شهداء عين النقبي | أهل فاس في الرباط والدار البيضاء… شراكة صامتة في فاجعة جنان الورد

✍️

حتى أواخر السبعينات، كانت فاس العتيقة محاطة بأحزمة خضراء من “الجنانات” بساتين يملكها أعيان المدينة، تُستعمل للغلة وللاستجمام. أسماء مثل جنان العراقي، جنان الشامي، جنان الحريشي، جنان القادري… لم تكن مجرد تسميات، بل كانت امتدادًا بيئيًا وثقافيًا لمدينة عاشت قرونًا وهي تضبط علاقتها بالأرض، لا تستهلكها بل تتنفس منها.

جنان بوزبع في أواسط الثمانينات

ثم جاءت الثمانينات، ومعها الجفاف القاسي الذي ضرب المغرب، فدفع موجات هائلة من الهجرة القروية نحو المدن. فاس، بما كانت توفره من معامل نسيج وجلد، بدت كملاذ. لكن المدينة لم تكن مستعدة، ولا حتى راغبة في الاستعداد.

في تلك اللحظة، تحولت “الجنانات” إلى سلعة. قُسّمت إلى بقع، وبُنيت عليها “النواويل” أكواخ أولية، بلا تخطيط، بلا بنية تحتية، بلا أدنى احترام لفكرة المدينة.

وهنا تبدأ أولى المفارقات السوداء: الذين باعوا الجنانات لم يكونوا فقراء، بل كانوا من أعيان فاس، لكنهم لم يكونوا في فاس أصلاً.
منذ الستينات، غادر عدد كبير من فاسيي النخبة مدينتهم نحو الرباط والدار البيضاء. هناك، أعادوا بناء مجدهم الاقتصادي والإداري، مستفيدين من شبكاتهم وخبراتهم التاريخية.

فاس، التي كانت لقرون القطب الاقتصادي للمغرب، تُركت تدريجيًا. لم تُهجر فقط جغرافيًا، بل تُركت بلا “ضمير طبقي” يحمي توازنها. وحين جاءت الهجرة القروية في الثمانينات، لم تجد مدينة تُدبّر، بل مدينة تُباع.

المرحلة الأولى كانت تجزئة الجنانات، غالبًا بغطاء قانوني هش.

المرحلة الثانية كانت أخطر: رخص بناء غير قانونية، تُمنح مقابل منافع، أو تُغضّ عنها الأبصار مقابل صمت مربح.

المنتخبون تورطوا، بعض رجال السلطة تواطؤوا، والوجهاء مارسوا تأثيرهم. وهكذا، نشأت أحياء كاملة خارج القانون، لكنها تحت حماية غير معلنة من القانون نفسه.
ومع بداية التسعينات، بدأت الضربة القاصمة. معامل النسيج التي كانت تمتص اليد العاملة (مثل كوطيف ومانودرا) أغلقت أبوابها. مئات الأسر وجدت نفسها فجأة بلا مورد. البطالة لم تكن مجرد رقم، بل كانت نمط حياة. ومعها، انتشرت الهشاشة، وتعثر التعليم، وازدهرت المخدرات والعنف. ثم جاء إضراب 14 دجنبر 1990، كعلامة فارقة: المدينة لم تعد فقط مهمشة، بل غاضبة.

الجيل الأول من المهاجرين القرويين صمد بالكاد. الجيل الثاني وُلد داخل الأزمة. كبر في بيوت بُنيت على عجل، في أحياء بلا روح مدينة. وحين بلغ سن العمل، لم يجد عملاً. وحين تزوج، لم يجد إلا نفس الأحياء ليسكنها، في دورة جهنمية من الفقر والمضاربة.
وهكذا، بدأت طبقات جديدة من البناء العشوائي ترتفع فوق طبقات أقدم، كأن المدينة تبني نفسها فوق أخطائها.

ثم جاءت لحظة الحقيقة… أو بالأحرى، لحظات متكررة من الحقيقة.

في دجنبر 2025، انهارت بنايتان بحي المستقبل بمنطقة المسيرة ببنسودة. الحصيلة كانت ثقيلة: 22 قتيلاً و16 جريحًا، من ثماني أسر كانت تعيش داخل بنايتين شُيّدتا أصلاً بطابقين، قبل أن يقرر الجشع أن يضيف إليهما طابقين آخرين. الأساسات صُممت لتحمل القليل، لكن الطمع حملها أكثر مما تحتمل، فانهارت… ومعها انهارت حجة “لم نكن نعلم”.
لكن فاجعة 21 ماي 2026 بحي عين النقبي أعادت تعريف الكارثة نفسها. حوالي الثالثة فجرًا، بينما كان السكان نيامًا، انهارت بناية متعددة الطوابق بشكل كامل. في الساعات الأولى، تحدثت المعطيات الأن عن 15 قتيلا ، مع عدد من الجرحى، فيما بقي أشخاص تحت الأنقاض لساعات، والجيران يحفرون بأيديهم قبل وصول فرق الإنقاذ. الحصيلة ظلت ترتفع ساعة بعد أخرى، كأن الموت نفسه يتأخر في الإعلان عن أرقامه النهائية.

هذه البناية لم تسقط بسبب زلزال. لم تسقط بسبب فيضان. سقطت لأنها كانت، منذ سنوات، قائمة على توازن كاذب بين إسمنت مغشوش وضمير غائب. كانت تعيش في هدنة مؤقتة مع الجاذبية… إلى أن قررت الجاذبية أن تستعيد حقها.
السؤال لم يعد: لماذا سقطت؟ بل: كيف تُركت واقفة؟
لأن كل بناية من هذا النوع تمر عبر سلسلة طويلة من الصمت: عون رأى، منتخب علم، تقني مرّ، سلطة أجلت، ومالك أضاف طابقًا آخر، والجميع أقنع نفسه أن الكارثة لن تقع اليوم.

في فاس، لم يعد الانهيار حدثًا استثنائيًا، بل صار احتمالًا يوميًا. هناك أحياء كاملة خارج الأسوار، نشأت فوق الجنانات السابقة، لا تصلح حتى لمرور سيارات الإسعاف. أزقة ضيقة، بنايات متلاصقة، شبكات عشوائية، وأساسات لا يعرف أحد حقيقتها. ومع ذلك، يستمر الخطاب الرسمي في الحديث عن “المراقبة” و“التتبع”، وكأن المدينة مشروع قيد الإنجاز، لا مأساة قيد التكرار.
الدولة حاولت، نعم. برامج إعادة الهيكلة، محاولات القضاء على دور الصفيح، تدخلات هنا وهناك. لكن حجم الكارثة أكبر من أن يُعالج بقرارات جزئية. الولاية تتحرك في حدود اختصاصاتها، المنتخبون أسرى حسابات انتخابية، الوكالة الحضرية ترسم ما لا يُحترم، والسلطة المركزية توازن بين الإرادة والإكراهات.

لكن، وسط كل هذه المسؤوليات المتداخلة، يبقى سؤال أخلاقي أكثر قسوة من كل الأسئلة التقنية: من الذي بدأ كل هذا؟
الإجابة ليست مريحة.
أهل فاس الذين غادروا مدينتهم منذ الستينات والسبعينات، نحو الرباط والدار البيضاء، لم يغادروا فقط، بل باعوا. باعوا الجنانات، قسّموها، حولوها إلى بقع، ثم إلى نواويل، ثم إلى أحياء كاملة. قبضوا الثمن، واستثمروا في مدن أخرى، وتركوا فاس تتدبر أمرها.
واليوم، حين تسقط بناية في عين النقبي، أو في أي حي هامشي يحمل اسم “جنان” قديم، فإن الأمر لا يتعلق فقط بخطأ تقني أو تقصير إداري. إنه نتيجة سلسلة قرارات بدأت هناك… حين قرر البعض أن يحول الأرض من ذاكرة إلى صفقة.

المشهد الأخير يكاد يكون سرياليًا:
من مكاتب مكيفة في الرباط، يناقشون “إشكالية السكن غير اللائق” كأنها حالة نظرية.
ومن أبراج زجاجية في الدار البيضاء، يُتابع “أبناء فاس” أخبار الانهيارات. يناقشونها، يحللونها، وربما يتحسرون قليلًا…
قبل أن يعودوا إلى أعمالهم.
لكن الحقيقة، مهما كانت قاسية، تظل أبسط من كل التحليلات:

حين يسقط جدار في فاس، فإن صداه لا يجب أن يُسمع فقط في الأزقة الضيقة… بل أيضًا في القاعات الواسعة حيث يجلس من باعوا الأرض، ثم اشتروا الصمت. ما يحدث في فاس ليس قدرًا حضريًا، بل نتيجة سلسلة من التواطؤ التاريخي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى