من ملاعب الكرة إلى كرامة العيش: العائق ليس في الإمكانات، وإنما في ترتيب الأولويات وتوزيع الجهد والاستثمار وبناء الإنسان

برز في المغرب في الأونة الأخيرة نقاش عمومي واسع حول وتيرة إنجاز المشاريع الكبرى، وخاصة تلك المرتبطة بملاعب كرة القدم التي شُيّدت في زمن قياسي وبمعايير دولية عالية. هذا الواقع فتح أعين المجتمع على حقيقة واضحة مفادها أن الدولة تمتلك القدرة التقنية والمالية والبشرية لإنجاز مشاريع ضخمة بسرعة وكفاءة متى توفرت الإرادة والتعبئة. من هنا يتعزز سؤال مشروع، إذا كان بالإمكان تشييد ملاعب حديثة في مدد وجيزة، فلماذا لا تمتد هذه الوتيرة نفسها إلى المرافق العامة التي تمس الحياة اليومية للمواطن، مثل المستشفيات والمدارس والجامعات وشبكات الأمن والخدمات الأساسية؟، فالمرافق العامة هي العمود الفقري لأي مشروع تنموي يسعى إلى بناء إنسان متوازن يشعر بالكرامة والانتماء. والمستشفى فضاء للأمان النفسي والاجتماعي، حيث يثق المواطن في أن صحته مصانة وحقه في العلاج مكفول. والمدرسة فضاء لتشكيل الوعي وبناء الشخصية وترسيخ قيم المواطنة. والجامعة مؤسسة أكاديمية رافعة للبحث العلمي والابتكار وصناعة النخب القادرة على قيادة المستقبل.

لقد أثبتت التجربة الحديثة أن الدولة المغربية قادرة على تجاوز التعقيدات الإدارية وتسريع وتيرة الإنجاز عندما يتعلق الأمر بمشاريع تحظى بأولوية سياسية واضحة. هذا المعطى يحمل دلالة عميقة، مفادها أن العائق ليس في الإمكانات، وإنما في ترتيب الأولويات وتوزيع الجهد والاستثمار. المجتمع المغربي، في مدنه وقراه، يطمح إلى رؤية هذه القدرة نفسها تنعكس على الخدمات الأساسية التي تمس تفاصيل حياته اليومية، من طرق ومراكز صحية ومؤسسات تعليمية وأحياء منظمة تحترم شروط العيش الكريم. إن إنجاز ملاعب كرة القدم في زمن قياسي يحمل قيمة رمزية قوية، لأنه يبرهن على أن الحلم يمكن أن يتحقق عندما تتلاقى الرؤية مع القرار. غير أن هذا الإنجاز الرياضي، على أهميته، يظل جزءًا من صورة أشمل تتعلق بنوعية الحياة التي يعيشها المواطن. فالمواطنة لا تُبنى فقط عبر لحظات الفرح الجماعي في المدرجات، وإنما تتجذر عبر الإحساس اليومي بالعدالة في توزيع الخدمات، وبالاحترام في التعامل مع حاجات الناس، وبالإنصاف بين المركز والهامش.

المدن والقرى التي تليق بإنسان الألفية الثالثة هي فضاءات تحترم الإنسان في صحته وتعليمه وأمنه وتنقله وثقافته. هي أماكن يشعر فيها الفرد بأن الدولة حاضرة في تفاصيل حياته كشريك في بناء المستقبل. عندما يجد المواطن مستشفى مجهزًا، ومدرسة عمومية ذات جودة، وجامعة قريبة تفتح له آفاق المعرفة، وفضاءً آمنًا يحميه ويحمي أسرته، يتعزز لديه الإحساس بالانتماء، ويتحول الوطن من فكرة مجردة إلى تجربة معيشة، كما أن الاستثمار في المرافق العامة ينعكس بشكل مباشر على الثقة بين المواطن والمؤسسات. هذه الثقة تعد شرطًا أساسيًا للاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة. فالمواطن الذي يشعر بأن حقوقه الأساسية مصونة يكون أكثر استعدادًا لأداء واجباته، وأكثر تشبثًا بوطنه، وأقل قابلية للاغتراب أو الإحباط. بهذا المعنى، تصبح البنية التحتية الاجتماعية ركيزة من ركائز الأمن الوطني، وليست مجرد ملف تقني أو قطاعي.

إن المرحلة الراهنة تفرض مقاربة شمولية للتنمية، تتجاوز منطق الإنجاز المناسباتي إلى رؤية طويلة النفس، تجعل من الإنسان محور السياسات العمومية. كرة القدم، بما تحمله من شغف جماعي، يمكن أن تكون محفزًا لوحدة وطنية وفرح مشترك، غير أن هذه الوحدة تحتاج إلى سند يومي يتمثل في خدمات عمومية عادلة وفعالة. فالوطن الذي نحتفل به في الملاعب هو نفسه الوطن الذي نعيش فيه في المستشفيات والمدارس والأحياء، بهذا المعنى يؤكد الواقع المغربي المعاصر أن الدولة قادرة على الإنجاز السريع عندما تتوفر الإرادة والوضوح في الرؤية. والمجتمع، وهو يثمن ما تحقق في المجال الرياضي، يتطلع إلى تعميم هذه الروح على باقي القطاعات الحيوية. مدن وقرى تليق بإنسان الألفية الثالثة ليست مطلبًا مثاليًا، بقدر ما هو مشروعا لبناء مواطنة راسخة وتشبث صادق بالوطن، حيث يشعر كل فرد أن له مكانًا محترمًا في الحاضر، وأفقًا واعدًا في المستقبل. يبرز في هذا السياق بوضوح مطلب العدالة المجالية بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لفهم انتظارات المجتمع المغربي. فالتفاوت بين المدن الكبرى والمناطق القروية أو شبه الحضرية لا يزال حاضرًا في مستوى الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية والأمنية. هذا التفاوت يخلق شعورًا صامتًا بالإقصاء لدى فئات واسعة من المواطنين، ويؤثر بشكل مباشر في تصورهم لمعنى المواطنة وحدود الانتماء. حين يرى المواطن أن قدرته على العلاج أو التعلم أو العيش الآمن مرتبطة بمكان إقامته، يتشكل وعي اجتماعي هش، تغذيه المقارنات اليومية بين ما هو ممكن وما هو متاح.

إن تسريع إنجاز المرافق العامة في القرى والهوامش يحمل بعدًا اقتصاديًا واستراتيجيًا. فوجود مستشفى مجهز أو مؤسسة تعليمية ذات جودة في منطقة ما يساهم في تثبيت السكان، ويحد من الهجرة الداخلية نحو المدن الكبرى، ويخلق دينامية محلية قادرة على إنتاج فرص الشغل وتحريك عجلة التنمية. بهذا المعنى، تصبح المرافق العامة استثمارًا طويل الأمد في الاستقرار والتنمية، وليس عبئًا على الميزانية العامة. كما أن جودة الفضاء العام تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل العلاقة النفسية بين المواطن والوطن. الشارع المنظم، والمدرسة النظيفة، والمركز الصحي المؤهل، والمؤسسة الأمنية القريبة من الناس، كلها عناصر صغيرة في ظاهرها، غير أنها تشكل في مجموعها صورة الدولة في الوعي الجمعي. هذه الصورة قد تكون مصدر فخر واعتزاز، وقد تتحول إلى مصدر توتر ولامبالاة، حسب مستوى العناية التي توليها السياسات العمومية للإنسان بوصفه غاية لا وسيلة.

الحديث عن إنسان الألفية الثالثة يفرض كذلك التفكير في معايير جديدة للخدمات العمومية، تتجاوز منطق التوفير الكمي إلى منطق الجودة والكرامة والنجاعة. المواطن اليوم أكثر وعيًا بحقوقه، وأكثر اطلاعًا على تجارب دول أخرى، وأكثر قدرة على المقارنة والتقييم. هذا الوعي يضع الدولة أمام مسؤولية مضاعفة، تتجلى في تحديث أساليب التدبير، وتبسيط المساطر، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الشفافية في إنجاز المشاريع العمومية، كما أن إشراك المواطن في تتبع وتقييم هذه المشاريع يعزز الإحساس بالملكية الجماعية للفضاء العام. عندما يشعر الفرد أن صوته مسموع، وأن حاجاته تؤخذ بعين الاعتبار، يتحول من متلقٍ سلبي إلى فاعل حريص على حماية الممتلكات العمومية والحفاظ عليها. هذا التحول الثقافي يشكل ركيزة أساسية لبناء مواطنة فاعلة، تقوم على المشاركة والثقة المتبادلة.

فالرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة يكمن بالاضافة إلأى إنجاز المشاريع بسرعة إلى جعل هذه السرعة مقرونة بالحكمة والتوازن والاستدامة. فالتنمية التي تركز على الإنسان، وتستجيب لحاجاته الأساسية، وتراعي كرامته، هي وحدها القادرة على ترسيخ حب الوطن في النفوس، وتحويل الانتماء من شعار إلى ممارسة يومية. بهذا الأفق، يغدو الحلم بمدن وقرى تليق بإنسان العصر الحديث مشروعًا واقعيًا، يجد جذوره في القدرة على الإنجاز، ويستمد قوته من إرادة جماعية تؤمن بأن الوطن يُبنى أولًا بالإنسان ومن أجله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى