الجزائر والبوليساريو في اختبار ما بعد مادورو: صمت دبلوماسي وتحولات التحالف

شكّل خروج الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من المشهد السياسي، معتقلا من طرف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رسالة واضحة ولحظة مفصلية بالنسبة لعدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين الذين ارتبطوا به سياسياً أو رمزياً خلال السنوات الماضية. وفي مقدمة هؤلاء، تبرز الجزائر وجبهة البوليساريو، اللتان وجدتا نفسيهما فجأة أمام واقع دولي متحوّل يفرض مراجعة الحسابات والتحالفات، بعيداً عن الخطابات التقليدية التي حكمت مرحلة سابقة. لقد حافظت الجزائر، منذ اللحظات الأولى للحدث، على صمت دبلوماسي محسوب، وهو صمت لا يمكن قراءته باعتباره موقفاً سلبياً أو ارتباكاً سياسياً، بقدر ما يعكس تقليداً راسخاً في السياسة الخارجية الجزائرية يقوم على التريث، وعدم الانجرار وراء ردود فعل انفعالية في القضايا الدولية الحساسة. غير أن هذا الصمت ذاته يضع الجزائر اليوم أمام اختبار حقيقي: كيف يمكن لها أن تصوغ موقفاً رسمياً واضحاً يحافظ على مبدأ الاستقلالية والسيادة، وفي الوقت ذاته لا يعرّض علاقاتها الاستراتيجية مع قوى دولية كبرى للاهتزاز؟

لقد بنت الجزائر جزءاً من خطابها الدبلوماسي على رفض التدخلات الخارجية واحترام سيادة الدول، تجد نفسها أمام سابقة دولية حرجة تمس جوهر هذا الخطاب. أي موقف حاد قد يُفسَّر على أنه اصطفاف أيديولوجي مع نظام سقط، وأي صمت طويل قد يُقرأ كعجز عن التأثير في لحظة دولية فارقة. من هنا، يبدو أن الخيار الأكثر ترجيحاً هو إعادة صياغة الموقف الجزائري بلغة قانونية ودبلوماسية عامة، تركز على المبادئ لا على الأشخاص، وعلى استقرار النظام الدولي لا على الدفاع عن حلفاء سابقين. أما جبهة البوليساريو، فإن تداعيات الحدث عليها تبدو أكثر مباشرة وحساسية. فقد كانت فنزويلا في عهد مادورو واحدة من الأصوات الداعمة لها في المحافل الدولية، وخاصة في الأمم المتحدة وبعض الفضاءات اليسارية العابرة للقارات. هذا الدعم، وإن لم يكن حاسماً في تغيير موازين القوى، إلا أنه شكّل سنداً رمزياً وسياسياً مهماً في معركة الشرعية الدولية.

اليوم، تجد البوليساريو نفسها أمام فراغ سياسي مفاجئ، يتمثل في فقدان حليف كان يُستثمر في الخطاب السياسي والإعلامي، وفي شبكات الدعم الدبلوماسي. هذا الواقع الجديد يفرض على الجبهة إعادة تقييم استراتيجياتها في بناء التحالفات الدولية، خصوصاً في ظل عالم يشهد تراجعاً واضحاً في نفوذ الخطابات الأيديولوجية التقليدية، وصعود مقاربات أكثر براغماتية تحكمها المصالح الاقتصادية والأمنية. إن التحالفات التي بُنيت على أساس التقارب الإيديولوجي أو العداء المشترك للغرب لم تعد بنفس الفاعلية التي كانت عليها في العقدين الماضيين. فخروج مادورو من المشهد يشير إلى تحول أعمق في بنية النظام الدولي، حيث باتت القوى الكبرى أكثر ميلاً إلى فرض وقائع جديدة، وأقل تسامحاً مع أنماط التحالف التي تُصنَّف خارج “المنظومة المقبولة”. في هذا السياق، قد نشهد تراجعاً في بعض أشكال الدعم الدولي التقليدي الذي اعتادت عليه البوليساريو، أو على الأقل إعادة ضبطه ضمن سقوف أقل طموحاً. وقد تتجه الجبهة إلى تنويع قنواتها الدبلوماسية، أو محاولة إعادة تسويق قضيتها بلغة حقوقية وقانونية أكثر انسجاماً مع التحولات الجارية، بدل الاعتماد على دعم أنظمة بات وجودها ذاته موضع تساؤل.

في اعتقادي إن مرحلة ما بعد مادورو هو تحول بنيوي يفرض على الجزائر والبوليساريو معاً إعادة قراءة العالم كما هو، لا كما كان. فالصمت الدبلوماسي، والتحالفات المتآكلة، والبحث عن توازنات جديدة، كلها مؤشرات على أن زمن اليقينيات السياسية قد تراجع، وأن الفاعلين الإقليميين مطالبون اليوم بقدر أعلى من البراغماتية، دون التفريط في ثوابتهم المعلنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى