سقوط الأقنعة عند أسوار كأس العالم 2026: أُسودٌ شرى على المغرب وفي أمريكا نَعامٌ رَوابِض


تضعنا المفارقات التنظيمية التي سبقت نوازل كأس العالم لعام 2026 في ديار “الأمريكان”، أمام مسألة عميقة الغور، تكشف عن سرائر النقد الرياضي ومكنون ضغائنه. لقد شهدت رداه الاستعدادات هناك هفوات جساماً ومواقف لو أنها نزلت بساحة المملكة المغربية إبان احتضانها لكأس أمم إفريقيا لطارت بها لقاح الإعلام، ولجعلتها بعض المنابر العربية والإفريقية مادة للتشنيع وطعناً لا يخبو أواره. غير أن تلك الألسنة التي حدت شفارها في نقد النقير والقطمير بالمغرب، أمسكت اليوم عن الكلام، ولزمت صماتاً مريباً، وتبنت نبرة فيها من الخنوع والمداهنة ما فيها، إزاء ثغرات تنظيمية واضحة لاحت قبل قص شريط المحفل العالمي.
النازلة الجزائرية: بين رغد الرباط واستراق السمع في أمريكا
تتجلى أولى هذه المفارقات الصارخة في واقعة المنتخب الجزائري، إذ تعرضت حصصه التدريبية المحجوبة عن الأعين لما يشبه “التجسس الصريح” قبيل لقائه الافتتاحي ضد الأرجنتين. فقد عمدت قناة أمريكية إلى استخدام طائرة مسيرة لاستراق النظر وانتهاك سرية الخطط، في خرق تنظيمي يهتك حرمة المنافسة الشريفة. ورغم أن الصحافة العالمية وصمت الصنيع بـ”الفضيحة”، إلا أنه قوبل ببرود عجيب وصمت مطبق من لدن المسؤولين والإعلام الرياضي هناك. هذا النكوص يأتي على النقيض التام مما كان عليه الحال في المغرب، حيث كان ذاك الإعلام عينه يرى “مؤامرة كونية” في كل عرض زائل؛ فمن نظام الولوج إلى المدارج، إلى صريف أقلام الحكام، وصولاً إلى لجب الدعم اللوجستي الذي جرى تهويله عمداً. حدث هذا في زمن حظي فيه المنتخب الجزائري بأرقى سبل العيش في أفخم قصور الضيافة بالعاصمة الرباط، وركض بنوه على أديم ملعب الأمير مولاي عبد الله الذي يتبوأ ذروة الصروح الرياضية في القارة السمراء
المشهد السنغالي: جلبة في حمى المغرب وإذعان في المطارات الأمريكان
ولم يكن صنيع الاتحاد السنغالي بمعزل عن هذه الازدواجية المعيبة؛ في محفل المغرب، حيث أقام الاتحاد السنغالي الدنيا وأوجف الخيل والركل احتجاجاً على تجمهر نفر من المشغوفين لالتقاط صور مع الفرسان عند حلولهم بالرباط، زاعمين أن ذلك انفلات أمني يثلم سلامة البعثة، في مغاني أمريكا تتكرر المشاهد عينها حذو القذة بالقذة أمام حافلة المنتخب دون أن ينبس الجانب السنغالي ببنت شفة. غير أن الخطب جاوز المدى حين أخضعت البعثة لتفتيش دقيق وصارم في مطارات أمريكا، وصف في نوادي التواصل بـ”المهين”، فما كان من الاتحاد السنغالي إلا أن دبج بياناً تنفث سطوره لغة الاعتذار والتسويغ، حاسباً هذا الإجراء “سنة جارية تنطبق على العالمين”، في موقف مهادن تمجه النفوس الشماء، ويستحيل تمثله لو جرت فصوله على أرض المغرب.
مصر ولفح الهجير: صمت أمام سطوة الكبار؟
أما منتخب مصر، فقد قدم هو الآخر شاهداً حياً على هذا التباين المحموم؛ إذ رصدت عيون الكاميرات خلال المباراة الودية ضد البرازيل في مدينة “كليفلاند” الأمريكية، المدرب حسام حسن وهو يقي نفسه الأمرين تحت شمس حارقة ولفح هجير قاظ، لافتقار دكة البدلاء أو ظل ظليل يقيهم غائلة الحر. ومع أن هذا المشهد التنظيمي البائس كفيل بإيقاد نار الحرب الإعلامية لو اتفق في بلد إفريقي، ورغم أن المدرب نفسه كان من أعلى الأصوات جلبة ونكيراً على دقائق التنظيم في المغرب، إلا أن النازلة مرت برداً وسلاماً، فلم نسمع له ركزاً، ولا تبعتها تصريحات ملتهبة أو احتجاجات تذكر.
إن هذه الوقائع المجموعة تميط اللثام عن حقيقة لا مراء فيها، السهام التي صوبت نحو المغرب واصابت تنظيمه من بعض الأطراف لم تكن تصدر عن معايير مهنية قسطاس، أو غيرة صادقة على حياض اللعبة، ولكن حركتها رغبة نفسية جائرة تروم وسم الجهد المغربي بالعجز. ويبدو أن العقلية التي دبجت تلك المثالب لا تزال رهينة “عقدة الخواجا”، عاجزة عن قبول حقيقة أن بلداً إفريقياً عربياً كالمغرب قد بلغ شأواً بعيداً، وبات قادراً على مجاراة الأمم العظيمة، والبذخ عليها في حسن الوفادة وبراعة التنظيم وجودة الصروح.

