمع البيانات، تحدد الأهداف، وتقيم المخاطر لحظة بلحظة. الخوارزميات المدمجة فيها مكنتها من التمييز بين الأهداف، ومن اختيار المسار الأمثل للوصول، مع تقليص هامش الخطأ إلى أدنى مستوى. الهدف لم يكن الاستعراض العسكري، وإنما الوصول السريع والدقيق إلى الشخص المستهدف، مع الحد من الخسائر البشرية والدمار الجانبي. هذه الدرونات مثلت عينًا لا تنام، وعقلاً لا يتردد. لقد تجاوزت وظيفة الإنسان في ساحة المعركة، حيث لم يعد القرار رهين الانفعال أو التقدير الفردي، وإنما نتاج معالجة فورية لكميات هائلة من البيانات. في هذا السياق، يصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا كاملًا في الفعل العسكري، لا مجرد أداة مساعدة. وهذا التحول يطرح أسئلة أخلاقية وسياسية عميقة حول مستقبل القرار في الحروب، وحول الجهة التي تتحمل المسؤولية حين تتخذ الآلة قرار الاشتباك. أما الركن الثالث فتمثل في التجهيز الميداني غير المسبوق للقوات الخاصة التي نزلت إلى الأرض. هؤلاء الجنود لم يتحركوا في الظلام أو تحت ضغط المجهول، وإنما كانوا مرتبطين بالأقمار الصناعية ارتباطًا مباشرًا. كل خطوة كانت محسوبة، وكل زاوية كانت مكشوفة عبر تقنيات الرؤية الليلية والتصوير الحراري. تحليل البيانات كان يتم في الزمن الحقيقي، ما منح الجنود قدرة على رؤية ما خلف الجدران ومعرفة ما ينتظرهم قبل التقدم. ساحة المعركة لم تعد فضاءً فوضويًا، وإنما تحولت إلى شاشة بيانات تفاعلية، تتقاطع فيها الخرائط مع الإشارات الحرارية ومع تدفقات المعلومات القادمة من السماء.

هذا التكامل بين الإنسان والآلة أعاد تعريف الجندي ذاته. لم يعد مقاتلًا يعتمد على الحدس والخبرة فقط، وإنما أصبح عقدة داخل شبكة معلوماتية معقدة. قوته لم تعد في السلاح الذي يحمله، وإنما في البيانات التي تصله، وفي سرعة تحليلها، وفي دقة توظيفها. هكذا جرى تفكيك مفهوم الشجاعة التقليدية، وإعادة بنائه ضمن إطار معرفي تقني. النتيجة النهائية لهذه العملية كانت صادمة في سرعتها وحسمها. من القصف الجوي المركز لتعطيل الدفاعات، إلى تنفيذ عملية الاستخراج، لم يتجاوز الزمن الكلي ساعتين إلى ثلاث ساعات. القصف نفسه استغرق قرابة نصف ساعة، وكان هدفه محددًا بدقة لتعطيل منظومات بعينها دون توسيع نطاق الدمار. وفي حدود الثانية فجرًا، خرج إعلان سياسي يؤكد انتهاء الأمر. هذا التزامن بين الفعل العسكري والإعلان الإعلامي يعكس وعيًا عميقًا بأهمية السيطرة على السردية، وعلى إدراك الرأي العام المحلي والدولي.

ما جرى يوم السبت 3 يناير/كانون الثاني 2026 يؤكد حقيقة مركزية مفادها أن الحروب القادمة لن تُحسم بعدد الجنود ولا بحجم الترسانة التقليدية. الحسم سيكون من نصيب من يمتلك الكود الأقوى، وسرعة المعالجة الأعلى، والقدرة على دمج الأنظمة في منظومة واحدة متماسكة. التكنولوجيا لم تعد عاملًا مساعدًا، وإنما أصبحت جوهر الصراع ذاته. من يملك القدرة على تعطيل شبكات خصمه، وعلى التحكم في تدفق المعلومات، وعلى اتخاذ القرار بسرعة تفوق قدرة البشر، يملك زمام السيطرة.هذا النموذج من العمليات يمهد لمستقبل تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الحرب والسلم. الهجوم قد يبدأ من لوحة مفاتيح، وينتهي باعتقال رأس السلطة دون إعلان حرب رسمي. السيادة ستواجه تحديات غير مسبوقة، والدول التي لا تستثمر في أمنها السيبراني وفي تطوير قدراتها التقنية ستجد نفسها مكشوفة أمام خصوم يمتلكون أدوات غير مرئية. في هذا العالم الجديد، لا يكفي امتلاك السلاح، وإنما يصبح امتلاك العقل التقني شرطًا للبقاء. إن حادثة فنزويلا مؤشر على اتجاه عالمي آخذ في الترسخ. إنها رسالة واضحة مفادها أن زمن الحروب الذكية قد بدأ، وأن المستقبل سيكافئ من يفهم هذا التحول ويتقنه. العالم تغير جذريًا، ومن يتأخر عن هذا التحول سيجد نفسه خارج المعادلة، عاجزًا عن الدفاع عن قراره، وعن حماية سيادته، وعن التحكم في مصيره.

لم يعد أي أحد في مأمن داخل هذا العالم المتحوّل، إذ تآكلت فكرة الحصانة التي طالما ارتبطت بالمناصب العليا، والتحصينات الصلبة، والمواقع السرية. في زمن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الشاملة، لم تعد الجدران العالية ولا البروتوكولات المعقدة كافية لإخفاء الأفراد أو حماية مراكز القرار. كل حركة تترك أثرًا، وكل اتصال يولّد إشارة، وكل نظام يفتح نافذة محتملة للاختراق. هكذا أصبحت الحياة السياسية والعسكرية مكشوفة على نحو غير مسبوق، حيث يتحول الفضاء الرقمي إلى مرآة تعكس أدق التفاصيل. السلطة اليوم لم تعد حكرًا على من يجلس في القصور أو من يحيط نفسه بأجهزة الحماية التقليدية. من يمتلك أدوات التحليل الذكي، وقدرات المعالجة السريعة، وإمكانية الربط بين قواعد البيانات، يستطيع أن يصل إلى من يظن نفسه محتميًا في بروج مشيدة. الذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى اقتحام الأبواب، فهو يعبر عبر الخوارزميات، ويعيد تركيب الصورة من شظايا متفرقة من المعلومات. نمط الحياة، توقيت التحركات، شبكة العلاقات، وحتى العادات اليومية، تتحول إلى معطيات قابلة للقراءة والاستنتاج.

في هذا السياق، يصبح الخفاء وهمًا، وتتحول الخصوصية إلى مفهوم هش. الأقمار الصناعية، أنظمة المراقبة، الهواتف الذكية، والمنصات الرقمية، تشكل معًا شبكة رصد دائمة لا تنام. السيطرة لم تعد فعلًا صاخبًا يعتمد على القوة الظاهرة، وإنما ممارسة هادئة تقوم على المعرفة الدقيقة. من يعرف أكثر، يتحكم أكثر، ومن يعالج أسرع، يسبق خصمه بخطوات واسعة. هكذا يعاد تعريف مفهوم الأمن، حيث ينتقل من الحماية الفيزيائية إلى المناعة الرقمية. الأخطر في هذا التحول أن ميزان القوة بات يميل نحو الفاعلين الذين يجمعون بين التكنولوجيا والقرار السياسي. الدول أو الجهات التي تستثمر في الذكاء الاصطناعي لا تكتفي بالدفاع عن نفسها، وإنما تملك القدرة على فرض إرادتها، وتوجيه مسارات الأحداث، والتأثير في مصائر الأفراد والدول. في المقابل، يجد من يتأخر عن هذا الركب نفسه عاريًا أمام أعين لا تُرى، وأدوات لا تُسمع.

إن العالم يتجه نحو مرحلة يصبح فيها النفوذ مرهونًا بالتحكم في البيانات، وبالقدرة على تحويلها إلى معرفة فاعلة. لا أحد خارج هذا المجال، ولا استثناءات حقيقية. من يعش داخل هذا العصر مطالب بإدراك أن القوة انتقلت من السلاح إلى الخوارزمية، ومن الحصن إلى الشبكة. في هذا الواقع الجديد، الأمن ليس موقعًا يُحتل، وإنما نظامًا يُدار، ومن يفشل في إدارته يفقد السيطرة، مهما علت أسواره أو اشتدت حراسته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى