في رحاب رهط: أنشودةُ الرمل وذاكرةُ التراث البدوي


إلى صديقي كايد ابو الطيف، الرهطي المراكشي العربي، الغريبُ في مدينته كأنّه آخرُ حرّاس الحلم، والمُلْسوعُ بجمرِ المسرح حتى أضاءت روحه خشباتِ العتمة؛ تمضي حاملاً وجع الفنّ كقنديلٍ في مهبّ الريح، وتُعلّمنا أنّ العاشق الحقيقيّ لا يبرأ من نار شغفه، يحيا بها ولها.
حين تُفضي بي السُّبُل إلىرهط، أجدني في كل مرّةٍ أسيرَ الوقت، تُطاردني عقاربُه كما تُطارد الرّيحُ قوافلَ المسافرين في الفلوات، فلا أكاد أُلمُّ بأطراف المدينة، ولا أُمعن النظر في تضاريسها الثقافية والإنسانية، حتى أكون قد شُددتُ من جديد إلى سفرٍ آخر أو موعدٍ آخر، غير أنّ زيارتي الأخيرة كانت على غير ما ألفتُه من عجلةٍ واقتضاب؛ إذ عزمتُ أن أقتطع من ضجيج الأيام فسحةً ألوذ فيها بلقاء الصديق الأثير، الفنان المسرحي والصحفي ابن رهط، كايد ابو الطيف، ذلك الرجل الذي ما برح يحمل في قسمات وجهه ملامح البادية الأولى، وفي صوته نبرة الرمل إذا ناجته الرياح، وفي عوالم سريرته الكثير من النقاء الطفولي الواعي، ورغم ما يكتنف جسده من وهن العِلّة، فقد نهض بي نهوضَ الدليل الخبير، وأخذ بيدي إلى معالم رهط الثقافية والفنية، كأنّه شيخُ رواةٍ يفتح أمام ضيفه دفاتر الذاكرة المدفونة تحت طبقات الزمن، وكان من أبهى ما قصدناه “مركز التراث البدوي”، ذلك الصرح الذي يُعدّ أوّل متحف بدوي من نوعه، والقائم في هذه المدينة التي تُعدّ من كبريات الحواضر العربية في البلاد.

دخلتُ المتحف، فإذا بي أعبر عتبةً تُفضي زمنٍ آخر، زمنٍ كانت فيه الصحراء أمًّا رؤومًا وقاسيةً في آن، تُربّي أبناءها على الجَلَد، وتُعلّمهم الإصغاء إلى لغة النجوم، ومخاطبة القفر كما يُخاطَب الرفيق القديم، وكان كايد يسير إلى جانبي، يُشير إلى المعروضات إشارة العارف، ويشرح تفاصيلها شرحَ من عاش الحكاية أو ورثها عن الآباء والأجداد، محاولًا أن يُقرّب إلى ذهني صور الماضي، وأن يُعيد إلى الأشياء روحها التي أوشكت المدنية العاتية أن تطمسها. كنتُ أتجوّل بين أقسام المتحف كأنّي أُقلب صفحات سفرٍ عتيق، تتعالق فيه الحكايات بالرمال، وتختلط فيه رائحة الصوف المحاك بدخان المواقد القديمة، أخذت أتخيّل كيف عاش الناس في هذه الديار؛ كيف كانت حياتهم الاجتماعية تُبنى على النخوة والعصبية الحميدة، وكيف كانت مجالسهم تُعقد حول النار في الليالي القمراء، يتبادلون الأخبار والأشعار والأمثال، ويُصلحون ذات البين، ويحتكمون إلى أعرافٍ صاغتها التجربة الطويلة في الفلاة.وكانت الجولة، وإن قصرت مدّتُها، عميقةَ الأثر في نفسي، لأنّها كانت عبورًا إلى جوهر الإنسان البدوي، ذاك الإنسان الذي نسج علاقته بالصحراء من الصبر والحكمة، ومن معرفةٍ دقيقة بمسالك الأرض وتقلبات السماء، فالمتحف لا يروي حكاية أدواتٍ وأزياءٍ فحسب، ولكن يروي سيرة ثقافةٍ كاملة، بثقافتها المادية والروحية، وعلاقتها الوجودية بالمكان، ويفتح كوة ضوء على عوالم رمزية فكرية ومجالية قمينة بالنبش في تفاصيلها الدقيقة كتابة وتصويرا.

وفي أرجاء المتحف تتجلّى ملامح الماضي والحاضر معًا؛ إذ يُستعرض تاريخ الثقافة البدوية في النقب، وتحولات المجتمع البدوي، وما واجهه عبر العقود من محنٍ وتحديات، وما خاضه من نضالٍ مرير للحفاظ على هويته وخصوصيته الثقافية، فهنا تُعرض الأشياء بوصفها بقايا جامدة من زمنٍ مندثر، غير أنها كائناتٍ حيّة تنبض بالمعنى، وتشهد على صمود الإنسان في وجه التبدّل والاقتلاع، وخلال تجوالي في المعرض، تناهت إلى سمعي قصصٌ وأمثالٌ وحِكمٌ بدوية، تحمل في ألفاظها فطرة الصحراء ونباهة أهلها. وكان لكلّ مثلٍ حكاية، ولكلّ حكاية ظلٌّ من تجربةٍ إنسانية عميقة، شعرتُ بسحر الحياة الصحراوية؛ ذلك السحر الذي لا يقوم على البساطة النبيلة، وعلى انسجام الإنسان مع الطبيعة، ومع ضرورات العيش القاسي، ورأيتُ في المتحف قطعًا تراثيةً قديمة، من أدواتٍ وأوانٍ وألبسةٍ ومصنوعاتٍ يدوية، عُرضت بأسلوبٍ عصريٍّ يستعين بالتقنيات الحديثة، دون أن يفقدها روحها الأصيلة. فكأنّ الماضي هنا لم يُستدعَ ليُحنّط فيرفوف المتحف أو وزواياه، ولكن ليُبعث من جديد في هيئةٍ أكثر قربًا إلى الأجيال الحديثة.ومن أبرز ما استوقفني “قاعة التاريخ”، حيث تتراقص الصور الضوئية على جدران المتحف، فتغدو الجدران شاشاتٍ للذاكرة الجمعية، وفي وسط القاعة ينتصب النول التقليدي، وإلى جانبه بساطٌ بدوي من النقب، كأنّه رقعةٌ من الأرض نُسجت بالخيوط والألوان، وقد أُحيطت المعروضات بالشروح والرسوم التوضيحية التي تُفسّر طرائق النسيج القديمة، وتكشف ما تنطوي عليه من مهارةٍ وصبرٍ وذائقةٍ جمالية.

أما “البئر”، فقد بدا لي أكثر من مجسّمٍ تعليمي؛ لقد كان رمزًا للحياة ذاتها، وإليه تأوب القوافل، وتستقر حوله الخيم، ففي الصحراء يكون الماء معنى الوجود وشرطه الأول، وقد أُتيح للزائر أن يجرّب سحب الماء بالأدوات القديمة، ليُدرك شيئًا من معاناة الأسلاف وكفاحهم اليومي. وهناك أيضًا يُشرح الدور الاجتماعي للبئر، إذ كان ملتقى الناس ومهوى أفئدتهم، عنده تُعقد الأحاديث، وتُتبادل الأخبار، وتُبنى أواصر الجماعة.وفي جناح “الفرح”، عُرض فيلمٌ قصير يستعيد طقوس الأعراس البدوية في الماضي والحاضر، بما فيها من أهازيج وزغاريد ورقصاتٍ وأزياء، وقد بدت تلك الطقوس كأنّها احتفاءٌ جماعي بالحياة، وإعلانٌ عن قدرة الإنسان على اقتناص الفرح حتى في البيئات الشحيحة القاسية.ثم انتقلنا إلى “الخيمة”، أو “بيت الشَّعرِ ” ذلك البيت الذي طالما شكّل رمز الترحال والحرية، ما أشبهَ بيتَ الشَّعرِ، ذلك المأوى البدويّ المنسوج من صوف الماعز ووبر الإبل، بـ “بيتِ الشِّعرِ” الذي تُشاد أركانه من الكلمات والإيقاع والمعنى، فكلاهما يقوم على أوتادٍ تحفظ توازنه وتمنحه الثبات؛ فـ “بيتُ الشَّعر” تُمسكه الأوتاد المشدودة إلى الأرض كي لا تعبث به الرياح، و “بيتُ الشِّعر” تُقيمه أوتاد الوزن والقافية حتى لا يتداعى بناؤه اللغوي ويختلّ إيقاعه، وفي كلٍّ منهما رحابةٌ تؤوي الإنسان؛ ذاك يؤوي الجسد من لفح الهجير وقرص البرد، وهذا يؤوي الروح من قسوة الواقع ووحشة الأيام، وكما كانت الخيمة ملتقى للضيوف والرواة والسُّمّار، كان “بيتُ الشِّعر” مجلسًا للخيال والحكمة والعاطفة. وإن كانت الخيمة تُنقل على ظهور الجمال من وادٍ إلى وادٍ، فإن القصيدة ترتحل على ألسنة الناس من جيلٍ إلى جيل، حاملةً ذاكرة الأمة ووجدانها.

وهناك تكون فرصة للزائر أن يشارك في تركيب نموذجٍ للخيمة البدوية، وأن يتعرّف إلى طريقة نصبها وطيّها وحملها على ظهور الجمال. والخيمة كانت عالمًا كاملًا؛ وليس فقط مأوى، فيها تُصاغ العلاقات الأسرية، وتُستقبل الوفود، وتُروى القصائد، ويشبّ الأطفال على قيم الكرم والشهامة، وفي ركن “الموسيقى البدوية” تنبعث أنغام الآلات التقليدية، فتوقظ في الروح حنينًا غامضًا إلى البدايات الأولى، ويتبيّن المرء كيف كانت الموسيقى وسيلةً للتواصل، ونقل الأخبار والرسائل بين مضارب القبائل، فضلًا عن كونها تعبيرًا عن الفرح والحزن والبطولة والحنين.أما “قاعة رهط”، فقد أخذت على عاتقها أن تروي قصة المدينة منذ العصور القديمة، منذ الأزمنة المرتبطة بسيدنا إبراهيم عليه السلام، وصولًا إلى يومنا الراهن، وهي تُبرز تحولات المجتمع البدوي، وما يواجهه من أسئلة الهوية والحداثة، ومن تحديات التعليم والعمران والاقتصاد، فضلًا عن تطلعاته إلى بناء مستقبلٍ أكثر عدلًا وكرامة.

وما خرجتُ من ذلك المتحف إلا وقد ازددتُ يقينًا بأنّ النظم الاجتماعية والأخلاقية والعادات والتقاليد والفنون عند الشعوب ليست مجرّد بقايا من الماضي، هي ذاكرةٌ حيّة، لا تفنى بفناء السنين، ولا تذوب بتغيّر الأمكنة، إنها خلاصة التجربة الإنسانية، وجوهر الحضارات التي تتوارثها الأجيال كما يُتوارث الضوء في المصابيح القديمة، ومن هنا يغدو التراث، ولا سيّما التراث اللامادي، أمانةً كبرى في أعناق الجميع؛ لأنّه ميراث الإنسانية جمعاء، فالحكايات الشعبية، والأغاني، والأمثال، والطقوس، والحِرف، أرشيفٌ موازٍ للتاريخ الرسمي، حفظ ما أغفلته المدونات السلطوية، وسجّل نبض الناس البسطاء، ومخاوفهم، وأحلامهم، وطرائق مقاومتهم اليومية للاندثار. لقد كان التراث اللامادي العربي، عبر العصور، معينًا لا ينضب للفنون والآداب؛ ففي المسرح والسينما والموسيقى والفنون البصرية والأدب، ظلّ هذا التراث خزانًا رمزيًا تستمدّ منه الثقافة العربية قدرتها على التجدد، دون أن تنقطع عن جذورها الضاربة في أعماق التاريخ.ومن منظورٍ إعلامي وثقافي، لا يجوز أن يُختزل التراث اللامادي العربي في احتفالاتٍ موسمية أو شعاراتٍ عابرة؛ وإنما ينبغي النظر إليه بوصفه قضيةً استراتيجية تتصل بالهوية والمعرفة والتنمية والحوار الإنساني. فهو من آخر الجسور القادرة على وصل العالم العربي بعضه ببعض، رغم ما بين أقطاره من حدودٍ واختلافاتٍ سياسية.

غادرتُ رهط، غير أنّها لم تغادرني؛ فقد ظلّت صورتها مترسّخةً في أعماق الذاكرة، كأنّ رمالها علقت بثنايا الفكر والوجدان، وما برحت مشاهد التراث البدويّ، بما تحمله من أصالةٍ وعفوية، تتردّد في داخلي، تُنازع صخب الحداثة الجافّة التي جرّدت الإنسان من كثيرٍ من طمأنينته الأولى، وتدعوني في الآن ذاته إلى العودة نحو الجذور، حيث صفاء الروح، ونقاء السريرة، وبساطة العيش التي لا تعرف التكلّف ولا الزيف.لقد شعرتُ، وأنا أتجوّل بين ملامح ذلك التراث، أنّ الإنسان القديم، رغم قسوة الصحراء وشُحّ الموارد، كان أكثر انسجامًا مع ذاته، وأكثر قدرةً على الإصغاء إلى إيقاع الحياة الطبيعي. هناك، في الخيمة، وفي رائحة القهوة العربية، وفي الحكايات المتوارثة، وفي صوت الربابة الممتدّ عبر الفضاء، يتجلّى معنى الانتماء الحقيقي، وتنكشف قيمة الأشياء الصغيرة التي أهملتها المدنية الحديثة تحت وطأة السرعة والاستهلاك.وقد واعدتُ صديقيكايد الطيفعلى أن تكون لي إلى رهط زيارات متكرّرة، باحثًا عن جوهر العربيّ في تجلّياته المختلفة؛ في لغته، وطباعه، وفنونه، وعلاقته بالأرض والناس، فأنا أرى في تلك التفاصيل اليومية البسيطة مرعىً خصبًا للفكر، ومنبعًا لإعادة تأمل أساليب حياتنا المعاصرة، علّنا نهتدي إلى صيغةٍ أكثر توازنًا، تُعيد إلى الإنسان متعة العيش في بساطته، بعيدًا عن ضجيج التعقيد ووحشة الحداثة الباردة.

ولعلّ زيارتي إلى رهط، وما رافقها من صحبة كايد ابو الطيف، قد أعادت إلى ذهني هذه الحقيقة الجليلة، أن الأمم التي تحفظ ذاكرتها، تحفظ وجودها، وأن الشعوب التي تُصغي إلى أصوات أسلافها، أقدرُ على أن تُنصت إلى نداء المستقبل.

