مقامة مدرسة السباعيين بفاس: الروْضُ الْأَنِيق وما نَالهَا مِنَ التَّمْزيق وَالتَّرفِيق

حكى الراوي الذي هو كاتب هذه المقامة، والكاشف عما تحت ظل الغمامة، فقال: يممت بلاد فاس، حاضرة العلم والإيناس، فألفيتها زاهرة الآثار، باهرة الأنوار، وقد تبوأت فيها مدرسة السباعيين محلا منيعا، وأثرا رفيعا، من ذرى الآثار المرينية العتيقة، والمعالم الأنيقة، والتي تدعى أحيانا بمدرسة السبعين البهية، هي معلمة تاريخية منيفة، ومأثرة علمية شريفة، تقع في ربوع المدينة العتيقة بفاس الشهيرة، ومستقر العلم والفضائل الغزيرة، ببلاد المغرب الأقصى الحامدة، ذات الآثار والأمجاد الخالدة، وقد تأسست هذه المدرسة المعمورة، والدار المأثورة، في عام ثلاثة وعشرين وسبعمائة من الهجرة النبوية، ألف وثلاثمائة وأربعة وعشرون ميلادية، على يد سلطان بني مرين ذي العزيمة العلية، أبو الحسن علي بن عثمان، المعروف بين الأنام  بأبي الحسن المريني ذي الشأن والبيان. وتقع هذه المدرسة المباركة بجوار شقيقتها مدرسة الصهريج العظمى، والتي بناها السلطان المذكور ذو الجود والأسمى، في عام واحد وعشرين وسبعمائة من السنين، لتكونا معا ملتقى للعلماء والمصلحين، ولما كانت هذه المعالم من عجائب البنيان، ومفاخر الزمان، قد أفرد لها السلطان اسما مخصوصا، أو رسما منصوصا؛ إذ كانت نجيرة مدرسة أخرى تدانيها سمتا ومنارا، وتلاصقها جوارا ودارا، فقضت الحاجة والعيان، أن يقع التمييز بين البنيانين، لتباين ما بين الرسمين في المساحة والكيان، فأما المدرسة العظمى، ذات الرونق الأسمى، فقد وسمها النقش التأسيسي الأول بـ “المدرسة الكبرى”، وهي التي عرفت في غوابر الأيام والأعمار، وتقلب الليل والنهار، بـ “مدرسة الصهريج” المشهورة الآثار. وأما شقيقتها الصغرى، ودرتها الأخرى، فقد دلت رقوم منقوشة على عتبتها، وسطور مرقومة في حضرتها، أنها “المدرسة الصغرى”، ثم آل بها مجرى اللسان، وعرف جلة الأنام في كل زمان، إلى أن سميت بـ “مدرسة السباعيين”؛ لما احتبست عليه زمنا طويلا، ومدى جليلا، من إيواء طلبة العلم الأبرار، واحتضان النجباء الأخيار، الذين انكبوا على تلقي القراءات السبع للتنزيل العزيز، وتجويد كتاب الله الوجيز. والقراءة في عرف جهابذة هذا الشأن القويم، ونقاد هذا الصراط المستقيم، علم شريف يبحث فيه عن كيفيات نطق الكلم القرآني، ووجوه أدائه المباني، اتفاقا واختلافا، وإتقانا وإسعافا، مع عزو كل وجه منقول، ولفظ مقبول، إلى من نقله من الأئمة الأثبات، والأعلام الثقات.

وحكى الراوي، هذه المدرسة الصغرى، والدرة الأخرى، قد نالت منها غوائل الأيام، ورمتها صروف الحدثان بالسهام، بأكثر مما أصاب جارتها الكبرى، وشقيقتها العظمى، فتطرق إليها البلى والوهن، بفعل الاهمال وتداول الزمن، وأوهنت قوامها المنيع، ترميمات قاصرة الصنيع، جرت قبل عهد الحماية الفرنسية والذمام، بأيدي نقصاء الأفهام، فكان من سوء تدبير السدنة والقوام، وجهلهم بحرمة الآثار العظام، أن جعلوا يقتطعون من جسد المبنى الأنيق، ليرقعوا به خللا في ناحية الطريق، ومما يقع عليه بصر الاعتبار، ويشعل في قلب اللبيب لاهب النار، أن نقائشه الخشبية العتيقة، المكتوبة بالخط الكوفي الحقيقة، قد انتزعت من مواضعها الأصيلة المنيفة، لتجعل دعائم للسلم الصاعد إلى الغرف الشريفة، حتى إن بعض تلك النقوش المأثورة، والآثار المسطورة، قد انقلب وجهها البهيج إلى الأسفل، في سقف الممر التحتاني الأسفل، وهكذا لعمر الحق، ويا لعجب الخلق، غدا الصناع الموكول إليهم حفظ الرسم والآثار، وصيانة هذه الدار، هم أنفسهم أدوات محوه وطمسه، ومحق دقائق زخرفه ولمسه، واعلم أن هذه المدرسة تقام على مساحة جد ضيقة، وتعرى عن مصلى وجامع تقام فيه الحقيقة؛ فلا تشتمل إلا على نزر يسير من غرف الطلبة والخلايا، تضيق بساكنيها من البرايا، حتى لقد باتت قبيل عهد الإصلاح مهجورة الجنبات، خالية من الطلاب والضحكات، إلا في أعراض مخصوصة، وأحوال بالذكر محفوفة، إذ كان من سيرة مجلس الجامعة الموقر، وأمره المقدر، أنه إذا نبا بأحد الطلبة سلوكه، وعز في طريق الرشاد ملوكه، أو جار عن محجة السداد والوفاق مع لداته في سائر المدارس والآفاق، أو حامت حوله ظنة السرقة والاعتداء، واجتراء على متاع الرفقاء والخلطاء؛ نفاه المجلس الحازم إلى مدرسة السباعيين هذه قصاصا، وجعل له فيها مقاما وانحباسا، ليقضي فيها أيامه في عزلة وانقطاع، كأنها محبس لتقويم الأود والطباع، وحسبما انتهى إليه الحافظ الأثري “ألفريد بل” في تفحصه العجيب، ونظره المجيب، فإن الظن يقوى والحدس يصفى، بأن هذه المدرسة كانت تتصل قديما بالمدرسة الكبرى المجاورة، عبر سرب أو نفق داخلي للمحاورة، لم ينقب عن معالمه نقش مستقصى، ولا تتبع بنيانه حتى الأقصى، غير أن رسمه زال مع العصور، فلم يبق له عين ولا أثر في السطور. وإذا رام المرء اليوم الانتقال من إحدى المدرستين إلى الأخرى، والوصول من الشقيقة الكبرى إلى الصغرى، فلا سبيل له يرتجى، ولا مسلك يبتغى، إلا أن يسلك زقاق مدرسة السباعيين الممتد بيمينه، الحاذي للواجهة الغربية من مسجد الأندلس الشهير في عينه.

وقال الراوي: واعلم أن هذه المدرسة المعمورة، والدار المأثورة، تتميز بتصميمها المعماري الفريد، وبنيانها الهندسي الطريف التليد، الذي يجمع برونقه الأسمى، بين الطراز الأندلسي الرقيق والمغربي الأسمى؛ حيث يلوح لك الفناء المركزي النضير، ذو البهاء المستنير، والذي تحيط به معارض من طابقين شريفين، وطبقتين منيفتين، تدعمهما أعمدة رخامية صقيلة، وأخرى من الطوب محكمة الحيلة. وفي قلب الفناء الفسيح الأرجاء، والمتسع الأرجاء، كانت تتوسطه نافورة رخامية تسحر العيون، وتذهب بالهموم والشجون، تتدفق بمائها الزلال الساكب، مما أضاف جمالا وهدوءا على الأماكن والجوانب، وأما السقف المرفوع، والسرير المجموع، فمزدان بنقوش خشبية متقنة الصنيع، ومحبر ببدائع من النحت الرفيع، تعكس براعة الحرفيين المغاربة الأبرار، وحذق المهرة من أهل ذلك العصر والديار، كما تضم هذه المدرسة سببا للطلاب، ومأوى لأولي الألباب، يحتوي على ثلاث وعشرين غرفة لإقامة أهل الطلب والتحصيل، الذين يبتغون العلوم بالبكرة والأصيل، مضافا إليها ثلاث غرف مكتبية للتقييد والدرس، وصيانة الفكر من اللبس والخلط والدمس؛ مما يعكس دورها الأسمى، ومقامها الأنمى، كمؤسسة تعليمية متكاملة الأركان، ومعهد علمي من مفاخر الزمان.

أضاف الراوي قائلا: وإذا كانت أعمال التجديد والتسديد، والوقف الصحي والتشييد، قد استتبت لهذه المدرسة واستقامت، وفي ظل عهد الحماية أقامت، بحلول شهر شتنبر الموصوف، من عام ثمانية وثلاثين وتسعمائة وألف من الهبوط والمألوف؛ فإن الإهمال العائد، وعادية الزمن الكائد، قد عاودا كرتهما عليها بوباء، وصبّا من البلاء ما أوجب الشكاء، فما هو إلا أن مضت خمسون حجة من السنين، وتوالت الأعوام على هذا الدفين، حتى صارت الإعادة ضرورة لا محيد عنها للناظرين، وطلبا لازما لجمع الغابرين. فقد انبجست المياه الغزيرة من السقوف والرواب، وتحلبت عيون المياه الجوفية من تحت التراب، فأحدثت عفنا ونخرا في الأساس، وأفسدت ما بناه متقدمو الناس، فنخرت روائق الجص البديع، وعوارض الخشب المنحوت الرفيع، ومما زاد الطين بلة، وأورث البنيان علة؛ أن رجفت الأرض بزلازل خفيفة وهزات، فصدعت الطبقات والواجهات، وأوهنت الحيطان الشامخات، والأساطين والركيزات الراسيات. فلم يكن بد من إغلاق بابها المرتج، ومنع السالك والمبتج، دفعا لمعرة السقوط والخراب، وحسرة الضياع والذهاب؛ إلى أن نهضت الهمام بتدابير عاجلة لتقوية عمادها، وإعادة رشدها وسدادها، في عام أربعة وألفين من ميلاد المسيح، بمعونة من منظمة “اليونسكو” ذات الصيت الفسيح، تمهيدا للإصلاح الأكبر، والترميم الأبهى الأطهر، لتعود كما كانت منارا للعلوم، ومقصدا للفهم والفهوم.

بيد أن هذه المدرسة الأنيقة، والمعلمة العتيقة، قبل أن تأخذ الأيدي الآسية في رأب صدعها، وإعادة بهائها ورفعها، قد وقعت واأسفاه، نهبا لأيدي العبث والنكراء، وعرضة للرزية والدهماء، في عام تسعة وألفين من ميلاد؛ إذ سعى إليها لصوص من الأشرار، وعاثوا في ساحاتها بالخراب والدمار، فاقتلعوا منها عمد الرخام النفيسة، واحتطبوا الجوائز الخشبية المنقوشة الأنيسة، ولم يرقبوا في هذا البنيان إلا ولا ذمة، ولا رعوا له حرمة بين الأمة؛ فأصبحت خربة متداعية، لا ينظر إليها طواعية، وانهيار جزء شجِي من رواق الطبقة الثانية، وعوق آمال الناس الأمانية، في استعادة رونقها البهيج سريعا، ورأب ثأيها لتعود مكانا رفيعا. ولم يزل هذا الحال الكئيب يراوح مكانه، ويهدم من البنيان أركانه، حتى تداركت المدرسة العناية الملكية السامية، وحفتها الألطاف الشريفة النامية؛ حيث انتظمت بحمد الله في سلك المبرات، ودخلت في “برنامج ترميم المدارس التاريخية لحاضرة فاس” ذي المكرمات، وقد انطلقت شرارة هذا التشييد المعمارية، وبزغت أنواره المشرقة السنية، في الرابع من مارس لعام ثلاثة عشر وألفين، تحت الرعاية الكريمة، والهمة العظيمة، لجلالة الملك محمد السادس أعز الله أمره، وأعلى في الصالحات ذكره، وفي شهر مايو الميمون الطالع، من عام سبعة عشر وألفين الكاشف للموانع، شهدت هذه المعاهد العتيقة، والربوع الوثيقة، بعثا جديدا بعد دثور، وظهورا مبينا بعد خفور؛ ففتحت أبوابها المغلقة، وشرعت ركابها المنمقة، لتكون مثابة كريمة للإيواء، ومنارة عظيمة للتعليم والاستضاء، ومقصدا فسيحا للسياحة، ومنتجعا لطلب العبرة والراحة.

حكى الراوي فقال: وقد قضت الأوامر السنية الملكية، والعزائم العلية الشريفة الزكية، بأن تخصص “مدرسة الصهريج” الغراء، لتلقين علوم الخط العربي المجيد ذي البهاء، وتقييد أصوله وقواعده الحسان، ليكون هذا الفن الشريف والبيان، فرعا مستقلا بأرواقه، متصلا بجامعة القرويين وأسواقه، وقد أبان وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الموقر، في محفل التدشين البهيج المعطر، أن الفوج الأول المبارك من الطلاب، البالغ عدته خمسة عشر من أولي الألباب، قد شرع بحمد الله في قراءة هذا الفن السني، وتلقي سحره البهي، تحت نظر شيوخ أجلاء وعظماء، من أكاديمية الفنون بالدار البيضاء، ومهرة الصناع الحذاق بمدينة فاس، أهل الإتقان والإيناس. وأما “مدرسة السباعيين” الشقيقة، وعلى الرغم من دخولها في زمرة النجائب المرممة الحقيقة، وحصولها على نصيبها من البهاء والتطهير، بعد ما نالها من الهدم والتغيير؛ إلا أنها بقيت بمعزل عن مشروع الإيواء المذكور، وتنحت عن سلك السكني المأثور. وما ذاك إلا نظرا لضيق جنباتها وفنائها، وصغر مضاجع غرفها وحنائها، التي لا تزيد على ثلاث وعشرين حجرة قصيرة الطول، لا تتسع لكثير من الفتيان والعقول، فبقيت آية للناظرين، وعبرة للمعتبرين، وشاهدة على همم الملوك الميامين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى