الملك محمد السادس سيزور فرنسا بعد افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة في أكتوبر

في سياق التحولات المتسارعة التي تشهدها العلاقات المغربية الفرنسية خلال السنوات الأخيرة، كشفت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن زيارة الدولة المرتقبة التي سيقوم بها الملك محمد السادس إلى فرنسا يُنتظر أن تتم خلال فصل الخريف المقبل، وذلك عقب افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة بالمغرب في شهر أكتوبر، وفق ما نقلته الصحيفة عن مصادر وصفتها بالمطلعة. ويبدو أن هذه الزيارة، التي طال انتظارها لأزيد من عام ونصف، تحمل أبعادًا سياسية ودبلوماسية تتجاوز طابعها البروتوكولي، بالنظر إلى ما يحيط بها من رهانات استراتيجية مرتبطة بمستقبل العلاقات بين الرباط وباريس. وأوضحت الصحيفة الفرنسية أن الزيارة الملكية لن تتم قبل الاستحقاقات التشريعية المغربية المرتقبة خلال شهر شتنبر المقبل، كما أنها تظل مرتبطة كذلك بافتتاح الدورة البرلمانية الجديدة التي يترأس الملك محمد السادس جلستها الافتتاحية، وفق التقليد الدستوري المعمول به في المملكة، كل ثاني جمعة من شهر أكتوبر. ويعكس هذا التوقيت، بحسب متابعين، رغبة الطرفين في إضفاء طابع سياسي ومؤسساتي قوي على الزيارة، بما يجعلها محطة مفصلية في مسار العلاقات الثنائية.

وأضافت “لوموند” أن إعداد وصياغة هذه المعاهدة أُسندا إلى شخصيات بارزة في العلاقات المغربية الفرنسية، من بينها الكاتبة المغربية الفرنسية ليلى سليماني، إلى جانب وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيدرين، في خطوة تعكس الطابع الرمزي والسياسي الكبير الذي توليه باريس والرباط لهذا المشروع، باعتباره مدخلًا لتدشين مرحلة جديدة في تاريخ العلاقات بين البلدين.

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد وجّه دعوة رسمية إلى الملك محمد السادس خلال زيارته إلى الرباط في أكتوبر 2024، معربًا آنذاك عن أمله في أن تتم الزيارة خلال السنة الموالية، بالتزامن مع الذكرى السبعين لإعلان “لا سيل سان كلو” لسنة 1955، وهو الإعلان الذي مهّد لعودة الملك الراحل محمد الخامس من المنفى، ومثّل خطوة حاسمة في مسار استقلال المغرب سنة 1956. غير أن هذا المشروع تعرّض لاحقًا للتأجيل، قبل أن يعود إلى الواجهة من جديد في ظل التحسن الملحوظ الذي شهدته العلاقات بين البلدين منذ صيف سنة 2024. ووفق “لوموند”، فإن عودة الدفء إلى العلاقات المغربية الفرنسية جاءت عقب إعلان باريس دعمها الرسمي للموقف المغربي بشأن قضية الصحراء، وهو القرار الذي اعتُبر تحوّلًا استراتيجيًا في السياسة الفرنسية تجاه الرباط، بعد سنوات من الحذر والتوازن الدبلوماسي. وقد مهّد هذا الموقف لمرحلة جديدة من التقارب السياسي بين البلدين، تُرجمت من خلال تكثيف اللقاءات الرسمية والزيارات المتبادلة، وصولًا إلى الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي إلى المغرب وظهوره إلى جانب الملك محمد السادس في الرباط، في مشهد حمل دلالات سياسية ورمزية قوية.

ووصف التقرير الفرنسي الزيارة المرتقبة بأنها “محطة تاريخية” في مسار العلاقات الثنائية، مشيرًا إلى أنها ستكون ثاني زيارة دولة فقط يقوم بها الملك محمد السادس إلى فرنسا منذ اعتلائه العرش سنة 1999، بعد الزيارة الأولى التي تمت سنة 2000 في عهد الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك، الذي كان يُعرف بعلاقته الخاصة بالمغرب وبالملك الراحل الحسن الثاني. ومن شأن هذه الزيارة أن تعكس إرادة مشتركة لدى البلدين لإعادة بناء الثقة وتجاوز مرحلة التوتر التي طبعت علاقاتهما خلال الأعوام الماضية. فالعلاقات بين الرباط وباريس لم تكن دائمًا مستقرة خلال العقد الأخير، إذ شهدت فترات من البرود السياسي والتوتر الدبلوماسي، خاصة عقب قضية “بيغاسوس” سنة 2021، حين وُجهت اتهامات إلى أجهزة الاستخبارات المغربية باستخدام برنامج تجسس إسرائيلي لاستهداف هواتف شخصيات فرنسية، من بينها الرئيس إيمانويل ماكرون. وقد تركت تلك القضية أثرًا بالغًا على مستوى الثقة بين الطرفين، وفاقمت منسوب التوتر السياسي والإعلامي بين البلدين.

كما ازدادت حدة الخلافات لاحقًا بسبب مواقف البرلمان الأوروبي المنتقدة للمغرب في ملفات تتعلق بحقوق الإنسان وحرية الصحافة، فضلًا عن أزمة التأشيرات التي فرضتها باريس على المواطنين المغاربة، وهو القرار الذي أثار استياءً واسعًا داخل المغرب، واعتُبر آنذاك مؤشرًا على تراجع مستوى العلاقات التقليدية بين البلدين. غير أن سنة 2023 شهدت بداية عودة الحوار السياسي تدريجيًا، قبل أن يتعزز هذا المسار بشكل واضح خلال السنة الموالية. وفي هذا الإطار، نقلت “لوموند” عن وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة تأكيده أن الاتصالات بين الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “متواصلة”، مشيرًا إلى أن أكثر من أربعين اجتماعًا وزاريًا عُقدت بين الجانبين منذ استئناف الدينامية الجديدة للعلاقات الثنائية، وهو ما يعكس حجم الحركية السياسية والدبلوماسية التي باتت تطبع التعاون المغربي الفرنسي في مختلف المجالات. أما على مستوى مضامين الزيارة المرتقبة، فقد كشفت الصحيفة الفرنسية أن أبرز محطاتها ستكون التوقيع على “معاهدة صداقة” بين المغرب وفرنسا، وهي معاهدة وصفها ناصر بوريطة بأنها سابقة من نوعها، باعتبارها الأولى التي توقّعها فرنسا مع بلد غير أوروبي، كما أنها أول اتفاق من هذا المستوى يوقّعه المغرب مع دولة أوروبية. ويُنتظر أن تؤسس هذه المعاهدة لإطار جديد من الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، يشمل مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والأمن والتعاون الإقليمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى