قراءة في مسيرة الفنانة التشكيلية فدوى الحلوي: عشق للون وانبعاث من ألم في محاولة واعية لإنقاذ ما يتلاشى تحت وطأة الزمن

وُلدت الفنانة التشكيلية فدوى الحلوي في درب أقصبي، باب الخوخة بمدينة فاس، في صيف عام 1974، داخل بيت عريق تنحدر جذوره من عائلة موريسكية إشبيلية، حملت معها ذاكرة الأندلس وحنينها الخفي، منذ طفولتها الأولى، تشكّل وعيها الجمالي عبر علاقة حميمة مع اللون، إذ كان أكثر ما يبهج قلبها علبة الصباغة والفرشاة، هدية تختصر العالم في طيف من الإمكانات، في تلك السن المبكرة، لم تكن الألوان مجرد مادة للرسم، كانت لغة داخلية تفسر بها البشر والأشياء؛ فالأحمر ارتبط في مخيلتها بالطيبة والدفء، والأسود صار رمزًا للقسوة والشر، وكأنها كانت تبني أخلاقيات العالم عبر سلّم لوني خاص بها، ارتبطت فدوى بالشمس ارتباطًا وجدانيًا عميقًا، إذ كانت تراقبها وهي تتسلل بخفر عبر حلقة الدار، فتغمر فضاء الوسط بنورها، لتكشف عن فسيفساء من الألوان والأشكال المتداخلة. في تلك اللحظات، كانت تشعر وكأنها تسبح في ملكوت بصري، تتراقص فيه الانعكاسات الضوئية على الجدران والأرضيات، فتتشكل أمامها عوالم لا تحدها حدود. ذلك المشهد اليومي البسيط أسّس لديها حسًّا بصريًا مرهفًا، جعل الضوء عنصرًا حيًا، شريكًا في الخلق والتخييل.كانت غرفتها الصالة الصغيرة في الطابق العلوي من البيت، فضاءً للهدوء والتأمل. بعد العصر، اعتادت الصعود إلى السطح برفقة عمها عمر، الذي يكبرها ببضع سنوات، حيث كانا يرسمان على الجدران بالفحم الخشبي الفاخر. هناك، في زوايا السطح وأركانه، تشكّلت أولى محاولاتها الحرة في التعبير، بعيدًا عن القيود، قريبة من اللعب والاكتشاف. كان الفحم يترك أثره الأسود على الجدران، كما يترك أثره العميق في ذاكرتها، مؤسسًا لعلاقة مبكرة مع الخط والظل.في ذلك الفضاء المنزلي، كانت الأصوات تحيط بها كما تحيطها الألوان؛ أصداء طائر “ذكر الله”، وتغريد طائر (مقنين) الحسنية، وحركات الكناريات الصفراء، غير أن اللون ظل سابقًا للصوت في وجدانها، يتسلل إلى لبّ التجربة قبل أن تعيه الأذن. هكذا تداخل السمعي والبصري في طفولة فدوى، فانبثقت شخصيتها الفنية من نسيج غني بالضوء، واللون، والروح، لتصبح الذاكرة نفسها لوحة أولى لا تزال تمد أعمالها اللاحقة بنبضها العميق.

اكتشفت فدوى عالم المدرسة في سن الرابعة، استجابة لقرار اتخذه والدها بدافع الحرص على انفتاحها على المدرسة والتبكير بالتعلم، كان الحظ حاضرًا منذ الخطوة الأولى، إذ صادفت معلمة تحمل ميلًا واضحًا إلى الرسم، فتحت لها بابًا سريًا نحو الألوان والأشكال. اعتادت المعلمة أن تمنحها مطبوعات بسيطة لأسماك وعصافير وأزهار، لتقوم بتلوينها بحرية، فصارت المدرسة في نظر فدوى فضاءً محببًا، لا لأنه مكان للتلقين، وإنما لأنه يمنحها فرصة للرسم والتلوين. هناك، شعرت لأول مرة بأن الخيال يمكن أن يجد له موضعًا مشروعًا داخل جدران الصف.عندما سُجّلت رسميًا في المدرسة، تبدّل الإيقاع اليومي، صار مطلوبًا منها متابعة الشرح والانخراط في نسق تعليمي صارم يقوم على الاستماع والحفظ، غير أن خيالها ظل عصيًا على الترويض، وكانت يدها تنفلت تلقائيًا نحو عالمها الخاص، ترسم في صمت بينما تتلاشى كلمات المعلمة في الخلفية. لم تكن تسمع الشرح بقدر ما كانت ترى خطوطًا تتشكل، ومساحات تمتلئ، وعوالم تولد على هامش الدفاتر. وبّخت أكثر من مرة، وحوصرت بالتنبيه واللوم، غير أن ذلك لم يفلح في انتزاعها من انجذابها العميق إلى الرسم.مع نهاية اليوم الدراسي، كانت تغادر المدرسة مسرعة، كأن الزمن يلاحقها، خوفًا من أن تفوت لحظتها الأثيرة. أول ما تقوم به عند دخول البيت هو تشغيل التلفاز لمتابعة مسلسل الرسوم المتحركة “السندباد”. لم يكن اهتمامها منصبًا على الحكاية أو تطور الأحداث، وإنما على تفاصيل الحركة والقفزات والضحكات، وعلى الكيفية التي تُرسم بها الأجساد وهي تتحرك في الفضاء. كانت تراقب التقنيات بعين فاحصة، تحاول تفكيك الصورة وإعادة تركيبها في ذهنها، فالتقنية عندها كانت جوهر الدهشة ومفتاح الفهم. هكذا تشكل وعيها البصري مبكرًا، عبر مراقبة دقيقة للصورة المتحركة، وتحويل المشاهدة إلى درس غير معلن في الرسم والتخييل.

انتقل والد فدوى من مقر عمله بثانوية مولاي رشيد، حيث كان ناظر بها ذلك الفضاء الذي ارتبط بطفولتها الأولى وذكرياتها المبكرة، فكان الانتقال أشبه بقطع خيط خفي يربطها بمكان ألفته روحها قبل جسدها. في تلك المرحلة، اعتادت أن ترافق والديها إلى حدائق فاس، تتجول بينهم، وتلعب في ممرات البطحاء، قرب الإعدادية الثانوية ثانوية باب ريافة (حاليا إعدادية عزيز أمين) لم تشعر بأن التغيير كبير في البداية، فالأماكن كانت تتبدل، غير أن شغفها ظل ثابتًا، كأن الزمن لم يفعل سوى أن أضاف إلى عمرها سنوات وإلى خيالها اتساعًا. كبرت فدوى، وكبر معها عالمها الداخلي، فصارت ترسم أكثر، وتنسحب إلى فضاءات متخيلة خلال حصص الرياضيات التي لم تجد فيها ما يلامس ميولها، حاول والدها، بدافع القلق والرغبة في توسيع آفاقها، توجيهها نحو معهد الموسيقى، على أمل أن تجد فيه توازنًا أو مسارًا آخر. غير أن التجربة لم تغيّر شيئًا من علاقتها العضوية بأقلام الرصاص والألوان، إذ ظلت تمسك بها كما يمسك المرء بجزء من ذاته. في إحدى حصص مادة التكنولوجيا، اقترب الأستاذ حمدون من مقعدها ليتفقد حصيلة الشرح، فلاحظ ورقة تخفيها بين يديها. كانت ترسم شخصيات كرتونية من عالم ديزني، بخطوط دقيقة وتعبير لافت. تملكها الخوف، وانتظرت توبيخًا أو عقابًا، غير أن ما حدث خالف كل توقعاتها؛ أخذ الأستاذ الورقة، وطلب من التلاميذ التصفيق لها. في تلك اللحظة، تحول الخجل إلى دهشة، والقلق إلى اعتراف علني بالموهبة. منذ ذلك اليوم، صار الأستاذ حمدون أقرب أساتذتها إلى قلبها، وصارت كلما أنجزت رسمًا في البيت تسارع الخطى لتعرضه عليه، طلبًا للنظر والملاحظة والتشجيع. لم يبق في غرفتها شبر خال من الرسومات؛ أوراق ملتصقة بالجدران، دفاتر مفتوحة، خطوط تتقاطع، وألوان تتناثر في كل زاوية، كأن المكان كله تحول إلى مرسم صغير. ومع اقتراب نهاية الطور الإعدادي، وجدت نفسها أمام لحظة حاسمة، اختيار الشعبة الدراسية. كان والدها يطمح إلى توجيهها نحو مسار علمي أو أدبي، انسجامًا مع التصورات التقليدية للمستقبل، غير أن تدخل الأستاذ حمدون كان حاسمًا، إذ أصر على توجيه فدوى إلى الثانوية التطبيقية بن الهيثم في طريق مكناس بفاس. بذلك القرار، تغير مسار حياتها بشكل رسمي، وحملت لقب “تلميذة الفنون” بكل فخر أمام أصدقائها وأهلها، الذين رأوا فيها شخصية مختلفة، لا تشبه المسارات المألوفة.

غادرت فدوى، للمرة الأولى، دائرة الرعاية اليومية لوالدها، بعدما صارت تدرس في فضاء بعيد عن البيت العائلي، لتواجه عالمًا أوسع وأكثر تعقيدًا. كانت وجهتها اليومية ساحة أبي الجنود، حيث محطة الحافلات الحضرية، لتستقل الحافلة رقم 22، خط حي تغات، متجهة نحو ثانوية بن الهيثم، هناك، دخلت عالمًا جمع بين الفرح والرهبة؛ فرح الانتماء إلى فضاء فني طالما حلمت به، ورهبة مواجهة مستويات عالية من الإبداع. علّقت عيناها بلوحات تلاميذ الباكالوريا، التي تجاوزت مستواها آنذاك، فكانت تتساءل في صمت: هل سأتمكن يومًا من إنجاز أعمال مماثلة؟، في هذا الفضاء الجديد، اكتشفت فدوى أساتذة جادين في الرسم، وفي تاريخ الفن، وفي فنون الطباعة، فكان الاحتكاك بهم تجربة مكثفة جمعت بين الصرامة والتكوين الحقيقي. شعرت بمزيج من الحماس والمسؤولية، كأنها تستعد للدخول إلى عالم كانت تراه بعيد المنال. صار وقتها مكرسًا للرسم بشكل شبه كامل، حتى اضطرت في ليال كثيرة إلى السهر لاستكمال التمارين المطلوبة. يوم السبت بعد الزوال، كانت تخرج رفقة زملائها إلى المدينة القديمة، متجهين نحو حي السبطريين والعطارين، بحثًا عن الورق المقوى، والمجلات، وأدوات الرسم. كانت تلك الجولات جزءًا من التكوين، هدفها ترويض الأنامل وإغناء الفكر البصري.لعبت المجلات دورًا أساسيًا في تلك المرحلة، إذ كانت الأعمال المنشورة فيها مصدرًا للوثائق والصور التي تُدرج في التمارين، في زمن لم تكن فيه هواتف ذكية أو شبكات تواصل اجتماعي. ظلت المكتبات المزار الوحيد لتصفح الصور وبناء الأرشيف البصري. وفي خضم هذا الشغف، لم تكن فدوى غافلة عن أعباء والدها المادية، فكانت تحاول التخفيف عنه عبر تدبير أقل تكلفة، واختيار ما هو ضروري فقط.خلال فترة عيد العرش المجيد في عهد المغفور له الحسن الثاني (الثالث مارس من كل عام)، كانت تُنجز لوحات تلامس موضوع المناسبة، فحرصت على رسم بورتريه الملك، منغلقة على نفسها داخل غرفتها، منشغلة بالتفاصيل والدقة، سعيًا لكسب الرهان. في كل مرة، كانت الأكاديمية تختار أعمالها ضمن اللوحات المعتمدة، مما عزز ثقتها بقدرتها على الاستمرار. مرت السنوات سريعًا، وجاءت نهاية الطور الثانوي، فنجحت بمجموع جيد. عندها، أوصى الأستاذ عبد العلي بلال، أستاذ التعبير التشكيلي، والأستاذ عبد الجليل الراشدي، أستاذ رسم الملاحظة، بالتحاقها بالمركز التربوي الجهوي الخاص بالفنون، لتواصل مسارًا بدأ شغفًا طفوليًا وتحول إلى قدر فني واضح المعالم.

أصرّ عمّ فدوى على أن تتابع دراسة الحقوق، طامحًا أن يراها يومًا محامية، تحمل الملف وتعتلي منصة الدفاع، استجابت لرغبته، ودخلت كلية الحقوق بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بظهر المهراز في فاس، غير أن الخطوة التي بدت في ظاهرها انتقالًا أكاديميًا، تحولت في داخلها إلى غربة ثقيلة. وجدت نفسها محاطة بعالم لا يشبهها، وبخطاب جاف لا يلامس شغفها ولا يستفز خيالها. كان البعد عن ذاتها أشد وطأة من صعوبة الدروس، إلى أن صار الإحساس بالاختناق رفيق أيامها، انتظارًا لفرج يعيدها إلى مسارها الحقيقي.جاء الخلاص حين لبت نداء مركز الأساتذة بمدينة العرفان بالرباط. هناك، انتقلت إلى العاصمة، وخرجت من شرنقة الانغلاق إلى فضاء أرحب، اكتشفت فيه ذاتها من جديد. كان السكن داخل المركز التربوي الجهوي تجربة مفصلية، إذ غادرت لأول مرة بيت الأسرة لتعيش مع طالبة في عمرها، شريكة للدرب والطموح. تشكلت بينهما علاقة دعم وتقاسم يومي، خففت عنها وطأة الغربة، ومنحتها إحساسًا بالاستقلال والمسؤولية.في نهايات الأسبوع، كانت فدوى تقصد صخور هرهورة، تجلس قبالة البحر، وتخاطب أمواجه عن طموحاتها، وعن تصوراتها للمستقبل. هناك، كانت تستعيد هدوءها الداخلي، وتفرغ ما تراكم في صدرها من قلق وتساؤل. أكثر ما منحها راحة عميقة في تلك المرحلة، غياب مادة الرياضيات، وخاصة الجبر، الذي كان يرهق فكرها ويثقل كاهلها في مسارها الدراسي السابق. شعرت وكأنها تحررت من قيد قديم، وانفتحت أمامها دروب جديدة، أقرب إلى روحها، وأكثر انسجامًا مع ذاتها.

انقسمت أيام فدوى بمدينة الرباط بين الدراسة المنتظمة والذهاب إلى مكتبة الوثائق الوطنية لإنجاز البحوث. هناك، انفتح أمامها عالم لم تألفه من قبل؛ مكتبة واسعة، غنية بالمراجع، تتيح الوصول السلس إلى المعلومات والصور والوثائق. كل ما كانت تبحث عنه تجده في متناول اليد، الأمر الذي أدخلها في حالة من الدهشة والمتعة المعرفية، وكأنها دخلت فضاءً سحريًا تجاوز كل توقعاتها. صار البحث متعة، وصار الاطلاع رحلة لا تمل.كان برنامجها اليومي حافلًا بالحصص الفنية النظرية والتطبيقية، تتلقى خلالها الدروس على أيدي أسماء وازنة في الفن التشكيلي المغربي. درست على يد الفنان فؤاد بلامين، والفنان مصطفى البوجمعاوي، والملياني، والحياني، وكل واحد منهم ينتمي إلى مدرسة فنية خاصة، يحمل رؤيته وخبرته وأسلوبه. هذا التنوع أتاح لها تراكم تجارب متعددة، وصقل أدواتها الفنية والفكرية في آن واحد. كان مصطفى البوجمعاوي، بابتسامته الدائمة وحضوره الهادئ، يبث الطمأنينة في القاعة، ويجعل الفن أقرب إلى النفس. جميع الأساتذة كانوا كفاءات حقيقية، مناهل لا تنضب، أخذت منهم الكثير، معرفيًا وإنسانيًا.

أما فؤاد بلامين، فقد ترك أثرًا استثنائيًا في وجدانها. بشخصيته الفذة، زرع في قلبها زوبعة من الأفكار والأسئلة. في حصصه العملية والعلمية، كان يأخذ فدوى في رحلة فكرية وفنية، يرفعها إلى عوالم عليا، ويتركها تحلق معلقة بين السماء والأرض، ثم يعيدها برفق إلى الواقع. ذلك الإحساس بالتحليق والانضباط في آن واحد ظل راسخًا في ذاكرتها، أثرًا لا يمحى مع الزمن.في إحدى حصص الثقافة الفنية، وجّه فؤاد بلامين نصائح عميقة للطلبة الأساتذة، مؤكدًا على مكانة الكتاب في بناء الفكر والعقل. ثم أطلق عبارة هزّت كيان فدوى ومن حضر: “الكتاب روح مستقلة بذاتها، احذر أن تأخذ صفحة من كتاب وتتركه على الرفوف، فقد حكمت عليه بالإعدام الأبدي”. كانت هذه الكلمات صادمة بالنسبة لها، خاصة أنها في بعض الأحيان، وفي غياب المراجع، كانت تلجأ إلى نزع صفحة من كتاب أو مجلة للاستعانة بها. حفرت العبارة عميقًا في ذاكرتها وقلبها، ولم تفارقهما منذ ذلك اليوم. كلما تذكرت فدوى هذا الفنان، أدركت حجم تأثيره في تشكيل شخصيتها الفكرية والأخلاقية قبل الفنية.

قضت فدوى عامين في الرباط، كانا من أحبّ الأعوام إلى قلبها وأكثرها امتلاءً بالتحول والنضج. هناك تشكّل وعيها الفني والإنساني، وتوسّعت رؤيتها للعالم، فصارت أكثر ثقة بخياراتها وأكثر استعدادًا لمواجهة القادم. في صيف سنة 1995، جاء قرار تعيينها بمدينة ميسور بشرق المغرب، فوجدت نفسها أمام منعطف جديد لم تكن ملامحه واضحة في مخيلتها. لم تكن تعرف هذه المدينة من قبل، فتراكمت في ذهنها أسئلة كثيرة، واختلط الترقب بالخوف، وشعرت بأنها على وشك الخروج من “البيضة” مرة أخرى، نحو عالم غامض لا تعرف قوانينه بعد.التحقت فدوى بمدينة ميسور وهي ما تزال في طور النشوء، مدينة صغيرة تحمل ملامح البدايات. رافقها والدها في هذه الرحلة الأولى، وكان حضوره سندًا حقيقيًا في كل خطوة، يمنحها الطمأنينة ويخفف عنها ثقل الانتقال. سافرت أيضًا برفقة الأستاذ مصطفى الدويب، الذي سبق أن درسها مادة العلوم الطبيعية في المرحلة الإعدادية. لم تلتق به إلا لفترة وجيزة في مسارها الدراسي، غير أن أثر تلك المدة كان عميقًا، فقد كان من الأشخاص الذين آمنوا بقدراتها وشجعوها في مرحلة حساسة. جمعته بوالدها علاقة صداقة وأخوة، مما أضفى على الرحلة دفئًا إنسانيًا خفف من رهبة البداية.

زارت فدوى الإعدادية التي تم تعيينها فيها أستاذة لمادة التربية التشكيلية. كان المشهد مختلفًا هذه المرة؛ تدخل القسم لأول مرة بصفتها أستاذة لا تلميذة. توجهت مباشرة نحو الطاولة داخل الفصل، وجلست تحاول جمع أفكارها، استعدادًا لعبور الفاصل النفسي بين زمن التلقي وزمن العطاء، وبين مرحلة الدراسة ومسؤولية الوظيفة. أدركت منذ اللحظة الأولى أن الطريق لن يكون سهلًا ولا مفروشًا بالراحة. فتاة في مقتبل العمر، تخوض تجربة التدريس في مدينة صغيرة، معظم تلاميذها قادمون من البادية، ولا ينتمي إلى الوسط الحضري إلا عدد محدود من أبناء الموظفين.كان عليها أن تشق طريقها بصبر وحكمة، لتثبت شخصيتها داخل القسم. لم يكن الأمر يسيرًا، إذ رأى فيها التلاميذ قريبة منهم في السن، أقرب إلى صديقة منها إلى أستاذة، مما فرض عليها مجهودًا مضاعفًا لفرض الاحترام دون أن تفقد إنسانيتها. اعتمدت على هدوئها، وعلى شغفها بالمادة، وعلى قدرتها على التواصل، لتبني علاقة متوازنة مع تلاميذها، تجمع بين الحزم والتفهم. مع مرور الوقت، بدأت ملامح الثقة تتشكل، وبدأ التلاميذ يتفاعلون مع دروسها، ويكتشفون عالم الرسم والتعبير التشكيلي من زاوية جديدة. خارج أسوار المؤسسة، وجدت فدوى دفئًا اجتماعيًا لم تكن تتوقعه. تلقت دعوات متكررة من أسر التلاميذ لمشاركتهم وجبات الغداء والعشاء، وتلقت كلمات تشجيع وتنويه من الآباء والأمهات، الذين رأوا فيها أستاذة مجتهدة وقريبة من أبنائهم. شيئًا فشيئًا، شعرت بأنها لم تعد غريبة، وأن هذه المدينة الصغيرة بدأت تمنحها إحساس الانتماء. وجدت في سكانها أسرة بديلة عن تلك التي تركتها في مسقط رأسها، فخفّ شعور الغربة، وحل محله نوع من الألفة والاطمئنان. كانت تحرص، مرة كل شهر، على زيارة أهلها في فاس. تستقل حافلة “عمي بوشتى”، الاسم المعروف في الجهة، والذي ارتبط في ذاكرتها بطقوس العودة المؤقتة إلى الجذور. كانت الرحلة طويلة، غير أنها محمّلة بالشوق والحنين. تزور أسرتها، تستعيد دفء البيت، ثم تعود مجددًا إلى ميسور، محمّلة بطاقة جديدة تساعدها على الاستمرار.لم تخلُ هذه التجربة من بعض المنغصات، فقد واجهت فدوى أشخاصًا حاولوا إحباطها بطرق مختلفة، سواء بالتشكيك في قدراتها أو بالتقليل من شأن تجربتها. غير أنها واجهت ذلك بالصمت والعمل، وبإصرار هادئ على إثبات ذاتها. كانت تدرك أن كل بداية تحمل معها مقاومة خفية، وأن الطريق الحقيقي يُعبّد بالصبر والمثابرة. هكذا، تحولت سنوات ميسور الأولى إلى مدرسة أخرى، تعلمت فيها دروس الحياة بقدر ما علمت تلاميذها أبجديات الفن والتعبير.

مرّت سنتان في مدينة ميسور، بحلوهما ومرّهما، قبل أن يلبي قلب فدوى نداء العودة إلى فاس، لم تكن الفرحة تسعها، فارتباطها بدروب المدينة العتيقة كان أعمق من مجرد حنين عابر؛ كان ارتباطًا بالذاكرة، وبالخطوات الأولى، وبالألوان التي تشربتها الجدران العتيقة. عادت إلى مدينتها كما يعود الطائر إلى عشه الأول، محمّلة بتجربة إنسانية ومهنية نضجت على مهل. جرى تعيينها في إعدادية سيدي محمد بن عبد الرحمن العراقي، حيث استُقبلت بترحيب كبير من مدير المؤسسة، الذي كانت تربطه بوالدها وبالأسرة علاقة صداقة ومصاهرة. اشتغلت معه لمدة سنة في جو يسوده الاحترام والتقدير، وشعرت براحة واضحة، إذ وجدت نفسها بين تلاميذ يشبهونها في التفكير والحساسية، تعرف طباعهم ويعرفونها، فتشكل بينهم انسجام خاص.عاشت مع تلاميذ فاس فترة عشق متبادل للمادة، تبادلوا خلالها الشغف بالفن، وتقاسموا قصصًا ومواقف خففت عنها ثقل الحياة اليومية. غير أن هذا الوجه المضيء لم يكن يخلو من ظلال ثقيلة. داخل الإدارة، كانت مادة التربية التشكيلية تعاني تهميشًا واضحًا، إذ تُمنح الطاولات الجديدة للمواد المصنفة أساسية، فيما يُترك لقسمها الأثاث المكسور والقديم، بحجة أن الصباغة تفسد الطاولات. لم يكن لها مكتب لائق داخل الفصل، وإنما قطعة مهترئة لا تليق بمقام أستاذة ولا بمقام الفن. كانت النظرة السائدة تعتبر مادتها ثانوية، لا تحتاج إلى تجهيزات أو عناية، فوجدت نفسها تصارع يوميًا هذا الإقصاء الصامت، الذي أنهكها نفسيًا وأثقل روحها.في تلك المرحلة، أخذتها الأمومة بعيدًا عن لوحاتها. انسحبت الألوان من حياتها تدريجيًا، وقضت فترة طويلة دون أن ترسم. توقفت كليًا عن ممارسة الفن، كأن بابًا داخليًا أُغلق فجأة. وجدت نفسها محاصرة بجدران الواجبات الزوجية ومسؤوليات الحياة اليومية، فعانت كثيرًا، لأن الألوان كانت أنفاسها، والرسم كان وسيلتها الوحيدة للتوازن. امتد هذا الانقطاع لعشر سنوات كاملة، لم تلمس فيها ريشة، ولم تفتح علبة صباغة، ولم تشم رائحة اللون التي كانت توقظ فيها الحياة. كان ذلك زمن صمت قاسٍ، صمت لم يكن فراغًا، وإنما تراكمًا داخليًا مؤلمًا.

في سنة 2010، عادت فدوى بقوة مفاجئة، كأنها التقطت أنفاسها الحقيقية بعد غياب طويل. احتضنت حلمها من جديد، وقررت مواصلة المشوار الذي توقف قسرًا. بدأت بلوحات تنتمي إلى المدرسة الانطباعية، فرسمت الطبيعة في حالات متباينة، وفي أزمنة مختلفة من النهار والفصول. عواصف رعدية، خريف متلبد، صيف حارق، رياح، أمواج، فجر، غروب… كانت الطبيعة مرآتها الأولى، تفرغ فيها ما اختزنته من توتر واشتياق. بعدها، انزلقت إلى مرحلة أخرى أكثر هدوءًا، هدوء يشبه الموت البطيء الذي فُرض عليها. رسمت الطبيعة الصامتة، وقدّمتها برقة مشوبة بالكآبة، بألوان داكنة، وأشياء جامدة، بلا حركة، تعبيرًا عن نفس شعرت أنها ماتت وهي ما تزال حاضرة في الزمن، في تلك المرحلة، صار توقيع لوحاتها عصفورها الصغير، الكناري الأصفر، الذي مات فجأة دون وداع. لم يفارق هذا الرمز لوحات فدوى منذ رحيله، كأنه ظلّ حاضرًا معها، يشاركها الرسم من عالم آخر. كانت الطبيعة الصامتة بالنسبة لها زمن موت حقيقي، نتيجة ظروف وصراعات امتدت لما يقارب عقدين من عمرها، تركت فيها آثارًا عميقة لا تُمحى بسهولة، بعد هذا السكون الطويل، بعثت فدوى من جديد، مثل طائر الفينيق. جاء البعث من صرخة خرجت من أعماق المدينة العتيقة، فاس. سمعت أصوات الأبواب الخشبية القديمة وهي تُدق وتُفتح، سمعت رنين (المهراز ) النحاسي في المطابخ، ووقع الشربيل والبلغة الزيوانية على الزليج الفاسي، صعودًا ونزولًا على دروج الصالات والسقلبية. هذه الأصوات لم تكن مجرد تفاصيل يومية، وإنما نداءً داخليًا أيقظ ذاكرتها الحسية والبصرية. استجابت له بالرسم، وداومت على اللون والسند، حتى ارتوت من جديد، عاد الفن ليمنحها إكسير الحياة. رسمت صهيل الخيل، والأزقة الضيقة، والدروب المتعرجة، والحمير التي تحمل الجلود في طريقها إلى دار الدباغة. كانت لوحاتها مشبعة بروائح المدينة وأصواتها، نابضة بحركة خفية، كأن الحجر نفسه صار حيًا. بدا الأمر كما لو أن عصفورها الذي فارق الحياة قد عاد، يغمس رأسه في ماء الخصة (النافورة) وسط الدار، ويصفق بجناحيه على إيقاع سمفونية الماء المنهمر. هكذا، استعادت فدوى ذاتها كاملة، وعادت إلى الفن كحياة ثانية، أكثر عمقًا وصدقًا واتصالًا بالجذور.

ما تزال الفنانة التشكيلية فدوى الحلوي تشتغل بإخلاص على ذاكرة مدينة فاس، مدينة تسكنها كما تسكن اللوحة فضاءها الأول. تتعامل معها بوصفها كائنًا حيًا، له نبضه الخاص وإيقاعه الداخلي، فتغدو تفاصيله الصغيرة مصدر إلهام لا ينضب. هواء فاس هو أنفاسها اليومية، وحين يداهمها الإحساس بالاختناق، لا تجد متنفسًا أصدق من إطلاق العنان لريشتها، لتجوب بها أروقة المدينة، وتستعيد عبر اللون والخط ما تختزنه الذاكرة من صور وروائح وأصوات.تسافر فدوى بريشتها عبر الأزقة المتعرجة، والبيوت العتيقة، والساحات الصامتة التي تختزن حكايات لا تُروى بالكلمات وحدها. في كل لوحة، تعيد تركيب مشهد من زمن متعدد الطبقات، حيث يتقاطع الماضي بالحاضر، ويظهر الإنسان جزءًا من المعمار لا منفصلًا عنه. تكتب تاريخًا جديدًا لفاس، تاريخًا بصريًا ينبثق من الرؤية الشخصية، ويتكئ على أسلوب واقعي مشبع بالحنين والمعرفة. واقعيتها لا تقف عند حدود النقل الحرفي للمشهد، وإنما تتغلغل في جوهر المكان، لتكشف عن روحه الخفية وعمقه الإنساني.ينبع هذا الاشتغال من حب عميق للمدينة، حب تشكل عبر سنوات طويلة من المعايشة اليومية والانغماس في تفاصيل الحياة الفاسية. فاس، بالنسبة لفدوى، ليست مجرد موضوع فني، وإنما ذاكرة حية تتجدد مع كل تجربة، ومع كل نظرة جديدة. تاريخها، بما يحمله من تعقيد وغنى، يتحول في لوحاتها إلى سرد بصري يلامس المشاعر قبل العقول، ويستحضر العادات والتقاليد التي تميز المدينة وتمنحها فرادتها. تتعامل الفنانة فدوى الحلوي مع هذه العادات والتقاليد بحس مرهف، مدركة صعوبة الإحاطة بها أو تسجيلها بشكل كامل، فهي ممارسات متجذرة في اليومي، عصية على التبسيط أو الاختزال. لذلك، تترك للوحة مهمة التقاط ما يتعذر قوله، فتظهر الإيماءات، واللباس، وحركة الأجساد، وتفاصيل المعمار كعلامات دالة على ثقافة عريقة. عبر هذا المسار، يتحول الفن إلى فعل حفظ للذاكرة، ومحاولة واعية لإنقاذ ما يتلاشى تحت وطأة الزمن، وتقديمه في صيغة بصرية تحترم أصالته، وتمنحه حياة جديدة داخل فضاء التشكيل.

تعليق واحد

  1. اتبعت الرابط، واطلعت على حياتك الأسرية والفنية من بدايتها إلى نهايتها … قرأت المقالة بشغف شديد، وانتقلت معك إلى أماكن بفاس أعرفها حق المعرفة. حي باب الخوخة سكنت فيه، وثانوية مولاي رشيد درست فيها السلك الأول قبل أن أنتقل إلى ثانوية الشراردة ( ابن خلدون حاليا ), باب ريافة أعرفها جيدا إذ كان بعض أصدقائي يدرسون بها. وكذلك المدينة العتيقة بأزقتها وحوانيتها وأضرحتها …
    مسيرتك الفنية منارة مشرقة، وحياتك تستحق أن تدون بحروف من ذهب … أنت أيقونة الفن الأصيل، ونموذج للمرأة العصامية الناجحة فنيا ومهنيا.
    لك مني كل المودة والتقدير يا ابنة العم الغالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى