من “الحولي” في العيد إلى جهاز رصد الغش في الامتحانات: إخفاقات تتكرر وخطاب لا يتغير


لقد اثار الجدل المتصاعد حول جهاز رصد الغش في الامتحانات تساؤلات متزايدة بشأن مدى فعاليته وجدوى الاعتماد عليه، إلى درجة دفعت بعض المتابعين إلى التساؤل عما إذا كانت وزارة التربية الوطنية مقبلة على مواجهة ملف جديد قد يتحول إلى مصدر إحراج إضافي للوزير محمد سعد برادة، في حال ثبت أن الوعود التي رافقت إطلاق هذا الجهاز أكبر من النتائج التي حققها على أرض الواقع.فمنذ الشروع في استعمال هذه التقنية، تواترت شهادات وملاحظات من داخل مراكز الامتحان وخارجها، تتحدث عن اختلالات تقنية وإجرائية تحد من نجاعة الجهاز وتطرح علامات استفهام حول قدرته الفعلية على التصدي لظاهرة الغش. وإذا كانت الغاية من اعتماده هي تعزيز نزاهة الامتحانات وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص بين المترشحين، فإن عدداً من الملاحظين يرون أن النتائج الميدانية لم ترق بعد إلى مستوى التطلعات التي صاحبت الترويج له.
ومن بين أبرز المؤاخذات المتداولة أن الجهاز لا يتمكن من رصد بعض أنواع الهواتف المحمولة، كما يعجز عن التقاط إشارات الأجهزة الموجودة خارج نطاق التغطية أو تلك التي تكون في أوضاع تقنية معينة. ويضاف إلى ذلك ما يشتكي منه بعض المكلفين بتشغيله من تعقيدات مرتبطة بطريقة استعماله ومتطلبات تفعيله، الأمر الذي يجعل الاستفادة المثلى منه رهينة بخبرة تقنية ليست متاحة دائماً في مختلف مراكز الامتحان. كما أن حجم الجهاز وطريقة تشغيله يثيران بدورهما ملاحظات عديدة، إذ يرى بعض المتتبعين أن حضوره داخل قاعات الامتحان قد يتحول أحياناً إلى عنصر تشويش على التلاميذ، خاصة في لحظات التركيز القصوى التي تتطلب هدوءاً واستقراراً نفسيين. ويزداد الأمر تعقيداً عندما تواجه الأجهزة مشاكل مرتبطة بالشحن أو الجاهزية التقنية، إذ يصبح الجهاز نفسه خارج الخدمة في الوقت الذي يفترض فيه أن يؤدي مهمته الرقابية. ولعل أكثر ما أثار الجدل هو الحديث عن حالات جرى فيها الاشتباه في بعض التلاميذ بناء على إشارات التقطها الجهاز، قبل أن يتبين بعد إخضاعهم للتفتيش أنهم لا يحملون أي هاتف أو وسيلة للغش. وفي مثل هذه الحالات، لا تقتصر الأضرار على مجرد إجراء تفتيش عابر، بل تمتد إلى ضياع جزء من الزمن المخصص للامتحان، وما يرافق ذلك من ارتباك نفسي وفقدان للتركيز قد يؤثران سلباً في أداء المترشح ونتيجته النهائية.
وقد ساهمت هذه الوقائع، سواء كانت معزولة أو متكررة، في تحويل الجهاز إلى موضوع للنقاش والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً بعدما قُدِّم للرأي العام باعتباره حلاً ناجعاً وقادراً على تضييق الخناق على الغش الإلكتروني داخل قاعات الامتحان. فكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب الرسمي والنتائج المحققة ميدانياً، ازدادت حدة الانتقادات وتنامت الشكوك حول حقيقة ما إذا كان الأمر يتعلق بإنجاز فعلي أم بصورة أخرى من صور الإنجازات المعلنة التي لا تصمد أمام اختبار الواقع. وفي خضم هذه الموجة من التساؤلات والملاحظات، يلاحظ كثيرون غياب تواصل رسمي يوضح للرأي العام حقيقة هذه الاختلالات وحدودها، ويقدم معطيات دقيقة حول مردودية الجهاز وكلفته وآفاق تطويره. وهو ما يفتح الباب أمام التأويلات ويغذي الجدل الدائر حول الموضوع، في انتظار توضيحات رسمية قادرة على تبديد الشكوك أو تأكيدها.
ويبقى السؤال مطروحاً بإلحاح، هل يتعلق الأمر بتجربة تقنية تحتاج إلى مزيد من التطوير والتقييم، أم أننا أمام مشروع جرى الترويج له بجرعات كبيرة من التفاؤل قبل أن تصطدم وعوده بواقع الممارسة؟ ذلك ما ستكشفه الأيام المقبلة، خاصة إذا استمرت الملاحظات نفسها في التواتر، واستمرت الوزارة المعنية في التزام الصمت، في مشهد يذكّر بملفات سابقة أثارت الكثير من الجدل قبل أن تتحول إلى مادة خصبة للنقاش العمومي والسخرية السياسية.
ما أشبه حال وزارة الفلاحة بحال وزارة التعليم في المغرب؛ فالأولى أخفقت في تدبير ملف الأضاحي، بعدما سُوِّقت للمغاربة وعودٌ كثيرة حول وفرة العرض واستقرار الأسعار، قبل أن يصطدم المواطن بواقع مغاير طبعته المضاربات وارتفاع الأثمان وهيمنة الوسطاء والسماسرة. أما الثانية، فقد وجدت نفسها في قلب جدل واسع بسبب تدبير الامتحانات، ولا سيما ما رافق اعتماد أجهزة رصد الغش من ملاحظات واختلالات أثارت تساؤلات حول جاهزية هذه الحلول التقنية وفعاليتها. وبين فوضى سوق الأضاحي وفوضى التدابير المرتبطة بمراقبة الامتحانات، يبدو أن القاسم المشترك هو اتساع الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش. ففي الحالتين جرى تقديم وعود مطمئنة للرأي العام، لكن النتائج الميدانية فتحت الباب أمام الانتقادات والتشكيك في حسن التدبير ونجاعة الإجراءات المتخذة.
إن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب المحاسبة والتقييم الصريح، وفي الإصرار على تسويق النجاح حتى عندما تكون مؤشرات الإخفاق واضحة للعيان، وليس في وقوع الأخطاء، فذلك أمر وارد في كل السياسات العمومية، فعندما يشعر المواطن أن ما يُعلن عنه لا ينسجم مع ما يراه ويعيشه يومياً، تتراجع الثقة في المؤسسات وتزداد حالة الإحباط. حيث بين الأضاحي والامتحانات، تكررت الصورة ذاتها، تدابير مرتبكة، ووعود كبيرة، ونتائج تثير الجدل، فيما يبقى المواطن والتلميذ أول من يؤدي ثمن سوء التقدير وضعف الحكامة.

