مشروع ضخم يضع المغرب في سباق عالمي لاستقطاب الإنتاج السينمائي

كشفت صحيفة لوموند” الفرنسية عن إطلاق مشروع سينمائي طموح في المغرب يتمثل في إنشاء مدينة متكاملة لصناعة السينما بالقرب من العاصمة الرباط، تحمل اسم Argan Studios، في خطوة تعكس سعي المملكة إلى ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي وقاري رائد في مجال الإنتاج السمعي البصري. يمتد المشروع على مساحة تقدر بنحو 80 هكتارًا، ليشكل منظومة إنتاج سينمائي متكاملة تعد الأولى من نوعها في المغرب. ويضم المشروع استوديوهات تصوير ضخمة مجهزة بأحدث التقنيات، إلى جانب مركز متخصص في تكوين وتدريب الكفاءات في المهن السينمائية، فضلًا عن مرافق فندقية تضم فندقين، ومراكز مهنية للأعمال والمؤتمرات. ويصل حجم الاستثمار الإجمالي للمشروع إلى نحو 70 مليون يورو، مع توقعات بانطلاق أشغال البناء خلال العام الجاري، على أن يتم افتتاح المدينة السينمائية بشكل رسمي في أفق عام 2030. وترى “لوموند” أن هذا المشروع يعكس طموح المغرب في التحول إلى قطب إفريقي رئيسي لصناعة السينما والإنتاج التلفزيوني، لا سيما في ظل الاهتمام الرسمي الذي يحظى به، حيث يجري تطويره تحت إشراف ومتابعة أحد مستشاري العاهل المغربي الملك محمد السادس، وهو ما يعكس البعد الاستراتيجي الذي توليه الدولة لهذا القطاع الثقافي والاقتصادي.

ويراهن المغرب من خلال هذا المشروع على تعزيز قدرته التنافسية في استقطاب الإنتاجات السينمائية الأجنبية، في ظل منافسة متزايدة من دول أخرى نجحت في ترسيخ حضورها في هذا المجال، مثل جنوب إفريقيا وإسبانيا ومالطا. وتشير البيانات الصادرة عن المركز السينمائي المغربي إلى أن عدد الإنتاجات الأجنبية التي جرى تصويرها في المغرب خلال عام 2024 تجاوز خمسين عملًا سينمائيًا وتلفزيونيًا، باستثمارات إجمالية بلغت نحو 1.2 مليار درهم مغربي، أي ما يعادل حوالي 110 ملايين يورو. ويُنتظر أن يسهم مشروع المدينة السينمائية الجديدة في مضاعفة هذه الأرقام خلال السنوات المقبلة، عبر توفير بيئة إنتاج متكاملة تستجيب للمعايير الدولية، وتوفر فرص عمل جديدة للكفاءات المغربية، إلى جانب تعزيز نقل الخبرات والتقنيات الحديثة إلى قطاع الصناعة السينمائية في البلاد. كما يُرتقب أن يشكل المشروع رافعة اقتصادية وثقافية، تساهم في تعزيز إشعاع المغرب كوجهة عالمية لصناعة السينما والإنتاج السمعي البصري.

ويقف وراء تنفيذ المشروع اسم بارز في صناعة السينما المغربية، وهي المنتجة خديجة العلمي، البالغة من العمر 64 عامًا، والتي تتمتع بحضور دولي لافت، إذ تشارك في أنشطة الأكاديمية الأمريكية لفنون وعلوم السينما (الأوسكار)، وتتنقل بشكل منتظم بين لوس أنجليس والدار البيضاء. وستتولى العلمي تطوير المشروع عبر شركتها الإنتاجية K Films، حيث تعتزم الاستثمار بنحو 18 مليون يورو للحصول على حصة من الأرض تبلغ قرابة 40 هكتارًا، بهدف إنشاء أول استوديو سينمائي ضمن المشروع، والذي يُرتقب افتتاحه في عام 2027. ويُتوقع أن يتم تمويل نحو ثلثي هذا الاستثمار عبر دعم من مؤسسات مصرفية مغربية. وفي إطار التحضير التقني والاستراتيجي للمشروع، استعانت العلمي بفريق استشاري يضم نحو 12 خبيرًا دوليًا في مجال الإنتاج السينمائي والإدارة الفنية. ومن بين أبرز هؤلاء المستشارين جيسون هاريتون، الذي شغل سابقًا منصب مسؤول في منصة Netflix ومديرًا لدى مجموعة MBS، ويُنظر إليه كشريك استراتيجي في المشروع. وقد أسهم هاريتون في جذب اهتمام شركات إنتاج عالمية كبرى، من بينها Netflix وPrime Video وDisney، التي أبدت رغبتها في تصوير أعمالها المستقبلية داخل الاستوديوهات الجديدة، وفق ما أوردته الصحيفة الفرنسية. كما يُتوقع أن يشارك البنك الدولي في تمويل المشروع إلى جانب الصندوق المغربي للتدبير والإيداع، في خطوة تعزز من الثقة الدولية في هذا الاستثمار الثقافي والصناعي. ويضم الهيكل الاستشاري للمشروع عددًا من الأسماء البارزة في مجال الإنتاج والقانون السينمائي، من بينها المنتجة البريطانية جيلز هاسي، إضافة إلى المحاميين الفرنسيين ستيفان سيلفيستر ولوئك جايغرت-هوبر، الذين سيشرفون على الجوانب القانونية والتنظيمية المرتبطة بالمشروع.

وتملك خديجة العلمي خبرة واسعة في إدارة الاستوديوهات السينمائية، إذ تدير أيضًا استوديوهات أواسيز القريبة من مدينة ورزازات، التي تُعد واحدة من أبرز مواقع التصوير السينمائي في المغرب. وقد استقطبت هذه الاستوديوهات عددًا من الإنتاجات العالمية الكبرى، من بينها الفيلم الأخير للمخرج الأمريكي تيرينس ماليك بعنوان The Way of the Wind. وتشير “لوموند” إلى أن المغرب يتميز بمرونة كبيرة في توفير مواقع تصوير متنوعة، حيث تسمح مناظره الطبيعية وثراء تضاريسه بمحاكاة بيئات جغرافية متعددة، تمتد من مناطق شمال إفريقيا إلى الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، مرورًا ببلدان مثل الجزائر وأفغانستان والمملكة العربية السعودية ومصر، وحتى مناطق من جنوب فرنسا. وسيُكمل مشروع Argan Studios العرض السينمائي المغربي عبر التركيز على تطوير استوديوهات تصوير داخلية متطورة، وهو ما يشكل إضافة نوعية للبنية التحتية السينمائية القائمة في البلاد. كما يتميز الموقع الجغرافي للمشروع بقربه من مطاري الرباط والدار البيضاء، وهو عامل من شأنه تسهيل عمليات التنقل اللوجستي للفرق التقنية والفنية، وضمان انسيابية مختلف مراحل الإنتاج السينمائي، بدءًا من التصوير وصولًا إلى مراحل ما بعد الإنتاج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى