المغرب الذي نريده: انتصارات اقتصادية واجتماعية تبني الإنسان قبل الألقاب الكروية

في السنوات الأخيرة، وجد المغاربة أنفسهم أمام مشاهد غير مألوفة من الفرح الجماعي، مصدرها إنجازات كروية رفعت اسم المغرب عاليًا في المحافل الدولية. لم تكن تلك الانتصارات مجرد نتائج رياضية، وإنما لحظات مكثفة من الإحساس بالقدرة على التحدي، وبأن العمل المنظم والإيمان بالذات قادران على تغيير الصورة النمطية وبناء الثقة في المستقبل.

هذا المعنى العميق يجعل السؤال ملحًا، ما أحوج الشعب المغربي إلى انتصارات اقتصادية واجتماعية تعادل هذه اللحظات، وتمنح المجتمع أسبابًا دائمة للازدهار، وانتصارات حقيقية على الفساد تقتلع جذوره من الأعماق، لقد كشفت التجربة الكروية الوطنية أن النجاح لا يأتي من فراغ، وإنما هو حصيلة رؤية استراتيجية، واستثمار طويل الأمد في التكوين، وانضباط مؤسساتي، وربط واضح بين الجهد والنتيجة. هذه القيم نفسها تشكل أساس أي نهضة اقتصادية جادة. فالاقتصاد الوطني في حاجة إلى دينامية إنتاجية متجددة، تضع الإنسان في قلب العملية التنموية، وتحوّل الثروات الطبيعية والموقع الجغرافي والرصيد الثقافي إلى قوة فعلية مولدة للثروة وفرص الشغل، لانتصارات الاقتصادية التي ينتظرها المغاربة ليست شعارات ترفع في المناسبات، وإنما تحولات ملموسة في الحياة اليومية. هي قدرة الشباب على ولوج سوق الشغل دون شعور بالإقصاء، وهي تشجيع حقيقي للمقاولة الصغرى والمتوسطة، وهي إدارة حديثة تقلص المساطر المعقدة وتفتح المجال أمام المبادرة. عندما يشعر المواطن أن الاقتصاد يعمل لصالحه، وأن الفرص توزع وفق معايير واضحة، تتعزز الثقة بين الفرد والدولة، وتتحول المشاركة الاقتصادية إلى فعل وطني جامع.

وعلى المستوى الاجتماعي، تبرز الحاجة إلى انتصارات لا تقل أهمية. فالمجتمع المغربي، رغم ما راكمه من مكتسبات، ما زال يواجه تحديات كبرى مرتبطة بالصحة والتعليم والسكن والحماية الاجتماعية. الانتصار الاجتماعي يعني مدرسة عمومية جاذبة، قادرة على تكوين مواطن حر وناقد ومؤهل للاندماج في عالم متغير. ويعني منظومة صحية تحترم كرامة الإنسان، وتضمن العلاج في آجال معقولة دون تمييز. كما يعني سياسات اجتماعية تقلص الفوارق المجالية، وتمنح القرى والهوامش نصيبها من التنمية، إن الربط بين الاقتصادي والاجتماعي ليس ترفًا فكريًا، وإنما شرط أساسي لتحقيق الازدهار. فاقتصاد لا ينعكس على العدالة الاجتماعية يفقد معناه، وسياسات اجتماعية دون قاعدة اقتصادية صلبة تظل هشة وقابلة للتراجع. من هنا تبرز أهمية التخطيط المتكامل، الذي يستحضر الإنسان كغاية وليس كوسيلة، ويجعل من التنمية مسارًا تراكميًا تشارك فيه مختلف الفاعلين. غير أن أي حديث عن الانتصار يبقى ناقصًا دون مواجهة حازمة للفساد. فالفساد يشكل أحد أخطر العوائق أمام التنمية، إذ يهدر الموارد، ويقوض الثقة، ويكرس الإحباط، ويمنح الامتياز لغير المستحق. الانتصار على الفساد ليس حملة ظرفية ولا خطابات موسمية، وإنما هو مسار مؤسساتي طويل، يقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، واستقلال القضاء، وشفافية الصفقات العمومية، وحماية المبلغين، وترسيخ ثقافة النزاهة في الإدارة والمجتمع.

لقد أظهرت كرة القدم المغربية أن الانضباط واحترام القواعد عنصران حاسمين في تحقيق النتائج. هذا الدرس يمكن نقله إلى مجال الحكامة، حيث تصبح القوانين واضحة وتطبق على الجميع دون استثناء، وحيث يشعر المواطن أن العدالة ليست شعارًا وإنما ممارسة يومية. في مناخ كهذا، تتحرر الطاقات، ويصبح الاستثمار أكثر جذبًا، وتتقلص مساحات الريع، ويتحول المال العام إلى أداة لخدمة الصالح العام.
إن الحاجة إلى انتصارات شاملة تعني أيضًا استعادة الثقة الجماعية، فالثقة هي الوقود الخفي لأي مشروع وطني ناجح. عندما يثق المواطن في مؤسساته، ويثق المستثمر في استقرار القواعد، ويثق الشاب في مستقبله داخل وطنه، تتولد حركة مجتمعية إيجابية قادرة على تجاوز الأزمات. هذه الثقة لا تمنح مجانًا، وإنما تبنى عبر سياسات واضحة، وتواصل صادق، ونتائج محسوسة، كما أن الانتصار المنشود يتطلب إشراكًا حقيقيًا للمجتمع المدني والنخب الفكرية والثقافية. فالتنمية ليست شأنًا تقنيًا محضًا، وإنما هي مشروع حضاري يحدد صورة المجتمع الذي نريده. الإعلام، والمدرسة، والجامعة، والفن، جميعها أدوات أساسية في ترسيخ قيم العمل والانضباط والمسؤولية، وفي مواجهة ثقافة الاستسلام أو التطبيع مع الاختلالات. إن المقارنة بين الانتصارات الكروية والانتصارات الاقتصادية والاجتماعية ليست مجازًا عابرًا، وإنما دعوة للتأمل في شروط النجاح. فكما التفت الجماهير حول فريق واحد يحمل قميص الوطن، يمكن للمغاربة أن يلتفوا حول مشروع وطني جامع، قوامه التنمية العادلة والنزاهة والكرامة. هذا المشروع يحتاج إلى نفس طويل، وإلى تضحيات، وإلى وعي جماعي بأن التغيير لا يصنعه فرد واحد، وإنما تصنعه إرادة مشتركة. ما أحوج الشعب المغربي إلى انتصارات تتجاوز لحظات الفرح المؤقت، وتؤسس لواقع مستقر ومزدهر. انتصارات تجعل الاقتصاد في خدمة الإنسان، وتجعل العدالة الاجتماعية أفقًا ممكنًا، وتجعل محاربة الفساد ممارسة يومية لا شعارًا موسميًا. عندها فقط، يصبح الفرح جماعيًا ومستدامًا، ويغدو الوطن فضاءً للأمل والعمل، تمامًا كما تحولت ملاعب كرة القدم إلى مساحات للثقة والحلم المشترك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى