فاس تحت الأنقاض: من يحاسب “مافيا” البناء العشوائي وحُماتها؟

في كل مرة تنهار فيها عمارة بمدينة فاس، يتكرر المشهد نفسه كأنه طقس جنائزي محفوظ بعناية، سيارات الإسعاف، صرخات الأهالي، كاميرات الإعلام، تصريحات المسؤولين، ووعود بفتح تحقيق عاجل لا نعرف له مآلاً. لأيام قليلة فقط، تتحول المأساة إلى حدث وطني، ثم ينطفئ الضوء تدريجياً، وتُطوى الملفات كما طُويت قبلها مئات الملفات، بينما يبقى السكان وحدهم يحملون آثار الفاجعة في أجسادهم وذاكرتهم ومستقبل أبنائهم. وكأن الدولة لا تستيقظ إلا فوق الركام، ولا تتحرك إلا حين تتحول الجدران إلى قبور جماعية. لكن السؤال الحقيقي الذي لا يُطرح بجرأة كافية هو: من الذي سمح أصلاً بأن تتحول هذه الأحياء إلى قنابل إسمنتية موقوتة؟ من الذي وقّع؟ ومن الذي صمت؟ ومن الذي استفاد؟ ولماذا تتحول المآسي دائماً إلى مناسبة لإظهار “التعاطف الرسمي”، بدل أن تكون لحظة حقيقية للمحاسبة الجذرية؟

إن الكارثة ليست في انهيار عمارة بعين النقبي أو غيرها فقط، إنها في الثقافة الإدارية والسياسية التي سمحت بتراكم هذا الخراب لعقود طويلة. فالبناء العشوائي لا ينزل من السماء، ولا ينبت من الأرض فجأة، هو نتيجة شبكة معقدة من التواطؤات والصمت والفساد الإداري والانتفاع السياسي. لا يمكن لحي كامل أن يُبنى خارج القانون دون أن تكون هناك أعين رأت، وأيادٍ وقّعت، وسلطات سكتت أو استفادت. حين ينهار مبنى، لا يكفي أن نبحث عن صاحب المنزل أو المقاول الصغير، يجب أن يُفتح ملف المنطقة كلها، من كان قائداً آنذاك؟ من كان شيخاً أو مقدماً؟ من كان مسؤولاً عن التعمير والمراقبة؟ من منح التراخيص؟ ومن غضّ الطرف عن التوسع غير القانوني؟ ثم أين ذهبت تقارير اللجان؟ وهل كانت هناك تقارير أصلاً؟ إن الدولة التي تستطيع الوصول إلى أدق تفاصيل المواطن البسيط، قادرة أيضاً على الوصول إلى كل من ساهم في هذه الفوضى العمرانية، إذا توفرت الإرادة الحقيقية للمحاسبة.

لقد تحولت كثير من الأحياء الهامشية، التي نمت خارج القانون والتخطيط، إلى خزانات انتخابية جاهزة تُستثمر عند كل استحقاق سياسي. لقد كان التوسع العشوائي في أحيان كثيرة بفاس جزءاً من لعبة المصالح بين بعض المنتخبين والمسؤولين الإداريين الذين رأوا في هذه المناطق رصيداً بشرياً قابلاً للتوجيه يوم الانتخابات. وليس مجرد نتيجة للفقر أو الحاجة إلى السكن، كانوا يغضون الطرف عن البناء غير المرخص، ويتسامحون مع احتلال الملك العمومي، ويوزعون الوعود والخدمات الموسمية، فقط لضمان ولاء انتخابي مؤقت. لكن ما لم يدركه هؤلاء، أو تجاهلوه عمداً، هو أنهم كانوا يؤسسون تدريجياً لأزمة اجتماعية وأمنية عميقة. فحين تغيب الدولة الحقيقية، ويحضر منطق الزبونية والريع، تتحول الأحياء إلى فضاءات للهشاشة واليأس والانفلات. ومن رحم التهميش تنمو الجريمة، وتنتشر المخدرات، ويتوسع العنف، ويصبح القتل أحياناً لغة يومية داخل بيئات فقدت الإحساس بالحماية والعدالة والأفق. لقد ساهم كثير من الساسة والإداريين، بصمتهم أو تواطئهم، في إنتاج هذا الواقع الخطير. كانوا يعتقدون أنهم يفَرّخون الأصوات، لكنهم في الحقيقة كانوا يحفرون، بصبر بارد، أساسات الانهيار الاجتماعي والأخلاقي الذي تدفع المدن ثمنه اليوم

المؤلم أن الجميع يعرف طبيعة هذه الأحياء، ويعرف كيف نمت في الظلام، وكيف تحولت بعض البنايات إلى مشاريع للربح السريع على حساب حياة الفقراء. الجميع يعرف أن كثيراً من العمارات شُيّدت بمواد مغشوشة، وبلا احترام لأبسط شروط السلامة، وأن بعض الطوابق أضيفت ليلاً تحت حماية الصمت أو الرشوة أو النفوذ. ومع ذلك استمر كل شيء بشكل عادي، وكأن أرواح الناس بلا قيمة. لقد صار المواطن المغربي يشعر بأن هناك نوعين من القانون: قانون صارم يُطبق على الضعفاء، وقانون مرن يختفي حين يتعلق الأمر بذوي النفوذ أو المتورطين الكبار. ولهذا تتكرر الكوارث دون أن يشعر الناس بأن هناك عدالة حقيقية. فكم من مسؤول تمت محاسبته فعلاً بعد انهيار بناية؟ وكم من منتخب أو موظف أو رجل سلطة جُرّد من امتيازاته أو حُوكم علناً بسبب التواطؤ في البناء العشوائي؟ نادراً ما يحدث ذلك، وإن حدث فإنه يبقى محدوداً، وكأن المطلوب دائماً هو امتصاص الغضب لا معالجة أصل الداء. إن ما وقع في عين النقبي بفاس(المنكوبة) إنذار جديد بأن مدناً كاملة تعيش فوق هشاشة قاتلة. والأحياء التي بُنيت في ظروف مشابهة كثيرة ومعروفة( الجنانات، صهريج كناوة، بن دباب، ظهر الخميس، أجزاء من سيدي بوجيدة، عيونة الحجاج، عين السمن، بنسودة، وغيرها من المناطق التي تمددت خارج منطق التخطيط الحضري السليم) هناك عمارات تبدو واقفة، لكنها في الحقيقة متعبة من الداخل، متآكلة، محمولة على أعمدة من الغش والخوف والإهمال.

والمفارقة المؤلمة أن الدولة تعرف ذلك جيداً. تعرف أين توجد البنايات الآيلة للسقوط، وتعرف الأحياء التي تحولت إلى متاهات إسمنتية بلا مراقبة، وتعرف أسماء المضاربين والوسطاء والسماسرة الذين راكموا الثروات من فوضى العمران. لكن الإرادة السياسية الحقيقية ظلت مؤجلة، وكأن الملف أكبر من قدرة المؤسسات على المواجهة، أو لأن فتحه بالكامل سيكشف تورط أسماء نافذة لا يريد أحد الاقتراب منها. غير أن استمرار الصمت أخطر من الفضيحة نفسها. لأن كل تأجيل للمحاسبة هو مشاركة غير مباشرة في الكارثة المقبلة. وكل تردد في هدم بناية مهددة بالسقوط هو توقيع مؤجل على شهادة وفاة جديدة. الدولة لا تحتاج فقط إلى لجان تقنية بعد الكوارث، بل تحتاج إلى قرار سياسي شجاع يعلن نهاية مرحلة كاملة من العبث العمراني والإداري. لقد آن الأوان للقطع مع هذا الماضي الأسود، عبر إجراءات واضحة وحازمة، فتح جميع ملفات البناء المشبوه، مراجعة أرشيف التراخيص، محاسبة كل المتورطين مهما كانت مواقعهم، وتتبع ثروات المسؤولين الذين راكموا الامتيازات في فترات انتشار البناء العشوائي. فالمحاسبة الحقيقية لا نريده أن تكون بالسجن، نريدها أن تكون بتجريد كل من ثبت عليه الجرم من كل درهم في حسابه، مع كشف شبكات المصالح، وتتبع الحسابات البنكية، ومراقبة العلاقات التي حمت الفساد لسنوات طويلة.

وفي المقابل، لا يمكن معالجة الملف فقط بمنطق العقاب، لأن آلاف الأسر التي تعيش في هذه الأحياء ليست مجرمة، هي ضحية الفقر والهشاشة وغياب العدالة المجالية. كثير من المواطنين لم يبنوا بشكل عشوائي حباً في الفوضى، أو لأنهم لم يجدوا بديلاً يحفظ كرامتهم. ولذلك فإن أي سياسة جادة يجب أن تقوم على إعادة إسكان السكان في مشاريع تحفظ إنسانيتهم، وتوفر لهم شروط العيش الكريم، بدل تركهم رهائن لبيوت قد تتحول في أية لحظة إلى أنقاض. ثم إن الحق في السكن ليس مجرد جدران وسقف، هو حق في المواطنة، وحق في الأمان. وما قيمة مدينة تُزين واجهاتها السياحية بينما يموت فقراؤها تحت الإسمنت؟ وما معنى الحديث عن التنمية إذا كانت بعض الأحياء تُترك لعقود خارج الرقابة والخدمات والتخطيط؟ إن الكرامة العمرانية جزء من الكرامة الإنسانية، والدولة التي تحترم مواطنيها لا تسمح بتحويلهم إلى سكان مؤقتين داخل مقابر مؤجلة.

المغاربة اليوم لا يريدون فقط بيانات تعزية، يريدون دولة قوية بالقانون، لا بالمظاهر. دولة يشعر فيها المسؤول بأن المنصب تكليف لا حماية، وأن أي تهاون في أرواح الناس سيقوده إلى المحاسبة الصارمة. يريدون مغرباً تُحترم فيه المؤسسات، ويصبح فيه الفساد خطراً على صاحبه لا طريقاً للترقي والنفوذ. لقد تعب الناس من تكرار المآسي، ومن مشاهدة الدموع نفسها، والتصريحات نفسها، والوعود نفسها. فما إن تجف دموع فاجعة حتى تظهر أخرى في الطريق، وكأن البلاد دخلت في دورة حزينة من النسيان الجماعي. والكل يعرف أن هناك بنايات مغشوشة ما تزال قائمة، وأن هناك مسؤولين يعرفون حقيقتها ويسكتون عنها، وأن هناك حرباً صامتة تُشن يومياً على الفقراء باسم الإهمال والطمع والتواطؤ. لهذا لم يعد السؤال: من المسؤول عن انهيار عمارة هنا أو هناك؟، السؤال الأعمق هو: إلى متى سيستمر الإفلات من العقاب؟ وإلى متى ستظل أرواح البسطاء أقل قيمة من مصالح المتنفذين؟، إن إنقاذ المدن يبدأ يوم تقرر الدولة أن القانون يجب أن يكون فوق الجميع، وأن كرامة المواطن ليست ملفاً ثانوياً، وأن الصمت عن الفساد العمراني ليس خطأً إدارياً فقط، وإنما جريمة أخلاقية ووطنية مكتملة الأركان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى